الإخوان المسلمون في بريطانيا... شبكة معقدة ووجود قلق

الإخوان المسلمون في بريطانيا... شبكة معقدة ووجود قلق

الإخوان المسلمون في بريطانيا... شبكة معقدة ووجود قلق


15/07/2025

تُعدّ المملكة المتحدة واحدة من أبرز الدول الغربية التي وفّرت بيئة مواتية لنشاط جماعة الإخوان المسلمين، حيث استطاعت الجماعة بناء شبكة مؤسسية معقدة تشمل منظمات خيرية، وهيئات دينية، ومراكز بحثية، ومؤسسات إعلامية، تُمثل واجهات قانونية لأنشطتها. ومع ذلك، يبقى الحضور السياسي للجماعة محاطًا بالتردد والغموض، حيث تواجه تحديات قانونية وسياسية تكشف عن التوتر بين طموحاتها الإيديولوجية والواقع السياسي في بريطانيا.

نشأة وتوسع الإخوان في بريطانيا

بدأ وجود الإخوان المسلمين في المملكة المتحدة منذ منتصف القرن العشرين، حين استقطبت البلاد العديد من أعضاء الجماعة الفارين من بلدانهم الأصلية، خاصة من مصر وسوريا. وقد وفرت بريطانيا بيئة قانونية مرنة نسبيًا، مكّنت الجماعة من تأسيس كيانات مثل "رابطة مسلمي بريطانيا" عام 1997، التي أصبحت منصة رئيسية لتعبئة الجاليات المسلمة. وبرز "المجلس الإسلامي البريطاني" كواجهة أخرى، يضم مئات الجمعيات ويقدم نفسه كممثل شرعي للمسلمين، رغم التحذيرات المتكررة من ارتباطه الفكري بالإخوان.

تُعدّ المملكة المتحدة بيئة مواتية لجماعة الإخوان المسلمين، إذ أسست الجماعة شبكات خيرية ودينية وإعلامية، رغم التصنيفات الحكومية التي تعتبرها تهديدًا.

 

هذه الكيانات لم تقتصر على العمل الديني أو الخيري، بل امتدت إلى التأثير في الوعي العام، خاصة بين الشباب المهمشين، عبر استغلال حرية التنظيم والتعبير التي تتيحها القوانين البريطانية. وتشير الدراسات إلى أنّ الإخوان نجحوا في بناء شبكة معقدة من المؤسسات التي تعمل كمجتمع موازٍ، يعزز الهوية الدينية ويروج لأفكار الإسلام السياسي.

التحديات والانتقادات

 في عام 2015 أصدرت الحكومة البريطانية تقريرًا يُحذّر من أنّ الإخوان المسلمين يشكلون خطرًا على الأمن القومي بسبب إيديولوجيتهم التي قد تؤدي إلى التطرف. وفي عام 2024 أُعيد تصنيف الجماعة ضمن "الحركات المتطرفة" في تقرير حكومي، لكنّ هذا التصنيف لم يترجم إلى إجراءات عملية صارمة مثل تجميد الأصول أو حلّ المؤسسات التابعة، ممّا أثار جدلًا حول التردد السياسي البريطاني في مواجهة الجماعة.

بدأ الحضور الإخواني منذ خمسينيات القرن الماضي، مستفيدًا من الحريات البريطانية، ومؤسسًا كيانات مثل رابطة مسلمي بريطانيا والمجلس الإسلامي البريطاني.

 

وتشير التقارير إلى أنّ هذا التردد يعود إلى عوامل متعددة، منها الضغوط السياسية الداخلية والرغبة في تجنب استعداء الجاليات المسلمة. كما أنّ الإخوان استفادوا من هذا التراخي لإعادة صياغة خطابهم، مقدمين أنفسهم كجماعة معتدلة تدعم الديمقراطية والحريات العامة، بينما يحتفظون بأجندة إيديولوجية متشددة في خطاباتهم الداخلية.

الأدوات الإعلامية والتعبئة الجماهيرية

تُعدّ القدرة على التعبئة الجماهيرية إحدى أبرز نقاط قوة الإخوان في بريطانيا. فقد أجادت الجماعة استخدام وسائل الإعلام التقليدية والرقمية لنشر أفكارها، وكسب تعاطف الرأي العام. وتعتمد الجماعة على خطاب يركز على "المظلومية" لجذب الشباب، خاصة في الأوساط المهمشة، وتستخدم وسائل التواصل الاجتماعي للترويج لروايتها. ومع ذلك، يُنتقد إعلام الإخوان بسبب افتقاره للمصداقية، حيث يعتمد أحيانًا على نشر الأخبار المزيفة أو تضخيم الأحداث لخدمة أهدافه السياسية.

استغلت الجماعة هذا الحضور لبناء شبكات تؤثر في الجاليات المسلمة، خاصة الشباب، عبر خطاب الهوية الدينية والمظلومية.

 

وتُركز الجماعة على استقطاب الشباب من خلال برامج تعليمية وثقافية تُقدم في إطار ديني، ممّا يتيح لها تعزيز نفوذها في أوساط الجاليات المسلمة. ومع ذلك، يُحذّر المراقبون من أنّ هذا النهج قد يسهم في تعميق الانقسامات الاجتماعية، حيث يروج الإخوان لخطاب قائم على الهوية الدينية، يحرّض أحيانًا ضد القيم الديمقراطية والمجتمعية البريطانية.

ردود الفعل الحكومية والمجتمعية

على الرغم من التحذيرات المتكررة، تواجه الحكومة البريطانية تحديًا في اتخاذ إجراءات حاسمة ضد الجماعة. فمن ناحية تسعى الحكومة للحفاظ على التوازن بين مكافحة التطرف وحماية الحريات الدينية والسياسية، ومن ناحية أخرى يرى البعض أنّ هذا التردد يمنح الإخوان فرصة لمواصلة أنشطتهم وتوسيع نفوذهم. في المقابل  تُظهر بعض الأوساط المجتمعية، خاصة بين الجاليات المسلمة المعتدلة، رفضًا متزايدًا لخطاب الإخوان، معتبرين أنّه لا يعكس تطلعاتهم الحقيقية.

بين البقاء والتراجع

تشير الدراسات إلى أنّ جماعة الإخوان في المملكة المتحدة تواجه مفترق طرق. فمن جهة تواصل الجماعة الاستفادة من البيئة القانونية المرنة لبناء شبكتها المؤسسية، لكنّها من جهة أخرى تعاني من تراجع الثقة بها بسبب ارتباطها بأفكار متطرفة في نظر البعض. كما أنّ الضغوط الدولية، خاصة من دول عربية مثل مصر والإمارات، قد تدفع بريطانيا إلى تشديد الرقابة على أنشطة الجماعة.

ورغم تحذيرات أمنية متكررة من صلتها بالتطرف، تُبقي الحكومة البريطانية تعاملها حذرًا لتجنّب صدام مع المسلمين.

يبقى وجود الإخوان المسلمين في المملكة المتحدة موضوعًا معقدًا يتطلب توازنًا دقيقًا بين الأمن القومي وحرية التعبير. ورغم نجاح الجماعة في بناء شبكة مؤسسية قوية، فإنّ التردد السياسي البريطاني والتحديات الداخلية للجماعة قد يحددان مصيرها في المستقبل. هل ستتمكن الجماعة من إعادة صياغة خطابها لتكسب ثقة أوسع؟ أم أنّ الضغوط الأمنية ستدفعها إلى التراجع؟ هذه أسئلة تبقى مفتوحة في ظل السياق السياسي المتغير.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية