الإخوان تحت المجهر... مساعي الجماعة الإسلامية في باكستان تتواصل لتقويض مؤسسات الدولة

الإخوان تحت المجهر... مساعي الجماعة الإسلامية في باكستان تتواصل لتقويض مؤسسات الدولة

الإخوان تحت المجهر... مساعي الجماعة الإسلامية في باكستان تتواصل لتقويض مؤسسات الدولة


23/11/2025

شهدت باكستان خلال الأسابيع الأولى من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، سلسلة من التصريحات والتجمّعات الحاشدة التي قادها أمير الجماعة الإسلامية، حافظ نعيم الرحمن، كشفت بوضوح عن عزم الجماعة على توسيع نفوذها السياسي ومحاولة إعادة صياغة قواعد المشهد الداخلي بما يتجاوز حدود المنافسة الانتخابية التقليدية. 

وتظهر مواقف الجماعة، في مجملها، مزيجاً من الخطاب الإيديولوجي الحركي القائم على "أسلمة السياسة" وفق إرث أبي الأعلى المودودي، ومحاولة مباشرة لإضعاف مؤسسات الدولة والتشكيك في شرعية النظام القائم، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية والقضاء والدستور.

توضح قراءة متصلة لمواقف حافظ نعيم خلال الفترة من 6 إلى 11 تشرين الثاني (نوفمبر) أنّ الجماعة الإسلامية تحاول الانتقال من دور المعارضة السياسية إلى موقع من يسعى فعلياً لإعادة تشكيل نظام الحكم، عبر إطلاق "حركة وطنية منظمة لتغيير النظام"، وإظهار تحدٍّ غير مسبوق لمؤسسات الدولة، بالتوازي مع خطاب تعبوي يحشد الجماهير في تجمعات جماهيرية ضخمة في منار باكستان.

انتقاد المؤسسة العسكرية ورفض التعاون الأمني 6" تشرين الثاني (نوفمبر)"

بدأت ملامح هذا التصعيد السياسي بوضوح في السادس من تشرين الثاني (نوفمبر)، عندما أعلن حافظ نعيم الرحمن أنّ الجماعة الإسلامية "لن تدعم خطوة إرسال قوات باكستانية إلى غزة"، مستغلاً حدثاً خارجياً لتوجيه انتقاد داخلي للمؤسسة العسكرية. ولم يكتفِ أمير الجماعة بإعلان الموقف، بل أكّد أنّ "دور المؤسسة العسكرية في السياسة يجب أن ينتهي"، في إشارة مباشرة إلى رغبة الجماعة في تقليص نفوذ الجيش، وهو أحد أعمدة الدولة الباكستانية منذ تأسيسها.

من خلال هذا التصريح، تسعى الجماعة ـ التي تتبنّى خطاباً تقليدياً معادياً لإسرائيل ورافضاً للتطبيع ـ إلى تسجيل موقف شعبوي، لكنّها في الوقت نفسه توجّه سهامها نحو الجيش، عبر تكريس صورة أنّ المؤسسة العسكرية تتجاوز صلاحياتها الدستورية، وأنّ الجماعة وحدها تمثل "الموقف الإسلامي الصحيح" في الملفات الوطنية والخارجية. ويكشف هذا الخطاب عن محاولة متعمدة لخلق شرخ بين الجيش والشارع المحافظ الذي تستند إليه القوى الإسلامية في باكستان.

في اليوم التالي بدا الخطاب أكثر وضوحاً وجرأة. تحدث حافظ نعيم الرحمن في حفل إطلاق كتاب عن مؤسس الجماعة الإسلامية أبي الأعلى المودودي، وحوّل المناسبة الثقافية إلى منصة سياسية تهاجم النظام القائم. واستعاد نعيم إرث المودودي ليؤكد أنّ الجماعة "تتبنّى السياسة الانتخابية وفق فكر مودودي"، لكنّه اتهم النظام الانتخابي بأنّه "ضحية للمؤسسة العسكرية".

وفي لهجة غير مسبوقة، أعلن أنّ الجماعة لن تعود إلى "سياسات الائتلاف القديمة"، وأنّ المرحلة المقبلة ستعتمد على "تحالف مع الشعب فقط"، في رسالة تنطوي على أنّ النظام القائم فاقد للشرعية الشعبية. ورفع سقف التحدي حين قال: إنّ التجمع العام في منار باكستان "سيغير مسار سياسة البلاد"، وسيكون بداية "حركة جديدة للتخلص من النظام".

