
بعد أكثر من عقدين من محاولات "الاندماج الناعم" في المجتمعات الأوروبية، تجد جماعة الإخوان المسلمين نفسها اليوم أمام واقع جديد فرضته التشريعات المتشددة في فرنسا وألمانيا والنمسا، التي رأت في نشاط الجماعة تهديداً للبنية الاجتماعية والأمنية. ومع هذا التراجع الملموس استعادت الجماعة خطابها التقليدي القائم على "الاضطهاد الديني والتمييز ضد المسلمين"، محاولةً تقديم نفسها كضحية لسياسات تستهدف الإسلام، وليس كتنظيم إيديولوجي ذي أجندة سياسية متطرفة.
هذا التحول في الخطاب يعكس أزمة بنيوية داخل الجماعة، التي فشلت في التكيّف مع النظم الديمقراطية الأوروبية، وأخفقت في تحقيق مشروع "الإسلام السياسي المعتدل" الذي روّجت له طويلاً.
تراجع النفوذ الإخواني في أوروبا
تُعدّ السنوات الأخيرة من أكثر الفترات قسوة على جماعة الإخوان في القارة الأوروبية، بعد أن فقدت كثيراً من مواقعها داخل المؤسسات والمراكز الإسلامية التي كانت تشكّل واجهاتها الرسمية. فقد تبنّت الحكومات الأوروبية، خصوصاً بعد عام 2020، مقاربة أكثر وضوحاً تجاه الجماعة، باعتبارها حاضنة فكرية للتطرف، وليس مجرد تيار دعوي.
في فرنسا أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون خطة "مكافحة الانعزالية الإسلامية"، التي شملت مراقبة تمويل الجمعيات الدينية وتقييد أنشطة المراكز المرتبطة بتيار الإخوان، مثل "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا". وفي ألمانيا أصدرت هيئة حماية الدستور تقارير متكررة ربطت الجماعة بشبكات نفوذ ديني وسياسي تسعى لتقويض القيم الديمقراطية. أمّا النمسا، فقد ذهبت أبعد من ذلك عبر "خريطة الإسلام السياسي" التي حددت مواقع الجمعيات المشتبه بارتباطها بالتنظيم.
هذا التراجع لم يكن أمنياً فقط، بل كان رمزياً أيضاً؛ إذ فقدت الجماعة قدرتها على التأثير في الخطاب العام، بعد أن كانت خلال العقد الأول من الألفية الثانية جزءاً من الحوار الأوروبي حول "الإسلام المعتدل".
خطاب المظلومية كأداة بقاء
في مواجهة هذا الانحسار عادت الجماعة إلى أداتها التاريخية المفضلة: خطاب المظلومية. من خلال بيانات، ومقابلات، ومقالات صادرة عن واجهاتها الإعلامية في لندن وبرلين، تحاول الجماعة إعادة رسم صورتها كـ "ضحايا للقمع السياسي والديني"، متهمة الحكومات الأوروبية بـ "اضطهاد المسلمين تحت غطاء مكافحة التطرف".
يتجلى هذا الخطاب بوضوح في أنشطة منظمات مثل "المجلس الأوروبي للأئمة" و"منتدى مسلمي أوروبا"، اللذين يعملان على ترويج سردية أنّ السياسات الأوروبية "تجرّم الإسلام ذاته لا التطرف".
لكن خلف هذا الخطاب تقف استراتيجية أعمق؛ تتعلق بإعادة تأطير المعركة من صراع سياسي بين الدول والجماعة إلى مواجهة "ثقافية ودينية" بين أوروبا والمسلمين، وهو ما يسهم في تغذية مشاعر الاغتراب لدى الجاليات المسلمة وتوسيع قاعدة التعاطف مع الإخوان.
فشل مشاريع الدمج السياسي
منذ مطلع الألفية راهنت جماعة الإخوان على مشروع "الدمج السياسي" في أوروبا، عبر إنشاء جمعيات ومنظمات تعمل في أطر قانونية تمثل "المسلمين الأوروبيين"، لكنّها عملياً كانت تعكس أجندة التنظيم الدولي. من أبرز هذه المشاريع "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" الذي كان ينشط في بروكسل، و"مجلس مسلمي بريطانيا" في لندن، إضافة إلى شبكات من الجمعيات التعليمية والدعوية.
غير أنّ الضغوط المتزايدة من أجهزة الأمن ووسائل الإعلام الأوروبية كشفت الطابع الإيديولوجي لهذه الكيانات، وأدت إلى انسحاب شخصيات كثيرة من العمل معها. كما أنّ الجماعة فشلت في بناء تحالفات سياسية حقيقية مع الأحزاب الأوروبية، إذ ظلت حبيسة خطاب ديني محافظ لا يتماشى مع قيم العلمانية والمواطنة.
هذا الفشل جعل الجماعة تعيد تموضعها في المجال الحقوقي والإغاثي، مستفيدة من خبرتها القديمة في استخدام مفردات "الحرية الدينية وحقوق الإنسان" كغطاء لنشاطها السياسي.
المنظمات الحقوقية... غطاء إيديولوجي جديد
في السنوات الأخيرة برزت مجموعة من المنظمات الحقوقية التي تتخذ من لندن وجنيف مقرات رئيسية لها، مثل "المركز الأوروبي لحقوق الإنسان" و"هيومن رايتس مونيتور"، وهي منابر تدور في فلك الجماعة. هذه المؤسسات تركز على قضايا "الإسلاموفوبيا" و"التمييز ضد المسلمين"، لكنّها تتجنب الإشارة إلى البُعد الإيديولوجي الذي تروّجه الجماعة نفسها.
وفق تقارير صادرة عن أجهزة أمنية أوروبية، فإنّ بعض هذه الكيانات تموَّل من جمعيات مرتبطة بتنظيم الإخوان في قطر وتركيا، وتعمل على إعادة تدوير خطاب المظلومية في صيغ قانونية وحقوقية لجذب الدعم الدولي.
الخطير في هذا المسار أنّه يمنح الجماعة شرعية رمزية جديدة بعد سقوطها السياسي، إذ تقدم نفسها كصوت "المدافعين عن حقوق المسلمين" لا كحركة سياسية فاشلة. هذا التحول من "المنابر الدينية" إلى "المنصات الحقوقية" يمثل مرحلة جديدة من التمويه الاستراتيجي في عمل الجماعة داخل أوروبا.
برلين ولندن... آخر معاقل الخطاب الإخواني
تُعدّ برلين ولندن اليوم مركزَي الثقل الرئيسيين لنشاط الإخوان في أوروبا. في ألمانيا يواصل "المجلس الإسلامي" و"منتدى الشباب المسلم" العمل رغم الرقابة الأمنية، مستفيدين من حماية القوانين التي تضمن حرية العمل الديني. أمّا في بريطانيا، فما زالت الجماعة تعتمد على فضاء الحرية الإعلامية والسياسية لتثبيت وجودها عبر قنوات مثل "ميدل إيست مونيتور" و"عربي 21"، ومنظمات إغاثية تعمل تحت ستار العمل الخيري.
لكن حتى داخل هذه البيئات تواجه الجماعة عزلة متزايدة؛ فقد بدأت الأصوات الأكاديمية والإعلامية تنتقد "ازدواجية الخطاب الإخواني" الذي يتحدث بلغة الديمقراطية في العلن، بينما يحتفظ بأجندة أصولية في الداخل.
يقول الباحث في شؤون الإسلام السياسي، لورنزو فيدينو: إنّ "الإخوان في أوروبا باتوا يعيشون أزمة هوية تنظيمية، فهم لا يستطيعون الإعلان عن انتمائهم خوفاً من الملاحقة، ولا يستطيعون التبرؤ من أفكارهم القديمة لأنّها مصدر شرعيتهم."
وعموماً، تواجه جماعة الإخوان في أوروبا اليوم مأزقاً وجودياً حقيقياً. فبعد أن فقدت رهانها على الاندماج في الفضاء السياسي والاجتماعي الأوروبي، عادت إلى ارتداء عباءة "الضحية" لتبرير فشلها وتبرئة نفسها من الاتهامات بالتطرف. غير أنّ هذا الخطاب، الذي كان فعّالاً في تسعينيات القرن الماضي، يبدو اليوم مستهلكاً في ظل وعي أوروبي متزايد بطبيعة التنظيم وأهدافه.
إنّ محاولات الجماعة لتجديد نفسها عبر المنظمات الحقوقية أو الجمعيات الثقافية لا تغير من جوهرها، بل تؤكد استمرارها في استخدام أدوات ناعمة لتحقيق غايات سياسية. وبينما تتراجع قدرتها على التأثير، تظل تستثمر في "سردية المظلومية" كآخر حصونها الرمزية، في مواجهة عالم لم يعد يشتري خطابها القديم عن "الاعتدال الإسلامي".


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_2.jpg.webp?itok=jfkTcgP5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)