الإرهابي ليس آلة بل إنسان معتلّ المشاعر

الإرهابي ليس آلة بل إنسان معتلّ المشاعر

مشاهدة

18/04/2018

حين نمعن النظر في كثير من التصريحات التي يطلقها الساسة ورجال الأمن والعسكريون المنخرطون في قتال ضروس ضدّ جماعات إرهابية، في أماكن عدة من العالم، نكتشف أنّها تتعامل مع الإرهاب من منظور آلي أو ميكانيكي، وبالتالي تتصور الإرهابيين وكأنّهم مجرد آلات قتل صماء عمياء بكماء، مبرمجة في اتجاه أهدافها، ولا تملك فرصة للتراجع، أو التردّد، أو الخوف، أو التفكير في حبّ الحياة، أو الشكّ في التصور الراسي في الذهن، وهو متهافت، أو اختبار مشاعر الكراهية التي تغلي في النفس، وهي ممقوتة.

ومع هذا، فإنّ الاستعارة الصريحة التي أُلصقت بالإرهابي أكثر، قادمة من عالم الحيوان، فها هو د. رفعت السعيد، المؤرخ والسياسي المصري الراحل، يصف الإرهابي بأنّه "حيوان متوحش فقد إنسانيته"، ثم يقول بشكل لا لبس فيه: "الإرهابي ليس إنساناً"، وهي رؤية يرى آخرون أنّها مبالغ فيها؛ فالإرهابي ليس سيئاً في الأصل، تحكمه غريزة متوحشة، إنّما هو ضحية للتصورات المغلقة الدوغمائية، التي تدفعه ليقتل الآخرين مبتهجاً، كـأيّ حيوان مفترس وجد صيده؛ بل يبتهج أحياناً بقتل نفسه؛ لأنّ هذا سيلحقه بالفردوس الأعلى حيث النعيم المقيم.

من يحاربون الإرهابيين ليسوا فقط من يضفون طابع الآلة على الإرهابي بل إنّ صانعي دعاية الإرهابيين أيضا يقومون بهذا

أما الاستعارة الضمنية التي تحيل الإرهابي ليصير آلة، فهي الأكثر استعمالاً وتوظيفاً، حتى لو لم ينطق موظفوها هذا بشكل مباشر، فهؤلاء يتعاملون مع الإرهابي، وما يصدر عنه، بوصفه موجودات مادية أو أشياء يمكن ذكرها في أرقام، أو رسمها في صور، أو إخراجها في جداول ورسوم بيانية؛ لذا يضجّ حديثهم بعبارات عن أسماء التنظيمات الإرهابية، وشخصيات قياداتها، وعدد أفرادها، ومستوى تسليحها وتدريبها، وأماكن انتشارها، والأهداف الدموية التي حددتها لنفسها، والتواريخ أو المواقف وحوادث القتل التي ارتكبتها، وردود الأفعال عليها.

وربما ساهم في تكريس هذا التوجه ذلك الفصل الآلي الذي يجري بين الإرهابي الانتحاري، ومن يدير العملية عن بعد، وبين الهدف منها، الذي لا يعلمه الانتحاري، إنّما يثق فيمن يوجهه عبر "الشبكة السوداء" على الإنترنت، ويمضي في طريقه كآلة موجهة عن بعد، وإن كان بعض الأدبيات أعادت الاستعارة من عالم الحيوان، وأطلقت على مثل هذا الشخص "ذئباً منفرداً"، قاصدة أنّه يحمل كلّ ما في الذئب من صفات الغدر، والخسّة، والتوحّش، وتبلّد المشاعر، والتلذّذ بالإيذاء.

ويقفز هؤلاء في إحالتهم للإرهابي إلى "عالم الآلات" على حقيقة أنّ الإرهاب نفسه ليس عملية ميكانيكية، تبدأ في ثوانٍ، مثلما نكبس أيّ زرّ فتدور الآلة طائعة، إنّما هو ينشأ ابتداءً تصوراً وإحساساً، متمثلاً في التطرف الديني، الذي يعدّ مقدمة أو مرحلة أو مخزناً ينهل منه الإرهاب، وهو موقف نفسي مرتبط بأفكار، وإن كانت مغلوطة أو ضالة، ومشاعر وإن كانت سلبية أو عدوانية أو كارهة، لكنّها في النهاية تحتاج إلى آدمي كي يحملها وليس إلى آلة.

وإزاحة الإرهابي ليكون آلة، قد يجعل مهمة بعض من يطاردونه أو يقاتلونه مستساغة لدى عموم الناس، الذبن يستريحون إلى نزع أي سمات أو صفات إنسانية عن الإرهابي، قياساً بتعطشه للدماء والخراب، وأيّ من هؤلاء يجد أنّه ليس من الضروري أن يجهد ذهنه كي يدرك أن بعض الإرهابيين يتوهمون أنّ ما يفعلونه هو غاية في الإنسانية؛ لأنّه استجابة لمشاعر دينية عميقة، وتطبيق لأفكار نبيلة، وهو ينطوي على ما لا يستطيع الآخرون أن يمتلكوا شجاعة الاعتراف به، والانتماء إليه، والتصرف على أساسه، والتضحية في سبيله.

وهذا اللون من الاستعارة، الذي قد يكون مرتبطاً بحالة التشيؤ والذهاب إلى تبادل الأدوار بين الإنسان والآلة في كثير من التصورات والفلسفات والرغبات والخيالات، لا يفيد كثيراً في التصدي الحقيقي للإرهاب؛ فهو لا يخرج عن كونه مواجهة عابرة ومؤقتة وسطحية للإرهابيين، لكنه ليس مواجهة للإرهاب نفسه، التي تتطلب ابتداء النظر إلى الإرهابي بوصفه شخصاً كان متطرفاً، وما يزال، له عقل ومشاعر، علينا أن نعمل في اتجاه تصويبها، بجعل العقل يتفاعل بشكل إيجابي مع قيم التعايش والتقبل والتسامح، وفهم المشترك الإنساني والنقد والمساءلة، وإيقاظ النفوس بمشاعر المحبة والعطاء والإيثار والاعتذار، وهي مسألة تستغرق وقتاً، وطريقها العلم والفنون والآداب، ووسائلها التعليم والتثقيف، لكنّ نتائجها أفضل بكثير؛ لأنّها تعمل بعيداً عن الاختلاق أو المجاز المصطنع الذي يزيج الإرهابي ليكون مجرد آلة، وهي هروب من الحقيقة يكلفنا الكثير.

التنظيمات الإرهابية، والمتطرفة تقوم بالأساس على مبدأ "السمع والطاعة" فيبدو الفرد فيها أشبه بآلة

وجعل الإرهابي آلة قد يكون مفيداً في لحظة المواجهة المسلحة الحتمية، التي تأتي كآخر الحلول؛ إذ يتصرف من يواجهه على أساس القاعدة التي تقول: "إن لم تقتله قتلك"، بل ما يتعداها إلى القول "وقتل غيرك"، لكنّ "تآلية" الإرهابي طيلة الوقت، وبعيداً عن ميادين القتال، ليس بعمل حصيف، واستخدام الاستعارة أو المجاز وسيلة للهرب من الحلّ السليم، مثلما يعتقد بعضهم أنّ مجرد استخدام لغة ناصعة البيان في الإجابة عن سؤال حول مشكلة آنية هو حلّ كافٍ لها.

في حقيقة الأمر، ليس من يحاربون الإرهابيين هم فقط من يضفون طابع الآلة على الإرهابي؛ بل إنّ صانعي دعاية الإرهابيين أنفسهم يقومون بهذا أحياناً، حين يقدمون الفرد المقاتل منهم على أنه قوي كدبابة، دقيق كحاسوب في اصطياد أعدائه، فيبدو أحياناً أقرب إلى الشخصيات السينمائية التي لها جسد إنسان وإمكانيات ومتانة آلة رهيبة.

كما أنّ التنظيمات الإرهابية، والمتطرفة، ومن تمارس ما اصطلح على تسميته "التطرف العنيف" أيضاً، تقوم بالأساس على مبدأ "السمع والطاعة"، فيبدو الفرد فيها أشبه بآلة فعلاً، والقائد هو من يقوم بتشغيلها، وعليها ألّا تتعطل أبداً، وأن تتبع تعليماته، وفق البرنامج المحدَّد لها، دون زيادة ولا نقصان.

الصفحة الرئيسية