بهذا المعنى تحاول الجماعة الإسلامية طرح نفسها بوصفها قوة بديلة للنخب السياسية التقليدية وللمؤسسة العسكرية معاً، واستخدام التجمعات الشعبية كسلاح ضغط، من أجل فرض خطاب سياسي يقوم على تغيير قواعد اللعبة بالكامل لا المنافسة داخلها.

إطلاق "الحركة الوطنية لتغيير النظام" 

في اليوم نفسه انتقل حافظ نعيم الرحمن من التلميح إلى التصريح، وأعلن أنّ الجماعة ستطلق "حركة وطنية منظمة لتغيير النظام بالكامل"، وأنّ هذه الحركة ستنطلق مع الاجتماع العام في 21-23 تشرين الثاني (نوفمبر)، وحرص على وصف الحركة بأنّها "ضمن الإطار الدستوري"، في محاولة لكسب شرعية شكلية، لكنّ مضمون خطابه يكشف أنّ الهدف هو إعادة هندسة السلطة من خارج المؤسسات الحالية.

شعار الجماعة "بدل النظام" لم يقدَّم باعتباره شعاراً سياسياً، بل وصفه نعيم بأنّه "إعلان نضال عملي"، مؤكداً أنّ الاجتماع العام سيكون "أكبر تجمع للحركات السياسية الحديثة في العالم". هذه اللغة التعبوية تؤكد أنّ الجماعة تراهن على الحشود لإظهار قوتها، على غرار أساليب الحركات الإسلامية في بلدان أخرى، مثل حشود الإخوان في مصر عامي 2012 و2013.

وفي خلفية هذا الخطاب يظهر هدف آخر: الضغط لتغيير التعديل الدستوري السادس والعشرين ورفض التعديل السابع والعشرين، اللذين تصفهما الجماعة بأنّهما "محاولة للسيطرة على النظام وتعزيز قبضة الطبقات الحاكمة".

مع اقتراب موعد التجمع الحاشد، صعّدت الجماعة هجومها على مؤسسة رئاسة الجمهورية. فقد وصف حافظ نعيم الرحمن منح حصانة مدى الحياة للرئيس بأنّها خطوة "خاطئة ومخزية من جميع النواحي: الدينية والدستورية والديمقراطية والاجتماعية والسياسية". وأضاف أنّها "تقضي على نظام العدالة تماماً".

ومع بدء التحرك في 21 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري نظّمت الجماعة الإسلامية تجمعاً واسعاً في منارة باكستان بلاهور، وأعلن حافظ نعيم الرحمن أنّ هذا التجمع الممتد لثلاثة أيام يهدف لإطلاق تحرك سلمي يطالب بتغيير النظام، وقد منحت حكومة إقليم البنجاب الترخيص للتجمع وفق ضوابط أمنية محددة تشمل تنظيم المساحات وفصل الحشود وضبط استخدام مكبرات الصوت.

ركّزت خطابات قادة الجماعة على الدعوة لرفض القوانين التي يرون أنّها تخالف القرآن والسنّة، مع التأكيد على معاناة الشباب من غياب الفرص واتهام النظام بالعجز عن الوفاء بوعوده. 

شارك في الحدث عدد من قيادات الجماعة داخل باكستان وخارجها، وتُعتبر المنارة موقعاً رمزياً يمنح التحرك وزناً سياسياً وشعبياً.

وترى تقارير محلية أنّ الجماعة تسعى لإعادة تثبيت حضورها في المشهد الوطني عبر حشد جماهيري كبير وتأسيس لجان شعبية في مختلف المناطق، في حين يُحذّر آخرون من احتمال تصاعد التوترات الاجتماعية إذا توسّع هذا التحرك دون إدارة حذرة.

من خلال هذا التوتر والاضطراب تحاول الجماعة تصوير الخطوات الدستورية كمنظومة "استبدادية" تحمي السلطة من المحاسبة، وتفتح الباب أمام تصوير الجماعة باعتبارها "البديل الأخلاقي" للنظام. وقد صعّد نعيم خطابه ضد حزب الشعب وحزب الرابطة الباكستانية، متهماً إيّاهما بالفساد وشراء وبيع أعضاء البرلمان.

