الأردن يواصل ضرباته... تفكيك شبكات الإخوان ودولتهم العميقة

الأردن يواصل ضرباته... تفكيك شبكات الإخوان ودولتهم العميقة

الأردن يواصل ضرباته... تفكيك شبكات الإخوان ودولتهم العميقة


10/08/2025

في مشهد جديد من مشاهد المواجهة الحاسمة بين الدولة الأردنية وجماعة الإخوان المسلمين المُنحلة، واصلت السلطات المختصة الإجراءات القانونية الحاسمة لتفكيك شبكات الإخوان الاقتصادية والإعلامية، في خطوات تنمّ عن وعي وحزم إزاء محاولات الجماعة الالتفاف على قرارات الحظر والتفكيك.

في هذا السياق، قامت دائرة مراقبة الشركات في الأردن بإحالة شركتين ـ إحداهما تعمل في أمن المعلومات، والأخرى في المجال الصحفي ـ إلى القضاء، بعد ثبوت ارتباطهما بالجماعة المحظورة، وعدم التزامهما بالإفصاح عن هوية المستفيد الحقيقي، إلى جانب ارتكابهما مخالفات صريحة لقوانين الشركات والشفافية المالية. وتُعدّ هذه الخطوة تصعيداً ملموساً في مسار الدولة نحو تجفيف منابع التمويل الإخواني، ووقف أذرعه الاقتصادية التي لطالما استخدمها كحصون خلفية للعمل السياسي المغلف بالأعمال المدنية والخيرية.

من الأمن المعلوماتي إلى الإعلام الإخواني

بحسب ما أوردته وكالة الأنباء الأردنية الرسمية (بترا)، فقد أحال "المراقب العام للشركات" شركة لأمن المعلومات إلى النيابة العامة، بعد أن ثبت تورطها في إخفاء هوية المالك الحقيقي، في مخالفة قانونية صارخة، فضلاً عن مخالفات مالية وإدارية أخرى. اللافت في الأمر أنّ نشاط الشركة ـ وفق ما رشح من التحقيقات ـ يتقاطع بشكل واضح مع محاولات الجماعة استخدام التكنولوجيا وأمن المعلومات كأدوات بديلة للنفاذ إلى الفضاء العام بعد الحظر، مستغلة الفجوات القانونية وتعدد واجهات العمل.

أمّا الشركة الثانية، "دار السبيل للصحافة والتوزيع"، فقد تم اتخاذ قرار بتصفيتها إجبارياً، بعد أن بلغت خسائرها ضعف رأسمالها، مع عدم الإفصاح عن المستفيد الحقيقي، وعدم تسديد كامل رأس المال، وامتناعها عن إيداع ميزانياتها السنوية. وهو ما يكشف عن نهج إخواني متكرر في تأسيس كيانات إعلامية وهمية أو مُفلسة تُستخدم لأغراض سياسية وإيديولوجية، دون أدنى التزام بالقوانين أو المعايير المهنية.

أجهزة الدولة تستعيد المبادرة

الإجراءات الأخيرة تأتي ضمن سياق متصل ومتسارع، بدأ منذ إعلان وزير الداخلية الأردني، مازن الفراية، في نيسان (أبريل) الماضي، حظر كافة نشاطات جماعة الإخوان المسلمين المُنحلة، واعتبارها "جمعية غير مشروعة"، بما يعني قانونياً أنّ كل من يروّج لأفكار الجماعة أو ينخرط في أنشطتها، بات عُرضة للمساءلة القضائية.

هذا الإعلان لم يكن مجرد تصريح سياسي، بل تبعه تحرك قانوني واسع، فقد بدأت النيابة العامة بالفعل استدعاء عدد من الأشخاص المتورطين في التستر على أملاك الجماعة، وذلك عقب انتهاء المهلة التي منحتها لجنة حلّ الجماعة ـ التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية ـ لتسوية الأوضاع القانونية، التي امتدت لشهر كامل وانتهت في 14 حزيران (يونيو) الماضي، دون أن تُقابل من الجماعة بأيّ تجاوب يُذكر.

ما يميّز التحرك الأردني الحالي أنّه تجاوز سياسة "غضّ الطرف" التي طغت في السابق، لينتقل إلى مرحلة الحسم القانوني، وتفكيك الشبكات المرتبطة بالجماعة، سواء أكانت شبكات إعلامية، أو شركات تكنولوجيا وأمن معلومات، أو جمعيات خيرية يُستخدم بعضها كستار لتمرير الأموال وتدويرها في قنوات التنظيم.

الجماعة بين التفكك الداخلي والتقويض الخارجي

لا يمكن قراءة هذا التصعيد بمعزل عن التحولات الأعمق التي تشهدها جماعة الإخوان في المنطقة، حيث تعاني من تفكك داخلي وشرخ تنظيمي لم يسبق له مثيل، سواء في فرعها المصري، أو في الأفرع الإقليمية بالأردن وسوريا وتونس، نتيجة سلسلة من الانقسامات بين الأجنحة، وفشل استراتيجية "التمويه المؤسسي" في الالتفاف على قرارات الحظر والتجميد.

في الحالة الأردنية، تحديداً، فإنّ الجماعة عملت على مدّ نفوذها السياسي عبر حزب جبهة العمل الإسلامي، مع تمدد وحضور اجتماعي في النقابات المهنية، إلى أن جاءت قرارات الحظر وحلّ الجماعة نهائياً بعد اعتبارها كياناً غير قانوني، وهي اللحظة التي تمثّل بداية النهاية لتنظيم لطالما راهن على شرعية مُلتبسة، تخدمه أكثر ممّا تحسم أمره.

الوجه الخفي للمؤسسات "المدنية"

التجربة الأردنية تُسلّط الضوء مجدداً على ما بات يُعرف بظاهرة "الواجهات المدنية للإخوان"، وهي الظاهرة التي تمثّل محاولة خبيثة للتمويه، حيث تتخفى الجماعة خلف جمعيات خيرية، أو شركات إعلامية، أو مراكز بحثية، أو حتى شركات تكنولوجية تعمل في قطاع الأمن السيبراني، لاستخدامها كأدوات تمويل وتنظيم وتأثير، في الوقت الذي تظهر فيه على السطح كمؤسسات مستقلة غير ربحية.

وهو ما يُفسر حرص الدولة الأردنية على تتبّع "المستفيد الحقيقي" من كل كيان مشبوه، ورفضها السماح باستمرار أيّ شركة أو جمعية لا تفصح بوضوح عن مصادر تمويلها أو هوية القائمين عليها، في ظل قناعة راسخة لدى الأجهزة الرقابية أنّ الجماعة تُعيد تدوير وجودها بأشكال جديدة، وأنّ تفكيك هذه الواجهات هو جزء من تفكيك البنية المالية والفكرية للتنظيم.

نحو نموذج أردني حاسم في مواجهة خطر الإخوان

ما تقوم به السلطات الأردنية اليوم يُمثّل نموذجاً يمكن النظر إليه كجزء من اتجاه إقليمي صاعد لمواجهة تنظيمات الإسلام السياسي، ليس فقط من خلال المواجهة الأمنية، وإنّما عبر الأدوات القانونية والاقتصادية، وتجفيف منابع التمويل، وسحب الغطاء المؤسسي، وهو النموذج الذي بدأ يُؤتي ثماره تدريجياً، بعد أن ظل لعقود رهينة الموازنات السياسية والتسويات المرحلية.

إنّ تفكيك شركة إعلامية وأخرى لأمن المعلومات قد يبدو في ظاهره شأناً بيروقراطياً، لكنّه في حقيقته جزء من معركة أشمل تتعلق باستعادة الدولة لسيادتها الرمزية والوظيفية، وتحصين الفضاء العام من التسلل الإيديولوجي، والتوظيف الدعوي للمنصات المدنية.

فالإخوان، في النهاية، لا يسقطون دفعة واحدة، بل يتآكلون بفعل الرقابة القانونية، والملاحقة الاقتصادية، وفضح خطابهم المزدوج الذي يتحدث عن الديمقراطية علناً، ويمارس الاستحواذ والسرّية والتنظيم الحديدي في الخفاء.

وما تقوم به الدولة الأردنية هو ببساطة: إعلان واضح بأنّ "اللعب من تحت الطاولة" لم يعد ممكناً، وأنّ زمن الإخوان كتنظيم غامض يتستر بالمجتمع المدني قد ولّى دون رجعة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية