
مختار الدبابي
ما يجري اليوم في الشرق الأوسط يعيد إنتاج الشروط التي ازدهر فيها الإسلام السياسي في محطات سابقة. حروب مفتوحة وتوترات إقليمية، أزمات اقتصادية خانقة، استقطابات إقليمية حادة، وتآكل الثقة بين الدولة وقطاعات اجتماعية واسعة. هذه البيئة المضطربة لا تعني بالضرورة عودة فورية للإخوان إلى الحكم، لكنها توفر لهم فرصة لاستعادة الأنفاس وإعادة بناء الشبكات التي تم تفكيكها في سنوات ماضية.
هناك أزمات كثيرة فشلت المنطقة في إدارتها والبحث لها عن حلول، وذلك إما لغياب الإرادة أو لاعتبارات تتعلق بنفوذ أكبر من قدراتها، مثلما جرى في حرب غزة، التي منحت جماعات الإسلام السياسي السنية، على وجه الخصوص، مبررات العودة إلى الواجهة من بوابة الهجوم على الأنظمة العربية وسلبيتها في تطويق الحرب.
صحيح أن حركة حماس أو الجهاد أو حزب الله قد جرت المنطقة إلى سوء تقدير واندفاع في استدعاء مدلولات دينية مثل مصطلح الجهاد، الذي يفترض أن يقوم دينيا على التكافؤ وحساب القدرات قبل المغامرة. لكن في غياب سردية مقابلة لها تأثير سياسي على الأرض، والمقصود هنا سردية التفاوض التي تقودها دول الاعتدال وفشلها في وقف الحرب ومنع تحولها إلى عقاب جماعي للفلسطينيين، ومحدودية القدرة على الضغط على إسرائيل والولايات المتحدة لمنع حالة الدمار الكبرى، فقد حصل الإسلاميون بمختلف تفريعاتهم على صك للظهور بمظهر الدفاع عن الأمة، مع امتلاكهم حضورا كبيرا في وسائل الإعلام التقليدية وعلى مواقع التواصل. تُضاف إلى ذلك استفادتهم من اصطفاف القوى القومية واليسارية والعربية وراءهم حتى لا تُتهم بمعاداة المقاومة وخدمة المشروع الإسرائيلي.
وبقدر ما كان تأثير الحرب كارثيا على الفلسطينيين، فإنه منح مجاميع الإسلام السياسي قبلة الحياة وأعادها إلى الواجهة في غياب سرديات مناوئة لها.
وهناك عامل ثان صب في صالح الإسلاميين، وهو فشل موجة “الربيع العربي” التي تم التعامل معها على أنها مؤامرة للتفكيك والفوضى، ولم يُنظر إلى المطالب التي حملتها، وخاصة ما تعلق بالحريات والديمقراطية وبناء مؤسسات تكون قادرة على محاربة الفساد.
صحيح أن الإسلاميين ركبوا على الموجة وسيطروا عليها، وهذا مفهوم لأنهم القوة الوحيدة المنظمة والمتماسكة، لكن ما حصل أن الهدف لم يكن فقط إسقاط الإسلاميين، بل منع الانزلاق إلى تحقيق شعارات الثورات التي جاء بها “الربيع العربي”، وبينها حقوق مباشرة مثل العدالة الاجتماعية وتوفير فرص العمل للملايين من الشباب، وكذلك حقوق ضرورية لبناء دول متماسكة مثل الديمقراطية والمؤسسات المنتخبة وحقوق الإنسان والتأسيس للنزاهة كنظام حكم.
تم إسقاط الإسلاميين والإطاحة بالقيم التي حملتها الثورات، والعودة إلى المربع الأول الذي سبق وأن أعطى مشروعية لجماعات الإسلام السياسي والجمعيات المدنية والحقوقية في مواجهة الأنظمة. والحكومات التي تلت حكم الإسلاميين المحدود كان عليها أن تعمل على التمكين للقيم التي حملتها الثورات لتأمين الاستقرار وخلق حالة من التفاؤل لدى الأجيال الجديدة، وبالنتيجة قطع الطريق على استثمار الإسلاميين في الأزمات.
تُركت بعض الدول التي تخلصت من حكم الإسلاميين، بالنزول إلى الشارع أو عبر تجيير القوانين والصلاحيات الدستورية، وحيدة تعاني من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، مع زيادة منسوب المطلبية التي غذتها الثورات واجتراء الحركات الاجتماعية والشبابية على الدولة. وفي غياب دعم مالي أو استثماري عربي، اضطرت بعض تلك الحكومات إلى إعادة إنتاج تجارب اقتصادية متعثرة تراوح مكانها، بدلا من تقديم بدائل تعطي مشروعية لدى الشارع لخيار التخلي عن الإسلاميين، والأهم أنها تفتح الباب أمام الأمل في المستقبل.
جربت بعض الدول وصول الإسلاميين إلى الحكم، ولو لفترات محدودة، ووقفت على حقيقة قدراتهم وأفكارهم. ليس هناك سوى شعارات عامة وفضفاضة مثل “الإسلام هو الحل”، أو أن تطبيق الشريعة هو الطريق الوحيد لحل الأزمات. المشكلة ليست في الشعار، ولكن في أن من يرفعه يتخذه مظلة للوصول إلى السلطة دون أن تكون لديه خطط أو برامج أو دراسات مستفيضة بشأن شرح وتنزيل الشعارات المرفوعة.
في تونس مثلا، دخل الإسلاميون السلطة بلا رؤية فلم يفيدوا البلاد، وعلى العكس، فقد فتح عجزهم عن إدارة الدولة أبواب بلاء كثيرة، منها صعود موجة التشدد الديني التي تحولت لاحقا إلى أعمال إرهابية ضد مؤسسات الدولة، ومنها فوضى استضعاف الدولة وإغراقها في التزامات لا قبل لها بها، من انتدابات كثيرة، واختراق حزبي ونقابي، والاستهانة بأسرارها وملفاتها الداخلية التي باتت معروضة على الفضائيات.
ولذلك، يجد المنتمون إلى الإسلام السياسي، وبالأساس فروع الإخوان المسلمين في المنطقة، راحة كبيرة في أن يكونوا على الربوة، خارج السلطة كليا، حتى يمكنهم المزايدة على من يحكم. وخلال فترة حكمهم في بعض البلدان مثل تونس، بحثوا عن ابتداع صيغ من “الوفاق” و”التوافق” و”الشراكة”، التي تتيح لهم تسليم الحكم للتكنوقراط على أن يظلوا هم في الصورة ويحكموا من وراء الستار.
ومن المهم الإشارة هنا إلى أن موجة التصدي للإسلاميين في مرحلة “الربيع العربي” وما بعدها لم تكن في أغلبها ناتجة عن مقاربة سياسية وثقافية ومخاوف من انتكاسة لبعض المجتمعات التي قطعت خطوات في مسار التحديث. في الأغلب الأعم كان الهاجس الأمني المحلي والإقليمي وراء محاصرة الإسلاميين، وخاصة بعد اتساع دائرة الإرهاب في سوريا والعراق، والفوضى التي أنتجها إسقاط نظام حكم الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح. ومع تغير هذه الظروف بدأت ترتخي القبضة الأمنية، ويتراجع النقاش حول الظاهرة وخطرها، وتسلل الحديث مجددا عن فرص إدماجها، وفي الغالب التغاضي عنها ليس من باب التعاطف معها، ولكن من باب زوال الخطر.
لكن الخطر الفكري والثقافي لا يزول. وإذا كان الخطر الأمني يمكن تلافيه بخيار القوة، فإن خطر الاستقطاب الفكري لا ينفع معه المنع ولا التراخي، بل النقاش المتواصل الذي يفتح أعين الناس، وفي الوقت نفسه يحذرهم من التعاطف أو الانسياق وراء مشروع هلامي. وهذا مهم لأن الأفكار الطوباوية من السهل أن تجلب الناس إليها، خاصة إذا كان ذلك متزامنا مع وضع اقتصادي واجتماعي صعب.
بعد ثورة “الربيع العربي” تشكلت جبهة بين دول إقليمية للوقوف في وجه الإسلام السياسي ومنعه من السيطرة داخل مجتمعات محافظة مهيأة له. ساد الكثير من الجدل والنقاش والمؤتمرات التي تتدارس مخاطر الظاهرة، ما أوحى بوجود جبهة فكرية ودينية آخذة في التشكل والتوسع وتشمل دولا ذات رمزية دينية. لكن مع الوقت تراجع الحذر والحيطة، وتم تجاوز فكرة الجبهة مع ظهور تباينات في ملفات إقليمية بين الدول التي تتقارب مواقفها من الإسلام السياسي.
ومن شأن الاستقطاب بين القوى الإقليمية أن يفتح هوامش لهذه الجماعات لإعادة التحرك. فحين تتباين أجندات العواصم الكبرى في المنطقة، قد تتحول بعض أوراق الإسلام السياسي إلى أدوات ضغط متبادلة أو إلى رسائل سياسية غير مباشرة. هذا لا يعني بالضرورة دعما صريحا، لكنه يخلق مساحات رمادية يستفيد منها التيار لإعادة الحضور الإعلامي والسياسي، وخاصة في ظل امتلاكه شبكات واسعة على مواقع التواصل ووجودها في حالة توثب لشن الهجمات وشيطنة الخصوم.
الخلاصة أن الإسلام السياسي لا يولد من رحم الاستقرار، بل من الفوضى ومن الأزمات الاقتصادية. وحين تتعرض دولة إقليمية لضغوط، يجد فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة الانتشار. غير أن استعادة الأنفاس شيء، واستعادة الثقة الشعبية الواسعة شيء آخر. الأزمات قد تفتح الباب، لكنها لا تضمن البقاء ولا تؤسس لشعبية، حتى وإن كانت تحت مظلة دينية أو مذهبية.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_7_6_1.jpg.webp?itok=EtF2Zx6c)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_15_1_1.jpg.webp?itok=aAmNhDza)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/banna_9.jpg.webp?itok=7S1FOv5R)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_37_0_0_0.jpg.webp?itok=X_cwWGwT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/454117_0.jpeg.webp?itok=ATRUKXbk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Al-Qaeda-and-the-Houthis_1_0.jpg.webp?itok=m3wFK8u4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%83%D9%84%20%D9%83%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AB%D9%8A%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%AC%D8%A9%20%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D8%AC%D8%A7%D9%86%20%D8%B9%D8%A8%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84_0_0.jpg.webp?itok=-CP5rEqg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_2_0_0.jpg.webp?itok=PovzOHl2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_211_0.jpg.webp?itok=poBpQhm-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_26.jpg.webp?itok=FsHM-4Gc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_19_1.jpg.webp?itok=Sr99NZL9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

