
في استراحة المعمورة الرئاسية كان أنور السادات يجلس بهدوء يدخن غليونه، بينما جلس أمامه عمر التلمساني، المرشد العام لجماعة الإخوان، في حالة ترقب واضحة. ووفقًا لرواية الكاتب الصحفي مكرم محمد أحمد، الذي كان حاضرًا ذلك اللقاء، أبلغ السادات التلمساني باستعداده لمنح جماعة الإخوان مساحة أوسع للحركة داخل المجال العام، بما يشمل النشاط في الجامعات والشارع، في إطار ما بدا حينها توجهًا سياسيًا جديدًا.
لكن، في الوقت نفسه، أكد السادات على التلمساني أنّ هذا الانفتاح مشروط بالالتزام الكامل برؤية السادات، وعدم الخروج عن الخطوط التي يرسمها له.
ما سبق لم يكن مجرد اجتماع عادي، بل هو صفقة القرن التي غيرت وجه التاريخ المصري المعاصر. صفقة أراد منها السادات تقويض نفوذ التيارات اليسارية وعلى رأسها الناصريون الذين هيمنوا على الشارع والجامعات، ففتح الباب للجماعات الإسلاموية لتكون مخلب القط في هذه المعركة.
لم يكن السادات يتحالف مع التنظيمات الجهادية المسلحة، بل فتح المجال العام أمام التيار الإسلاموي عمومًا، وهو ما أتاح لاحقًا نمو تيارات أكثر تشددًا، خرج بعضها عن السيطرة.
لن نبرر ما فعله السادات، فقط سنحاول فهم لماذا فعل هذا، وهل كان هناك بدائل أفضل من الإسلاميين؟ الفكرة أنّ التحديات التي تواجه صانع القرار تجعله في بعض الأحيان يقدم على أشياء غير متوقعة بنية الوصول إلى نتائج معينة، وهذا ما حدث في حالة تعاون السادات مع هذه التيارات.
الضرورة السياسية
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل كان السادات مضطرًا لهذا التحالف؟ لفهم الإجابة يجب النظر إلى المشهد بعيون السادات نفسه في سبعينيات القرن الماضي. فالرجل خرج من حرب أكتوبر وقد حقق إنجازًا عسكريًا مهمًا، ثم بدأ يتحرك نحو مسار السلام بهدف استعادة سيناء كاملة. وفي المقابل، كانت التيارات اليسارية، التي امتلكت نفوذًا واسعًا داخل الشارع والجامعات آنذاك، تتبنّى خطابًا رافضًا للتسوية، وترفع شعارات مثل الصمود والتصدي وغيرها من الشعارات التي اعتبرها السادات عقبة أمام مشروعه السياسي.
في تصور السادات، كان تأثير اليسار الضخم على الشارع سيجعل من إتمام معاهدة السلام أمرًا شبه مستحيل في ظل شارع هائج تغذيه هذه التيارات بالكراهية، والنتيجة ستكون ضياع سيناء للأبد.
ضرورة السلام
أمّا الطرح القائل إنّ مصر انتصرت في الحرب، وبالتالي لم تكن هناك حاجة لمسار السلام، فهو طرح يتجاهل طبيعة الواقع العسكري والسياسي بعد انتهاء القتال. فبرغم الإنجاز الكبير الذي حققته القوات المصرية في أكتوبر، لم تستعد مصر سوى نحو 15% فقط من سيناء، بينما ظل الباقي من الأرض تحت السيطرة الإسرائيلية. ولم يكن ذلك نتيجة ضعف عسكري مصري، بل لأنّ الحرب نفسها وصلت إلى حدود اللحظة الممكنة سياسيًا وعسكريًا في ظل موازين القوى الدولية آنذاك.
فإسرائيل كانت تحظى بدعم أمريكي هائل وغير محدود، بينما لم تكن مصر تملك الإمكانات نفسها لخوض حرب مفتوحة أو معركة طويلة المدى تضمن تحرير كامل الأرض بالقوة وحدها. لذلك كان السادات يكرر دائمًا أنّ 99% من أدوات اللعبة في يد أمريكا. ولو تُركت الأمور لمنطق المعركة فقط، لبقيت مصر داخل حدود انتصار جزئي لا يستعيد سيناء كاملة.
ومن هنا لم يكن السلام رفاهية سياسية، بل أداة حاسمة لاستكمال ما بدأته الحرب، بعدما أدت القوة العسكرية دورها في كسر الجمود واستعادة جزء من الأرض وفرض واقع تفاوضي جديد.
لذلك كان هدف السادات واقعيًا: استعادة الأرض بأيّ ثمن، حتى لو استلزم الأمر التحالف مع الشيطان. كان يرى أنّ إنهاء حالة الحرب وتحرير الأرض يتطلب جبهة داخلية تؤيده، وهو ما لم يكن متوفرًا حينها، ومن هنا كان قراره بالاستعانة بالإسلاميين.
الأمر الآخر هو أنّ مصر في ذلك الوقت كانت تنتقل من المعسكر الشرقي الذي يمثله الاتحاد السوفييتي إلى المعسكر الغربي الذي تمثله الولايات المتحدة، وبالتالي لا بدّ من وجود قوى جديدة على الساحة أبعد ما تكون عن المعسكر الشرقي بانحيازاته وإيديولوجيته.
لماذا الإسلاميون وليس الوفد؟
الإسلاميون لم يكونوا القوى السياسية الوحيدة على الأرض وقتها، بل كان هناك قوى أخرى، حتى وإن لم تكن بالقوة نفسها، مثل حزب الوفد؛ فلماذا لم يستعن السادات بحزب الوفد للقيام بهذا الدور؟
قد تكمن الإجابة في عنصر الوقت والجاهزية، فحزب الوفد في ذلك الوقت كان يعاني نتيجة سنوات من التجميد، ولم يكن بقوته السابقة نفسها في الأربعينيات، بينما كانت التيارات الإسلاموية على اختلاف أشكالها تملك قدرة تعبوية سريعة في الشارع والجامعات.
كذلك يجب الأخذ في الاعتبار أنّ هذه المناورة لم تكن محلية الصنع بالكامل؛ فالمناخ الدولي كان يضغط في الاتجاه نفسه، مع تحول مصر إلى المعسكر الغربي، وشراكتها مع الولايات المتحدة التي كانت تشجع التيارات الدينية في الشرق الأوسط كحائط صد ضد التمدد الشيوعي السوفييتي.
وبالتالي ما فعله السادات من صفقة مع الإسلاميين لم يكن منفصلًا عن توجه عالمي بدأته أمريكا في خضم حربها الباردة مع الاتحاد السوفييتي.
بالإضافة إلى أنّ الاستعانة بالإسلاميين لم يكن فقط أداة سياسية ضد اليسار، بل أيضًا غطاءً اقتصاديًا يناسب مرحلة جديدة كان يسعى فيها السادات إلى التحول من الاشتراكية إلى اقتصاد السوق.
ثمن القرار
تحقق للسادات ما أراد؛ تم تقويض التيارات اليسارية، وتم توقيع معاهدة السلام، ووُضع جدول زمني لاستعادة سيناء بالكامل، لكنّ الأمور لم تسر على هذا المنوال المثالي.
سقط السادات في فخ التقدير الخاطئ، فالتيارات التي أطلق يدها لم تكتفِ بتقويض اليسار، بل حاولت تقويض الدولة نفسها، حيث بدأت الأزمات تتوالى: حادث اختطاف واغتيال وزير الأوقاف الشيخ محمد حسين الذهبي عام 1977 على يد جماعة شكري مصطفى الإرهابية. بالتوازي، تصاعدت حدة الاحتقان الطائفي، ووقعت أحداث عنف طائفي في أكثر من منطقة، وقبلها محاولة اقتحام الكلية الفنية العسكرية على يد الإرهابي صالح سرية في عام 1974.
كل ما سبق يجعلنا نتساءل: هل كان الأمر يستحق كل هذه التضحيات؟ وهل كانت التيارات اليسارية تملك فعلًا من النفوذ والقوة ما يدفع السادات إلى الاستعانة بتيارات ذات ميول تطرفية لمواجهتها، أم أنّه بالغ في تقدير حجم خطرها السياسي؟
هنا تبرز أحداث 18 و19 كانون الثاني/يناير 1977 كواحدة من اللحظات الفارقة بالنسبة إلى السادات؛ فقد رأى في تلك الانتفاضة الشعبية، وما صاحبها من حضور قوي لليسار والحركة الطلابية، مؤشرًا خطيرًا على قدرة خصومه على تحريك الشارع وتهديد مشروعه السياسي، وهو ما عزز قناعته بضرورة البحث عن قوة مضادة توازن هذا النفوذ وتحدّ من تمدده.
ندم بعد فوات الأوان
في أيامه الأخيرة أدرك السادات حجم الكارثة، وأعلن صراحة ندمه في خطابه الأخير في مجلس الشعب في أيلول/سبتمبر 1981 على فتح الباب لتلك الجماعات، لكنّ الوقت كان قد فات.
دفع السادات الثمن غاليًا؛ فالعناصر الإرهابية التي نمت في ظل سياسة المواءمة مع الإسلاميين اغتالته في يوم نصره في ذكرى السادس من أكتوبر في حادث المنصة الشهير.
ربما كان أحد مفاتيح فهم الاستعانة بالإسلامويين يكمن في شخصية السادات نفسه. نحن أمام رجل يثق في حدسه، يميل إلى المغامرة، ويؤمن بقدرته على قراءة المشهد أفضل من الجميع، وهذا صحيح إلى حد كبير، فانتصار أكتوبر ومعاهدة السلام ونتائجها من استعادة سيناء تثبت تفرد السادات ورؤيته بعيدة المدى التي تجاوزت تفكير الشارع المصري التقليدي الذي كان يضع عداءه للمعسكر الغربي حتى على حساب استعادة الأرض نفسها.
وقد يكون من العوامل الحاسمة في اندفاع السادات نحو تسريع إتمام التسوية إدراكه لطبيعة الطرف الآخر في المفاوضات؛ إذ كان يتعامل مع حكومة إسرائيلية ذات توجه يميني متشدد، أكثر صلابة وأقلّ مرونة في قضايا الانسحاب وتقديم التنازلات. وقد جعل هذا الواقع مسار التفاوض شديد التعقيد، ودفعه إلى الاعتقاد بأنّ إطالة أمد العملية قد تفتح الباب أمام التراجع أو المماطلة في تنفيذ بنود الانسحاب من سيناء. لذلك جاء سعيه نحو الحسم السريع جزءًا من حسابات سياسية ارتبطت بطبيعة المرحلة وتوازناتها.
لقد ربح السادات معركة الأرض، لكن خسرت مصر رئيسها في عملية اغتيال خسيسة نفذتها عناصر إرهابية. ومع ذلك، فإنّ قراءة هذه المرحلة لا تكتمل دون الإشارة إلى أنّ السادات نفسه كان قد أدرك حجم الخطأ في تقديراته، واعترف بذلك ودفع الثمن حياته، لتبقى تجربته مثالًا واضحًا على أنّ التحالف مع الجماعات الإيديولوجية المتطرفة هو رهان خاسر، مهما كانت النوايا نبيلة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%AF%D9%8A00_0_1_1_0_0.jpg.webp?itok=IzzqJrNy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%AC%D9%88%D9%85%20%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A_1_0_0_0_0_0.jpg.webp?itok=0OjY_8fk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/01_88_0_0.jpg.webp?itok=0kQcRIcL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A_2_0_2_4_0_1.jpg.webp?itok=kLF7uVIF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_0.jpg.webp?itok=-ytZF2BD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%AC%D9%8A_10_3_2_0_0.png.webp?itok=veLM0KG3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_41_2_0.jpg.webp?itok=IrREvM8t)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/FB_IMG_1544169028806-1.jpg.webp?itok=qwRRyDww)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6.jpg.webp?itok=04T3Qc2_)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D9%81%20%D9%8A%D8%AA%D9%85%D9%91%20%D8%AA%D8%A3%D8%B5%D9%8A%D9%84%20%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8%20%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D9%81%D9%8A%20%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_0_1.jpg.webp?itok=ccZ07Hvm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_158_3.jpg.webp?itok=NsR8Qg-C)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0068f-41_0_4.jpg.webp?itok=45UKeSnt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bd_3_0.jpg.webp?itok=2AIUpTU2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_28_0_2_2.jpg.webp?itok=q-0Er-5y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=nFtlfckI)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=l1Lu6_7b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/wtny_0_8_0.jpg.webp?itok=PykPrfzI)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%83_0.jpg.webp?itok=bruHBiiI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1-1275570_0_0.jpg.webp?itok=bXm4MTnr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_3_0.jpg.webp?itok=SMUzeMhe)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0101_1_10.jpg.webp?itok=pbgfrNEL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%8A%D8%B4_9_0.jpg.webp?itok=FRVAjScv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_267.jpg.webp?itok=fcPOzqZO)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0.jpg.webp?itok=FehfOz8l)