الانتخابات المحلية تعود بلبنان إلى المربع صفر

الانتخابات المحلية تعود بلبنان إلى المربع صفر

الانتخابات المحلية تعود بلبنان إلى المربع صفر


16/06/2025

ترجمة: محمد الدخاخني

أنهى لبنان مؤخَّراً الجولة الأخيرة من انتخاباته البلدية، ولم تكن الرسالة مطمئنة. فقد حقَّقت القوائم المدعومة من الأحزاب السياسية الطائفية في البلاد انتصاراً كبيراً. وهذا يُنبِئ بفترة من الاستقطاب المتواصل في وقت يحتاج فيه لبنان إلى التوحُّد حول مشروع للاستفادة من الديناميكيات المتغيرة في الشرق الأوسط.

وفي مقالة له في (إنترناشيونال بوليسي دايجست) الأمريكية، عبَّر محمد فحيلي، المدير التنفيذي المقيم لدى الجامعة الأمريكية في بيروت، عن مزاج عام في لبنان حول المسار الذي تسلكه البلاد. وتعليقاً على جولة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة في الشرق الأوسط، أشار فحيلي إلى أنّ "لبنان كان غائباً بشكل ملحوظ عن النقاش، إذْ لم يُستبعد لبنان من جدول الأعمال فحسب، بل يبدو أنّه اختفى منه كُليَّةً".

ويبدو أنّ المزاج السائد بين الأحزاب الرئيسة داخل لبنان منفصل تماماً عن التحولات الأوسع في المنطقة. فقد افتخر الحزب السياسي المسيحي الرئيس، القوات اللبنانية، بانتصاراته في مدينتي جونية وزحلة، بينما حَقَّق نتائج جيدة في معاقل مسيحية أخرى. ويرى زعيم الحزب، سمير جعجع، أنّ هذا يُبشر بخير في الانتخابات النيابية العام المقبل، حيث يأمل حزب القوات اللبنانية في تشكيل كتلة أكبر من كتلته الحالية.

ومن الأمور المُلحَّة بشكل خاص بالنسبة إلى جعجع ليس فقط تهميش التيار الوطني الحر بقيادة جبران باسيل، بل أيضاً التصدِّي لأيّ تحدٍّ انتخابي محتمل من قِبل مرشحين مدعومين من الرئيس جوزيف عون، الذي يعتبره جعجع بشكل سرّي منافساً له.

قائد التيار الوطني الحر: جبران باسيل

لقد حقَّق المرشَّحون المدعومون من حزب الله وحركة أمل المتحالفة معه نتائج جيدة في الجنوب وفي منطقتي بعلبك-الهرمل، لكنّ ذلك كان متوقعاً. فبعد الهزيمة العسكرية الأخيرة لحزب الله على يد إسرائيل، لم يكن من المُرجح أن يُعارض الناخبون الحزب على نحو قد يُظهر انقسامات من شأنها أن تُفاقم انتكاسات الطائفة الشيعية بسبب الحرب.

وبالمثل، في مناطق أخرى، حقَّق المرشحون المدعومون من الطبقة السياسية نتائج جيدة. لكنّ هذا كان أقلّ وضوحاً لدى الطائفة السنّية، بالنظر إلى فشل سعد الحريري، الذي كان يوماً ما الممثل المهيمن للطائفة، في المشاركة في الانتخابات. ومع ذلك، فإنّ تجدد الاهتمام السعودي بلبنان، وإن كان محدوداً، وسقوط حكومة الأسد في سوريا، قد ساعدا في إحياء طائفة لطالما شعرت بالتهميش خلال أعوام هيمنة حزب الله.

ومع ذلك، إذا كانت الأحزاب السياسية الطائفية قد فسّرت الانتخابات إلى حد كبير من منظور سياسي محلي، فقد تأكدت شكوك فحيلي فيما يتعلق بالمنطقة. إنّ بلداً مجزّأً، تقوده أحزاب سياسية ذات مصالح أنانية تركز على المكاسب قصيرة الأجل لضمان الهيمنة الطائفية، ليس بلداً مستعداً تماماً للتحولات الإقليمية.

قد تكون هناك استثناءات لهذا. فكما أشارت زميلتي مها يحيى من مركز (كارنيغي)، فإنّ قرار ترامب برفع العقوبات عن سوريا قد يكون له تداعيات إيجابية على جماعات الضغط المصرفية في لبنان، التي عرقلت الإصلاحات المالية بشكل منهجي، وذلك بسبب خوفها من إجبار البنوك على تحمل العبء الأكبر من الخسائر الناجمة عن الانهيار المالي في عامي 2019 و2020.

حقَّق المرشَّحون المدعومون من حزب الله وحركة أمل المتحالفة معه نتائج جيدة في الجنوب وفي منطقتي بعلبك-الهرمل

اليوم، إذا استؤنفت إعادة الإعمار في سوريا، يتوقَّع القطاع المصرفي اللبناني أن يلعب دوراً رئيساً في هذه العملية. ومع ذلك، لا يمكن أن يحدث هذا إلا إذا وافق القطاع على إعادة الهيكلة، ممّا يسمح للبنوك بإعادة تعويم نفسها. لكن حتى الآن هناك مقاومة في القطاع لذلك، سواء بسبب عدم وجود اتفاق حول من سيغطي الحصة الكبرى من الخسائر - البنوك أم  الدولة أم البنك المركزي - ولأنّ إعادة الهيكلة قد تؤدي إلى إقصاء العديد من البنوك.

الواقع هو أنّ العديد من الدول على ما يبدو فقدت صبرها تجاه لبنان، الذي أحبط على مرّ السنين العديد من الجهود لإصلاح اقتصاده. وقد أصبح البلد مقبرة للأساليب الجديدة، حيث يظل تحت سيطرة الكارتلات السياسية والمالية والتجارية التي تعمل بلا كلل على إسقاط معظم الأفكار التي تهدف إلى كسر الجمود المنهِك.

ومع ذلك، كانت رسالة زيارة ترامب للمنطقة واضحةً إلى حدٍّ ما. فهو يسعى إلى عالم تسود فيه العلاقات الاقتصادية والمصالح الشخصية، ويبدو أيضاً أنّه عالمٌ تُسيطر فيه الصين وروسيا والولايات المتحدة على مناطق نفوذها. وإذا كانت هذه هي رؤيته، فسيظل الشرق الأوسط ساحةً للتنافس بين الولايات المتحدة والصين، ممّا يعني أنّ دول المنطقة ستجني الكثير من المكاسب من خلال تموضعها بين القوى العظمى المتنافسة.

ومع ذلك، فإنّ لبنان، الذي كان يوماً ما بلداً يلعب دور الوسيط بامتياز، يفتقر إلى الأفكار، ويعاني من وضع جيوسياسي كارثي. لقد تحولت استراتيجية إسرائيل الإقليمية إلى تعزيز أمنها من خلال تفتيت جيرانها العرب والتصرُّف أو التخطيط للتصرُّف داخل أراضيهم مع الإفلات من العقاب، وقد يكون هذا كارثياً للبنان.

وفي ضوء ذلك، يجب على لبنان المضي قُدُماً في حواره مع حزب الله لضمان نزع سلاحه. فعندها فقط سيتمكن من تحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي وجعل الوضع طبيعياً بما يكفي للتفكير استراتيجياً في مكانته الإقليمية. ومن شأن هذا أن يُطمئن الدول الخارجية بأنّه يتقدَّم بما يكفي لجذب استثمارات أجنبية حيوية.

لكن حتى هذا قد لا يكون كافياً إذا لم يتغلب لبنان على فئويته الطائفية المُعيقة. وما لم يحدث هذا ويتحد اللبنانيون لصياغة رؤية مشتركة للمستقبل، سيبقى البلد مجرّد فكرة ثانوية، سيبقى مكاناً يستنزف شبابه لصالح مجتمعات أكثر حيوية، كالزهرة اليابسة، سيكون جميلاً وميتاً في آنٍ واحد.

المصدر:

مايكل يونغ، ذي ناشيونال، 4 حزيران (يونيو) 2025




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية