الإخوان والاستثمار في إشعال الخلافات العربية: اليمن والسودان والإمارات نموذجاً

الإخوان والاستثمار في إشعال الخلافات العربية: اليمن والسودان والإمارات نموذجاً

الإخوان والاستثمار في إشعال الخلافات العربية: اليمن والسودان والإمارات نموذجاً


01/01/2026

عقب الضربة السعودية لميناء المكلا اليمني، والاتهامات التي وجّهتها المملكة لشقيقتها دولة الإمارات العربية المتحدة، سعت أطراف عربية للتدخل لحل الخلاف بين الأشقاء، والعمل على بقائه في نطاقه المحدود، وقد استجابت الإمارات، وغلّبت الحكمة على التهور، وهو موقف يُسجَّل للقيادة الإماراتية.

الكل كان حريصًا على احتواء الموقف، وحدها جماعة الإخوان الإرهابية رأت في الأزمة فرصة للاصطياد في الماء العكر، وإشعال الخلاف، وتصفية الحسابات القديمة مع دولة الإمارات. فأصدرت جبهة "صلاح عبد الحق" بيانًا ظاهره الانحياز للمملكة العربية السعودية وباطنه إشعال الفتنة بين الأشقاء.

الانحياز الكاذب للسعودية 

 بدا كأنّ الجماعة الإرهابية تنحاز للمملكة العربية السعودية الشقيقة، وهو انحياز كاذب، فقد كانوا قبل أيام يكيلون لها الاتهامات، ويجب ألّا ننسى التقرير المطول الذي نشره الموقع الأمريكي  الشهير "ذا إنترسبت" الذي تطرّق لتفاصيل القمة التي جمعت الحرس الثوري الإيراني والإخوان في تركيا للتخطيط لاستهداف عدد من بلدان المنطقة، بينها المملكة العربية السعودية، من اليمن. 

ويجب أن نتذكر أنّ اليمن الذي يتباكى عليه الإخوان، هم أول من تآمر على وحدته، وهم من تحالفوا مع الإرهابيين عليه، وهم من يقفون حجر عثرة أمام استقرار أوضاعه. لكنّها طبيعة الإخوان، يسيرون بالفتنة، ويشعلون الحرائق، ويستهدفون تغذية الفرقة من أجل العودة، والمبدأ لديهم هو: "فرّق تسُد".

لم يكن البيان بشأن تطورات الملف اليمني أو التعبير عن موقف سياسي مبدئي، وإنّما كان بيانًا يشعل نيران الفرقة ويوغر الصدور، ويحث على الصراع ويزيد من تفاقم الخلافات، ويدعو إلى الحرب بين الدول الشقيقة، وما بدا أنّه انحياز  للسعودية ليس صحيحًا، فهو لا يعدو أن يكون مجرد مكايدة في الإمارات، ورسالة مبطّنة مفادها؛ نحن جاهزون للخدمة إن فُتح الباب، وهذا ينسجم مع جماعة ليس لها حلفاء دائمون، بل تبدل حلفاءها حسب التمويل.

الإخوان انتهازيون حتى الممات

هذا الموقف الانتهازي التحريضي هو الرئة التي يتنفس بها التنظيم، وهو ما يتسق مع مبدأ الإخوان، وهو الاستثمار في الخلافات للبحث عن أيّ نافذة للعودة إلى المشهد ولو على دماء الأشقاء العرب، وسيظل البيان وثيقة سياسية كاشفة لحالة الإفلاس التي بلغها التنظيم، وأنّه لا يؤمن بمبدأ أو لديه رؤية، ولا يملك تقديرًا عقلانيًا للمشهد الإقليمي، فالانحياز المعلن للمملكة العربية السعودية ضد دولة الإمارات العربية المتحدة لا ينبع من حرص على أمن الخليج، ولا من دفاع عن وحدة اليمن، بل هو رهان انتهازي صريح على تصدّع البيت العربي، انتقامًا من التحالف العربي الذي واجه جماعة الإخوان الإرهابية، وهذا التحول المفاجئ في الخطاب تجاه السعودية لن ينطلي على الأشقاء في المملكة، فهم يعلمون جيدًا أنّ الجماعة احترفت الانتقال من مربع إلى نقيضه دون أن يهتز لها جفن، ودون أن تشعر بوخزة ضمير، فالتنظيم الذي أمضى سنوات في التحريض الإعلامي والسياسي ضد الرياض، والتشكيك في دورها الإقليمي، وتبرير استهدافها سياسيًا وأمنيًا، ظهر فجأة في ثوب المدافع عن الأمن القومي السعودي، وهذا التحول لا يمكن تفسيره إلا أنّه انتهازية لا أخلاقية لجماعة تحكمها حسابات المصلحة التنظيمية دون أيّ اعتبارات مبدئية أو أخلاقية.