رفض التعديل الدستوري السابع والعشرين ظلّ محوراً مركزياً في تصريحات نعيم، الذي وصفه بأنّه "مرعب"، وحثّ المعارضة على رفضه تماماً. ويأتي هذا في إطار استراتيجية الجماعة لتأليب القوى السياسية ضد الحكومة، وخلق جبهة فراغ سياسي تُسهّل عليها التقدم كقوة بديلة.

محاولة تقويض السلطة القضائية 

بلغ التصعيد ذروته في 11 تشرين الثاني (نوفمبر) عندما هاجم حافظ نعيم الرحمن النظام القضائي مباشرة أثناء زيارة لنقابة المحامين في لاهور. واتهم الحكومة بـ "تشويه صورة الدستور"، مؤكداً أنّ الجماعة ستواصل "إعادة دستور باكستان إلى وضعه الأصلي".

وركّز نعيم على قرار إلغاء منصب رئيس قضاة باكستان واستبداله برئيس المحكمة العليا، مشيراً إلى أنّ رئيس الوزراء سيصبح صاحب القرار في تعيين رئيس المحكمة، وهو ما اعتبره مساساً بفصل السلطات. واتّهم الحكومة بامتلاك أغلبية داخل اللجنة القضائية، بما يسمح لها بتوجيه السلطة القضائية لخدمة مصالحها السياسية.

وفي سياق تعبوي واضح، ربط نعيم بين رفض الحصانة "من منظور إسلامي" وبين موقف الخلفاء الراشدين الذين ـ كما قال ـ "كانوا يمثلون أمام المحاكم مهما بلغت قوتهم"، في محاولة لإضفاء شرعية دينية على رفض التعديلات الدستورية.

اللافت أنّ الجماعة الإسلامية لا تكتفي بمعارضة تقنية للتعديلات، بل تسعى إلى استخدام هذه التغييرات كمقدمة لإعادة طرح مشروعها الخاص للدستور، بما ينسجم مع رؤيتها "الحركية الإسلامية" التي صاغها المودودي، والتي ترتكز على ولاية الحاكم الملتزم بالشريعة، ودور المجتمع الإسلامي، وخفض سلطات المؤسسات الحديثة لصالح مرجعية إيديولوجية.

 مشروع انقلاب ناعم بغطاء شعبي ودستوري

يظهر من تتبع خطاب الجماعة الإسلامية في باكستان خلال أسبوع واحد فقط أنّها تتحرك في مسار تصعيدي واضح نحو محاولة تقويض شرعية النظام القائم بكافة مؤسساته: الجيش، والبرلمان، والرئاسة، والقضاء. وتستخدم الجماعة خطاباً يجمع بين:

ـ الشعارات الدينية والإيديولوجية الموروثة عن فكر المودودي.

ـ الهجوم المباشر على مراكز السلطة التقليدية.

ـ التحريض الجماهيري عبر التجمعات الحاشدة.

ـ التشكيك في الدستور ومحاولة إعادة صياغته.

ـ تقديم نفسها بوصفها البديل "الإسلامي النقي" للنظام "المنحرف".

هذه الأدوات تتشابه بشكل لافت مع تكتيكات جماعة الإخوان المسلمين في بلدان عربية عدة، بما في ذلك استخدامها مفردات "إصلاح النظام" و"محاسبة الدولة" و"عودة الدستور إلى أصله"، ثم استغلال لحظة الضعف السياسي للوصول إلى السلطة عبر الشارع لا عبر المؤسسات.

وعليه، فإنّ التحركات الأخيرة للجماعة الإسلامية في باكستان يمكن قراءتها باعتبارها محاولة لإطلاق انقلاب ناعم على النظام القائم، عبر إعادة تشكيل الوعي الشعبي وتفكيك ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة ثم تقديم الجماعة بوصفها "المخلّص السياسي"، تماماً كما فعلت الحركات الإسلاموية في تجارب أخرى. وإذا استمرت الجماعة في هذا النهج، فقد تكون باكستان مقبلة على مرحلة جديدة من الاستقطاب الحاد بين الدولة والحركات الإسلامية، بما ينذر باضطرابات سياسية واسعة التأثير على استقرار البلاد.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية