الاصطدام بين أنقرة وموسكو مستبعد.. فلِمَ يتبنى أردوغان سياسة الحرباء في إدلب؟

سوريا

الاصطدام بين أنقرة وموسكو مستبعد.. فلِمَ يتبنى أردوغان سياسة الحرباء في إدلب؟

مشاهدة

16/02/2020

عملية إعادة رسم الخرائط وتوازنات القوة في الشمال السوري تجري على قدم وساق، وتترافق معها أسئلة فرعية تعكس جزءاً من التجاذبات الميدانية الجارية من قبيل: تُرى إلى أي درجة تتناغم أو تتناقض تأكيدات وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، بأنّ الوضع العسكري في إدلب السورية لن يؤثر في صفقة إس-400 بين تركيا وأنقرة، مع تصريحات وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، الذي هدد بضرب التنظيمات الإسلامية المسلّحة في مناطق إدلب إذا لم يحترموا وقف إطلاق النار هناك؟! وإذا كانت هذه رسائل تهدئة ومغازلة مبطنة من جانب أنقرة نحو موسكو، فما معنى أنْ يتمركز نحو 10 آلاف جندي تركي على الأراضي السورية؟ وما معنى أن تنقل أنقرة الآليات العسكرية التركية الثقيلة إلى تلك المناطق لمواجهة قوات النظام، وتقوم بإنشاء نقاط مراقبة عسكرية جديدة غرب حلب، وتقوم بتزويد المعارضة السورية الموالية لتركيا بصواريخ أرض- جو؟

اقرأ أيضاً: سوريا: كنوز إدلب التاريخية ضحية أخرى للحرب


استبعاد الاصطدام العسكري بين القوات التركية والقوات الروسية في الشمال السوري سيعني أنّ أنقرة ستخضع، عاجلاً أم آجلاً، للضغوط التي تمارسها موسكو على حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان باتجاه إعطاء المجال للحكومة السورية لبسط نفوذها وسيطرتها على إدلب وحلب وإبعاد المجموعات الإسلامية المتشددة، كمقدمة لتوافق سياسي يعزز التهدئة في تلك المناطق، وهو في المحصلة تكريس لخسارات أنقرة العسكرية والسياسية في سوريا، ولعل آخر مؤشر على ذلك أنّ الجيش السوري بدأ أمس في إزالة المتاريس من على الطريق السريع بين دمشق وحلب؛ بعدما سيطر بشكل كامل عليه في إطار هجوم تدعمه روسيا.

أردوغان سيفكر مئة مرة قبل أن يخاطر بأزمة جديدة مع الروس في ظل تدهور علاقاته الأوروبية والأمريكية

وتقول وكالة أنباء "رويترز" إنّ ذلك "يمثل انتصاراً مهمّاً للرئيس بشار الأسد؛ نظراً لأن إعادة فتح الطريق السريع إم 5 ستعني استرداد أقصر طريق يربط بين أكبر مدينتين في سوريا لأول مرة منذ أكثر من سبعة أعوام. ويُنظر لاستعادة سيطرة الحكومة السورية على الطريق إم 5 على أنّها أحد الأهداف الرئيسية لهجوم تدعمه روسيا وبدأ منذ مطلع كانون الأول (ديسمبر) 2019 في شمال غرب سوريا الخاضع لسيطرة قوات المعارضة".
ونقلت "رويترز" عن مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، قوله إنّ "الحكومة (السورية) قد تسعى للسيطرة على مزيد من الأراضي شمالي حلب لتأمين المدينة".
موسكو غير مستعدة لاسترضاء أنقرة
المؤكد أنّ التنظيمات الإسلامية المسلّحة في إدلب أصيبت بالدهشة الشديدة وهي تستمع لكلمات وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، الذي هدد بضربهم إذا لم يحترموا وقف إطلاق النار؛ نظراً لأن هذه التهديدات تأتي ممن دخل إلى الأراضي السورية تحت شعار حمايتهم وإنقاذ آخر الجيوب التي لجأ إليها الجهاديون في سوريا، كما يقول تحليل نشرته "إذاعة مونت كارلو" الدولية.

