الإخوان وإيران... تحالف" العقيدة والمصلحة" في مواجهة الدولة الوطنية

الإخوان وإيران... تحالف" العقيدة والمصلحة" في مواجهة الدولة الوطنية

الإخوان وإيران... تحالف" العقيدة والمصلحة" في مواجهة الدولة الوطنية


12/03/2026

في الوقت الذي تشتعل فيه صراعات المنطقة على أسس طائفية ومذهبية، تبرز علاقة "جماعة الإخوان المسلمين" بنظام "الولي الفقيه" في طهران كأحد أكثر الملفات إثارة للجدل والالتباس. هي علاقة تتجاوز حدود التباين المذهبي بين السنّة والشيعة، لتستقر في مربع "الإسلام السياسي الراديكالي" الذي يرى في الدولة الوطنية عدواً مشتركاً، وفي الوصول إلى السلطة غاية تبرر القفز فوق الخلافات العقائدية التاريخية.

الجذور الفكرية... "الحاكمية "تلتقي بـ "الولي الفقيه"

لم تكن العلاقة وليدة اللحظة، بل ضربت جذورها في أربعينيات القرن الماضي.  البداية كانت بلقاءات جمعت مؤسس الجماعة حسن البنا برموز شيعية مثل محمد تقي القمي، لكنّ التحول الحقيقي حدث مع نواب صفوي، مؤسس حركة" فدائيان إسلام" الإيرانية، الذي زار القاهرة عام 1954 واستقبله الإخوان بحفاوة بالغة.

في تلك الحقبة تشكل" الجسر الإيديولوجي" الأول؛ إذ تأثر صفوي بأفكار الإخوان في التنظيم والمواجهة، بينما وجد الإخوان في الحركات الشيعية المسلحة نموذجاً "للتثوير" الذي ينشدونه. ومع ظهور أفكار سيد قطب حول "الجاهلية "و"الحاكمية"، اكتملت ملامح المشروع المشترك؛ فما ولاية الفقيه التي صاغها الخميني إلا النسخة الشيعية من" أستاذية العالم "و"خلافة" الإخوان، حيث يشترك الطرفان في الاعتقاد بأنّ السلطة السياسية حق إلهي حصري لـ "النخبة المؤمنة".

1979 حين احتفل الإخوان بـ" بزوغ الفجر" في طهران

كانت جماعة الإخوان المسلمين أوّل من بارك الثورة الخمينية عام1979 . لم يرَ التنظيم الدولي في طهران دولة شيعية، بل رأى نموذجاً ناجحاً للاستيلاء على الحكم بقوة الشارع والدين. طائرة "يوسف ندا "التي حملت وفداً من قيادات الإخوان من مختلف الأقطار لتهنئة الخميني لم تكن مجرد بادرة دبلوماسية، بل كانت إعلاناً عن تحالف استراتيجي جديد.

المثير للاهتمام أنّ المرشد الإيراني الراحل، علي خامنئي، كان من أوائل المترجمين لأعمال سيد قطب إلى الفارسية، معتبراً إيّاها منهاجاً للثورة . هذا التلاقح الفكري جعل من طهران ملاذاً آمناً للعديد من قيادات الإخوان الفارة من الملاحقات الأمنية في بلدانها، وأسس لمرحلة من التنسيق اللوجستي والسياسي في المحافل الدولية.

هذا التلاقح الإيديولوجي ألغى الفوارق المذهبية لصالح الراديكالية السياسية.  فمفهوم "الحاكمية" عند قطب، الذي ينزع الشرعية عن القوانين الوضعية والدول القائمة، وجد ضالته في نظرية "ولاية الفقيه" التي صاغها الخميني. كلاهما يؤمن بأنّ السلطة "حق إلهي لا يمرّ عبر صناديق الاقتراع إلا كأداة شكلية، وأنّ" الطليعة المؤمنة) "الإخوان)، أو "الحوزة الثورية (إيران)، هي وحدها المخوّلة بقيادة الأمة.

عتبة 2012 : حلم "الجمهورية الإسلامية" في القاهرة

مثلت أحداث الربيع العربي لحظة الاختبار الحقيقي لهذا التحالف, وحين وصل الإخوان إلى السلطة في مصر عام 2012 سارعت طهران لفتح ذراعيها. زيارة محمد مرسي إلى طهران، واستقبال محمود أحمدي نجاد في القاهرة تحت ظلال "الأزهر"، لم تكن مجرد تحسين للعلاقات الدبلوماسية، بل كانت محاولة لتدشين "محور إسلاموي" يعيد رسم خارطة المنطقة.

خلال ذلك العام كشفت التقارير عن محاولات إخوانية لاستنساخ نموذج الحرس الثوري في مصر تحت مسمّى" الحرس الحديدي" أو الميليشيات الشعبية، وهو ما أكد شكوك الدولة الوطنية المصرية حول نية الجماعة" أخونة "الدولة وفق النموذج الإيراني، حيث يذوب الجيش الوطني لصالح ميليشيات إيديولوجية تحمي" المرشد".

السودان وليبيا... الساحات البديلة للتموضع الإيراني-الإخواني

مع انكسار مشروع الإخوان في مصر ودول أخرى، تحولت العلاقة إلى براغماتية قاسية في مناطق الصراع. في السودان برز دور الإخوان بوضوح في إعادة فتح الأبواب أمام النفوذ الإيراني، خاصة بعد اندلاع الحرب في 2023.

مراقبون تحدثوا لـ (حفريات) يرون أنّ فلول النظام الإخواني في السودان راهنوا على الدعم العسكري الإيراني لاستعادة نفوذهم، ضاربين عرض الحائط بالأمن القومي العربي ومصالح دول الجوار.

وفي ليبيا ما تزال الشخصيات المرتبطة بالتنظيم، مثل الصادق الغرياني، تطلق تصريحات تدافع عن حق إيران في الدفاع عن نفسها، وتصف النظام الإيراني بأنّه دولة مسلمة من أهل القبلة، في مواجهة ما يسمّونه المؤامرات الصهيونية. هذا الخطاب يهدف بالأساس إلى شيطنة الدولة الوطنية العربية والتحريض ضد الأنظمة التي تتصدى للمشروع التوسعي الإيراني.

وحدة الساحات أم وحدة المصالح؟

في المشهد الراهن تتبنّى الجماعة ما يُسمّى "وحدة الساحات "خلف المحور الإيراني، ليس حباً في المذهب، بل بحثاً عن بقاء تنظيمي. فحركة حماس، الجناح الفلسطيني للإخوان، باتت تشكل "العروة الوثقى" في هذا التحالف، حيث تتلقى الدعم المالي والعسكري من طهران، ممّا يمنح الإخوان شرعية نضالية في الشارع العربي، بينما تمنح إيران غطاءً سنّياً لمشروعها الإمبراطوري.

إنّ البيانات الصادرة عن جبهات الإخوان، سواء في لندن أو إسطنبول، عقب أيّ ضربة تتعرض لها إيران، تكشف عن ارتباط عضوي يتجاوز التعاطف السياسي. فالجماعة تدرك أنّ سقوط نظام الولي الفقيه يعني تجفيف أحد أهم منابع الدعم اللوجستي والسياسي لمشروع الإسلام السياسي العابر للحدود.

عداء مشترك للدولة الوطنية

ختاماً، يمكن القول إنّ العلاقة بين الإخوان وإيران ليست زواجاً كاثوليكياً، بل هو "تحالف تكتيكي" محكوم بهدف مشترك: تفكيك الدولة الوطنية الحديثة واستبدالها بكيانات إيديولوجية تابعة. يستخدم الإخوان التقية السياسية لتبرير هذا التحالف أمام قواعدهم السنّية، بينما تستخدم إيران الإخوان كـ" حصان طروادة" لاختراق المجتمعات السنّية.

يبقى الخطر الحقيقي لهذا التحالف متمثلاً في قدرته على استثمار الأزمات والسيولة السياسية لضرب الاستقرار الإقليمي، ممّا يفرض على القوى الوطنية والمدنية ضرورة كشف هذه  "الارتباطات السرّية "التي تضع مصلحة التنظيم فوق مصلحة الوطن، ومصالح طهران فوق أمن العرب.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية