
في مساء 7 كانون الثاني (يناير) الجاري توفي الفيلسوف والمفكر مراد وهبة، وقد أعلنت عن الوفاة ابنته د. منى، ونَعَاه تلاميذه وبعض المثقفين، غير أنّه صباح يوم 8 (يناير) اشتعلت معركة من طرف واحد تهاجم مراد وهبة وتنْعَتُه بكل نقيصة، فريقان في تيار واحد: فريق الإسلاميين الواضحين وفريق المحافظين، قد يبدوان منفصلين، لكنّهما في الحقيقة يؤديان الرسالة نفسها والهدف نفسه، وهو اغتيال فكر ومنهج مراد وهبة.
وعند مطالعة سردية المهاجمين على صفحات الـ (فيسبوك) والتعليقات التي تسير في اتجاه واحد، يتبين أنّ الهجوم على مراد وهبة لم ينطلق من خلاف فكري مشروع، بل كانت محاكمة تفتيشية مكتملة الأركان، إنّهم الادعاء والحكم والمنفذون، فـ "وهبة" بالنسبة إليهم عقلٌ تجرأ على كسر المحرّمات التي يعيش عليها التيار، لذا لم يُناقشوا أفكاره، بل شوهوها؛ لم يفحَصوا منهجه الفلسفي بل اتهموه بسلسلة من الاتهامات المعلبة، مثل العداء للدين، وخيانة الهوية، وتبرير الاستبداد، والانتماء إلى الصهيونية، إنّها تهم بلا دليل، تهم سيقت لغرض واحد هو إعدام منهجه قبل أن يؤمن به أحد.
الإسلامويون ضدّ العقل وضدّ من يؤمن به
هنا ينفجر السؤال لماذا كل هذا الهجوم؟ بالفحص والتدقيق يتبين أنّ مراد مسّ عصب سلطة الماضويين والإسلامويين والمحافظين، المتمثلة في احتكارهم للنص المقدّس وتفسيره ومصادرة استخدامه إلا من خلالهم، قد يدّعي رموز التيار المحافظ، أنّهم يؤمنون بالعقلانية والاعتدال، لكنّ ادعاءهم سقط وظهرت حقيقتهم عند مهاجمة وهبة، فهم يريدون عقلاً شكلياً بلا صدام، وتنويراً بلا كلفة، ونقداً لا يقترب من التراث، لذا لم يقبلوا بمراد وهبة مفكراً وفيلسوفاً له مدرسته، وسيحاربون تلك المدرسة في القريب العاجل، بل سيطاردون كلّ من يتبنّى الفكر العقلاني، ويلصقون به التهم نفسها.
لست أدافع عن مراد وهبة، فتلامذته أجدر بتلك المهمة، لكنّي معنيّ بالدرجة الأولى بكشف حقيقة الهجوم عليه وخطورة قتل الحوار والنقاش على الأجيال التالية، فإحدى مخلفات الإسلامويين أنّها كوّنت منظومة فكرية كاملة ترى في العقل تهديداً، وفي النقد وقاحة، وفي السؤال جريمة، المنظومة تعرف جيداً أنّ أخطر ما قاله وهبة أو أيّ مفكر تالٍ له لم يكن الرأي السياسي، بل قيمة احترام العقل وأنّه طوق النجاة، وليس الشعارات سواء الوطنية أو الدينية.
حقل الاتهامات مختلف عن حقل وجهات النظر
قد نختلف مع مراد في مواقفه السياسية أو في بعض آرائه، وعلى وجه الخصوص التطبيع الفكري مع الكيان الصهيوني، لكنّه يظل اختلافاً يقع ضمن حقل الاختلاف في وجهات النظر، ولا يقع في حقل الاتهامات، فحقل الاختلاف يدعو في النهاية إلى الحوار ومناقشة الأفكار التي تنضج بتبادل وجهات النظر في مناخ من الحرية والأمان، أمّا حقل الاتهامات، فإنّه يدعو في النهاية إلى إصدار الأحكام النهائية التي لا حوار معها، فإمّا مع الدين وإمّا ضده، مع الوطنية أو ضدها، مع الاستبداد أو ضده، والحقيقة التي أراد مراد وهبة ترسيخها، أنّه لم يكن معادياً للدين، بل كان معادياً لتحويله إلى إيديولوجيا قمعية؛ ولم يكن عدوّاً للديمقراطية، بل كان خصماً للوهم القائل إنّ صندوق الاقتراع يمكن أن يعوّض غياب العقل النقدي، كان مراد وهبة متأثراً بالفلسفة الغربية بشكل عام، خاصة كانط، وهيجل، وفلسفة العقل الحديثة، وركّز على الفلسفة النقدية والعقلانية والتنوير في السياق العربي، وكان اهتمامه الأساسي بالفلسفة النقدية، والعقلانية، والعلمانية، ونقد الأصولية. لكنّه عاش في زمن ينشأ فيه الفكر بالتعبئة والحشد، لا بالتفكير والحوار والتعبير الحر، زمن يعاقَب فيه كل من يربط بين الأفكار ونتائجها، زمن يرى التعامل مع الفلسفة خطراً، لا ضرورة.
ركائز مشروع مراد وهبة الفكرية هي مجرد محاولة لتحرير العقل العربي من الوصاية، وإعادة بنائه على أسس نقدية تضع الإنسان والعقل في مركز الفعل التاريخي، فالعقل عند وهبة هو المرجعية الأولى في فهم الواقع والنص والتاريخ، وتعطيله باسم المقدّس هو أصل الأزمات الفكرية والسياسية في العالم العربي. فالعقل عنده ليس أداة تبرير، بل أداة كشف ونقد وتفكيك، ويرفض وهبة تفسير التطرف والعنف كحالات شاذة أو انحرافات فردية، ويربطها ببنية فكرية تقوم على تقديس النص وإلغاء التاريخ. اللّاعقلانية، في مشروعه، ليست طارئة، بل نتيجة منطقية لثقافة النقل واليقين المطلق.
يدافع عن العلمانية كشرط لسلامة العقل والمجتمع، لا كعداء للدين، فالدين مجال إيماني مطلق، بينما السياسة مجال نسبي متغير، وخلط المجالين ينتج استبداداً دينياً أو ديناً في خدمة المستبد، يرفض وهبة تقديس التراث، ويرفض القطيعة معه، ويدعو إلى إخضاعه لمنهج نقدي تاريخي، يرى النصوص في سياقها الاجتماعي والسياسي، لا كحقائق أبدية خارج الزمن، ويربط وهبة التنوير بإصلاح التعليم ونشر الفلسفة في المجال العام، معتبراً أنّ الديمقراطية بلا وعي نقدي قد تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج القهر، ويعتبر أنّ كل إيديولوجيا مغلقة سواء كانت دينية أو قومية أو ثورية، فهي تعادي العقل، وتسعى لاحتكار الحقيقة، وتُمهّد للعنف باسم اليقين الوطني أو الديني أو الثوري، لا يقدّم مراد وهبة وصفة سياسية جاهزة، بل يضع إصبعه على الجذر العميق للأزمة: عقل مأزوم لا يمكن لأيّ نظام، مهما كانت شعاراته، أن يُنقذه دون تحريره أوّلاً.
لماذا يجب صدّ الهجوم على وهبة
الخطر الحقيقي من هجوم التيار (الإسلامي /المحافظ) ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر، أو حتى تباين الآراء، الخطر كل الخطر في سيطرة سرديات الإسلامويين التي تحاصر العقل وتغلق الأفق، الهجوم على قيمة مثل مراد وهبة سيدفع الكثيرين للتوقف عن مناقشة آرائهم خشية الهجوم عليهم، فيُقتل العقل النقدي، ويُسحق الفكر الحر، والمجتمع يدفع الثمن غالباً. نحن هنا ندافع عن حق الجميع في السؤال والمراجعة والنقد، هذا الحق ليس ترفاً فكرياً، بل هو واجب يفرضه الواقع، نحن ندق جرس الإنذار فكل دقيقة صمت، وكل كلمة مهادنة، هي مشاركة مباشرة في صناعة استبداد ديني جديد، قد يبدو أقلّ دموية من الإرهاب، لكنّه أخطر على العقل والوعي والمجتمع.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D9%86_1_0.jpg.webp?itok=NCzTOlr5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_9_0_0.jpg.webp?itok=x5bNgfDs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_0.jpg.webp?itok=TDvTeKmh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/IMG_6670_0_1_7.jpeg.webp?itok=8RV_dWnL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_16.jpg.webp?itok=5xAFcRln)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%8A%D8%AA_12_0_0_0_0.jpg.webp?itok=A-z0ubez)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_16_0.jpg.webp?itok=cBqOpkeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_105_1.jpg.webp?itok=YFMYYJ6o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/hq720_1.jpg.webp?itok=K5jtD8NN)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_2.jpg.webp?itok=jfkTcgP5)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)