اقرأ أيضاً: تركيا تجدد حيوية داعش وترعى انتقال الإرهابيين من سوريا والصومال إلى ليبيا


وتضيف الإذاعة بأنّ حجم دهشتهم كان كبيراً؛ لأن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كان قد هدد قبل ذلك بأيام بضرب قوات النظام السوري في أرجاء البلاد كافة، بعد مصرع عدد من جنوده. وتابع التحليل "ربما لم ينتبهوا إلى الرد الذي جاء من الخارجية الروسية، وليس من الكرملين؛ إذ دعت تركيا للكف عن إصدار بيانات استفزازية حول الأحداث في سوريا، وسلسلة التصريحات الروسية التي اتهمت تركيا بعدم احترام وقف إطلاق النار في إدلب ولجم زمام الجهاديين، بينما دمشق هي التي تشن هجوماً قوياً لاستعادة المنطقة بضوء أخضر وبدعم عسكري قوي من موسكو".

فتح جبهتين في سوريا وليبيا أمر مكلف للغاية ويثقل على وضع، أقل ما يقال عنه إنّه مضطرب داخل تركيا

لعل كل هذه المعطيات والتطورات تنتظم في فحوى ومغزى واحد وهو أنّ حكومة أنقرة تدرك أنّ معركتها العسكرية خاسرة في إدلب، وأنّ الخطوات التي تتخذها هناك هي لحفظ ماء الوجه، وتهدئة الداخل التركي بعد مقتل عدد من جنودها، ومحاولة الحصول على أوراق للمناورة، قد تسعف حكومة أردوغان في المحادثات السياسية مع موسكو ودمشق.

وفي هذا السياق تشير "إذاعة مونت كارلو" إلى أنّ أنقرة سارعت للإعلان عن إرسال وفد إلى موسكو لبحث أزمة إدلب مع المسؤولين الروس، وهي زيارة لم يرفضها الكرملين، ولكنه استقبلها ببرود، وأفادت مصادره أنّه لا ينبغي على أردوغان أن ينتظر الكثير منها. وأردفت الإذاعة بالقول إنّ من "الواضح أنّ روسيا تريد تحقيق نتيجة سريعة في سوريا، وليست مستعدة لتضييع الكثير من الوقت لبحث وإرضاء مطامع تركيا في سوريا، خصوصاً وأنّها الطرف القوي في العلاقة مع أنقرة".

اقرأ أيضاً: تركيا وازدواجية المواقف بين سوريا وليبيا

سياسة الحرباء
وفي تأكيد لاستبعاد أن يقوم أردوغان بالتصعيد مع موسكو وافتعال أزمة جديدة معها تؤكد "مونت كارلو" بأنّ زيارة الرئيس بوتين، قبل حوالي الشهر إلى أنقرة، لافتتاح خط أنابيب الغاز الروسي الذي يمر تحت البحر الأسود، وقيام موسكو ببناء أول مفاعل ذري في تركيا، إلى جانب منظومة الدفاع الروسية إس-400 التي اشترتها تركيا وغيرها تؤكد أنّ أردوغان سيفكر مئة مرة قبل أن يخاطر بأزمة جديدة مع الروس في ظل تدهور علاقاته الأوروبية والأمريكية.

الكعكة الليبية أكثر إغراء لأنقرة على المستوى الاقتصادي من الكعكة السورية

أضف إلى ذلك أنّ الكرملين لا ينظر بعين الرضا إلى قيامه بإرسال مقاتلين إلى ليبيا لمواجهة مقاتلي "فاجنر" الذين يقاتلون إلى جانب المشير خليفة حفتر، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ فتح جبهتين في سوريا وليبيا في آن واحد هو أمر مكلف للغاية ويثقل على وضع، أقل ما يقال عنه إنّه مضطرب داخل تركيا، والكعكة الليبية أكثر إغراء لأنقرة على المستوى الاقتصادي من الكعكة السورية.

وتخلص "إذاعة مونت كارلو" إلى القول إنّ "سياسة الحرباء والقفز من معسكر إلى المعسكر المضاد هي عنصر ثابت، تاريخياً، لدى الإسلام السياسي، الذي يعتبر أردوغان قطبه الرئيسي، حالياً، في المنطقة، وهي سياسة تحقق بعض المكاسب لقوى سياسية خارج السلطة"، ولكنّ الغريب اعتمادها، أيضاً، كسياسة ثابتة ومستمرة لدولة إقليمية مثل تركيا.

الصفحة الرئيسية