اليمن عند الإخوان ساحة معركة 

إنّ موقف الإخوان من ضرب ميناء المكلا لا يحمل تعاطفًا مع اليمن كدولة منهكة تحتاج إلى تسوية سياسية، ولا مع شعب أنهكته الحرب والانقسامات، فلا نجد في البيان أيّ طرح جاد لإنهاء الحرب، أو رؤية لإعادة بناء الدولة، أو الاعتراف بتعقيد المشهد اليمني وتشابكاته الإقليمية، كل ما هنالك هو خطاب استقطابي تحريضي، لأنّ التنظيم لا يعرف العمل خارج مناخ الاستقطاب، ولا يملك مشروعًا يمكنه من التعايش مع بيئات مستقرة. بل يتعامل مع اليمن كساحة وظيفية قابلة للتوظيف في معركة التنظيم الأهم، معركة العودة إلى المشهد بعد سنوات من التراجع والعزلة، وهو سلوك ليس جديدًا على جماعة اعتادت تحويل الأزمات العربية إلى أدوات استثمار سياسي.

جماعة الإخوان لا تخفي عداءها للإمارات 

في المقابل، لا يخفي البيان عداءه الصريح لدولة الإمارات، ليس انطلاقًا من نقد موضوعي لسياساتها، بل بوصفها طرفًا عربيًا أسهم بشكل مباشر في تحجيم نفوذ الجماعة، ووقف تمددها في أكثر من ساحة، من مصر إلى ليبيا وصولًا إلى اليمن، ومن هنا يصبح الانحياز للسعودية أداة مكايدة سياسية، لا تعبيرًا عن تحالف حقيقي أو رؤية مشتركة.

انتماء الجماعة لمن يدفع

هذا الموقف الانتهازي يأتي في توقيت بالغ الدلالة، فجماعة الإخوان تمر اليوم بإحدى أكثر مراحلها هشاشة منذ تأسيسها، فخلال السنوات الأخيرة تراجعت قدرتها على الحركة في أوروبا، وتزايدت القيود القانونية والرقابية على شبكاتها، وتقلص هامش المناورة في الولايات المتحدة، بالتوازي مع تجفيف مصادر التمويل، وتفاقم الانقسامات الداخلية بين أجنحتها، في هذا السياق  يصبح البحث عن "راعٍ بديل" أو "ممّول محتمل" هاجسًا وجوديًا للتنظيم.

من هنا، يمكن فهم موقف الإخوان على أنّه محاولة جسّ نبض، ورسالة مبطّنة مفادها أنّ الجماعة ما تزال قادرة على لعب دور "المحرّض" أو "المستثمر في الخلافات"، متى ما أُتيحت لها الفرصة، وهي رسالة تعكس إفلاس الجماعة لدرجة عرض خدماتها التحريضية لمن يحميها ويؤويها.   

في المقابل، وبغضّ النظر عن اتفاق البعض أو اختلافهم مع سياسات دولة الإمارات في اليمن، فإنّ الموقف الإماراتي في الآونة الأخيرة اتسم بدرجة واضحة من الانضباط السياسي وتغليب الحسابات الاستراتيجية، والسعي إلى إدارة الخلافات ضمن أطر تحافظ على الحد الأدنى من التماسك العربي، وتجنب الانزلاق إلى صدام مفتوح يخدم أطرافًا معادية للاستقرار الإقليمي.

جماعة الإخوان ما زالت تراهن على الفوضى

إن أخطر ما في بيان الإخوان ليس انحيازه لهذا الطرف أو ذاك، بل محاولته إعادة تعريف الصراع في اليمن بطريقة تخدم أجندته، وتغذي التوترات العربية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. وهو سلوك يعكس إفلاسًا سياسيًا أكثر ممّا يعكس قراءة استراتيجية، ويؤكد أنّ التنظيم ما يزال يراهن على الفوضى بوصفها آخر أوراقه.

إنّ موقف جماعة الإخوان من القضايا العربية لا يُعبّر عن حرصها على أيّ دولة أو انحياز لمبدأ، بل هي محاولات يائسة للعودة عبر بوابة الخلافات العربية، وهي مقامرة خاسرة، لأنّ المنطقة العربية، ومن ضمنها "السعودية والإمارات والبحرين ومصر والسودان والمجلس الرئاسي اليمني وتونس وغيرها من البلاد العربية والإسلامية"، تجاوزت مرحلة توظيف الجماعات، وباتت أكثر وعيًا بخطورة هذا النوع من الرهانات، على الأمن، وعلى الدولة، وعلى الاستقرار.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية