اغتيالات الإخوان السياسية... حين يكون الرصاص هو الحل

اغتيالات الإخوان السياسية... حين يكون الرصاص هو الحل

اغتيالات الإخوان السياسية... حين يكون الرصاص هو الحل


20/05/2026

 

تحت وطأة الضعف والرغبة في الانتقام وتحقيق المصالح المختلفة؛ يلجأ المرء أحيانًا إلى إنهاء حياة خصومه، والعديد من الفاعلين السياسيين استخدموا آلة القتل لتحقيق مصالح سياسية أو تنظيمية أو بدافع من الانتقام للتخلص من خصومهم السياسيين. 

والجماعات الدينية لم تخرج عن هذا الأصل، بل في أوقات كثيرة كانت صاحبة النسبة الأكبر في استخدام القتل بدوافع دينية ولتحقيق أهداف سياسية وتنظيمية، وكانت جماعة الإخوان، وهي أولى جماعات الإسلام السياسي في القرن العشرين، قد استخدمت القتل كأداة لمواجهة الخصوم، واعتبرت الاغتيال حلًا في كثير من الأحيان، لكن في هذه الصورة تحديدًا يقف المرء مندهشًا؛ كيف لجماعة تدّعي أنّها جاءت لهداية الناس، ولتطبيق الشريعة الغائبة، من وجهة نظرها، وتسعى إلى إصلاح الفساد الموجود في المجتمع، ثم تقتل من يختلفون معها فكريًا أو سياسيًا؟

التنظيم الخاص... أداة الجماعة في التخلص من الخصوم

نفذت الجماعة بعد فترة من تأسيسها العديد من عمليات الاغتيال السياسي من خلال التنظيم السرّي أو التنظيم الخاص الذي أسّسه البنا في العام 1942م، وهذا التنظيم كان يتكون من أفراد من جماعة الإخوان يتم اختيارهم بعناية بعد توافر شروط وضوابط صارمة واتخاذ إجراءات معينة، وتدريبهم وإعدادهم إيمانيًا وفكريًا وبدنيًا. ويروي عبد المجيد حسن، المتهم بقتل رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي في اعترافاته أمام المحكمة، أجواء البيعة التي كان يقوم بها أعضاء هذا التنظيم، حيث يقول: "عند نجاح العضو، في الاختبارات، كان يؤخذ لحلف اليمين على الطاعة والكتمان، وعندما ذهبت لأداء البيعة في أحد المنازل قابلنا شخص اسمه عبد الرحمن السندي، وصعدنا إلى الطابق الثاني، ودخلنا غرفة مظلمة، ثم أُدخلنا غرفة أخرى، فردًا فردًا، وكان في الغرفة شخص ملثم هو الذي تلقينا عنه البيعة، وكان أمامه مصحف ومسدس، قال عنهما إنّهما الوسيلة الوحيدة لنصرة الإسلام، وإنّه يجب عليّ الطاعة والقسم على ذلك، وإنّ الذي يفشي سرًا من أسرار هذا النظام الخاص، فجزاؤه الموت في أيّ مكان يحتمي فيه".

وعن أسباب وأهداف التنظيم الخاص يذكر الدكتور عبد العظيم رمضان في كتابه "الإخوان المسلمون والتنظيم السرّي" أنّ تفكير البنا في هذا التنظيم جاء بعد حدوث أول صدام بين الجماعة والسلطة في العام 1941م، حين اتخذت الحكومة برئاسة حسين سري باشا عددًا من الإجراءات ضد الجماعة، مثل مصادرة المجلات الخاصة بها، وإغلاق مطابعها، ومنع اجتماعاتها، واعتقال حسن البنا وأحمد السكري وعبد الحكيم عابدين، وكان هذا سببًا لشعور البنا بالخطر على الجماعة، ومن ثم فكر في تأسيس جهاز مسلح لحمايتها، كما يقول رمضان أنّه يبدو أنّ فكرة الجهاد في أذهان رجال الجهاز السرّي كانت منصرفة في البداية إلى الإنجليز وتحرير بلادهم، أو هكذا أوحى به رؤساؤهم أو أمراؤهم، ثم جرى تحويل أفكارهم تدريجيًا إلى الداخل. أيضًا يقول الأستاذ خالد محمد خالد في مذكراته إنّ البنا أعلن عن أهداف التنظيم الخاص بأنّها: أولًا محاربة الاستعمار البريطاني، وثانيًا قتال الذين يخاصمون الدعوة ويحاولون إعاقة سيرها، وثالثًا إحياء فريضة الجهاد. 

وهو ما قاله محمود عبد اللطيف المتهم بمحاولة اغتيال جمال عبد الناصر في حادث المنشية في اعترافاته أمام محكمة الشعب، حين قال إنّ أهداف التنظيم الخاص كانت محاربة أعداء الإسلام والحرية، وإنّ أعداء الإسلام هم الإنجليز واليهود ومن يقف في سبيل الدعوة الإسلامية، وبذلك ووفق الحكم الذي تطلقه الجماعة على أيّ شخص باعتباره من أعداء الإسلام؛ فإنّ ذلك كان يسمح بمحاربته بكل الطرق ومنها الاغتيال.

وهذا ما أكده أيضًا عبد المجيد حسن في اعترافاته، حيث يقول: إنّه "في أحد اللقاءات الخاصة بالتنظيم تلا أحد الإخوان عليهم أوراقًا تتضمن قصصًا وروايات حدثت في صدر الإسلام، وممّا ذُكر أنّ قتل المسلمين الذين يثبت أنّهم يعاونون الأعداء أمر مقرر في الشريعة الإسلامية في عهد سيدنا محمد، وكانت هذه أول مرة يشير فيها النظام الخاص إلى تبرير قتل أحد من المسلمين"، والمشكلة هنا في تحديد من هم الأعداء، وآلية التعاون معهم ومساعدتهم، فهذه مفاهيم فضفاضة يمكن للجماعة من خلالها أن تُدخل أيّ أحد داخل دائرة أعداء الإسلام، خاصة مع اعتقادها بأنّها هي من تمثل الإسلام الصحيح؛ وبالتالي يصبح أعداء الجماعة أعداءً للإسلام، كما أنّها يمكن أن تُدخل من تشاء في دائرة من يعاونون هؤلاء الأعداء ومن ثم تستبيح قتله، وهذا ما حدث منذ تأسيس هذا النظام الخاص حتى سنوات قريبة.

الرصاص هو الحل!

جاءت عملية اغتيال أحمد ماهر باشا رئيس الوزراء في العام 1945م كأول عملية يقوم بها التنظيم الخاص لجماعة الإخوان، واتسمت هذه العملية بالغموض والمراوغة من حيث المسؤول عنها، ومن حيث الدافع وراء القيام بها؛ فظاهريًا من قام بها هو محامٍ صغير اسمه "محمود العيسوي" عضو في الحزب الوطني، والدافع وراء القيام بها هو توقيع الحكومة على قرار الحرب على قوات المحور في الحرب العالمية الثانية، لكنّ الحقيقة تعكس خلاف ذلك؛ فقد ذكر خالد محمد خالد في مذكراته، وكان عضوًا بجماعة الإخوان في تلك الفترة وقريبًا من حسن البنا والعديد من أفراد وقيادات الجماعة، أنّ من طبيعة التنظيم الخاص أنّه كان بارعًا في التنكر، فهو بعد تدريب أعضائه على أشكال العمل المسلح، يأمر بعضهم أن يلتحق ببعض الأحزاب والجماعات، حتى إذا ما تم اختياره لعمل من أعمال الاغتيال أو العنف فإنّه تتم نسبة العمل إلى هذا الحزب أو الجماعة وإبعاد الشبهة عن الإخوان، وهو ما حدث في حادثة اغتيال أحمد ماهر، حيث يقول خالد محمد خالد إنّه التقى صبيحة ليلة الاغتيال بواحد من صفوة النظام الخاص وعندما سأله خالد عن مسؤولية التنظيم عن عملية الاغتيال أجابه إنّ التنظيم هو من فعلها، ويصف خالد ردّ فعله بأنّ "وجهه كان يكتسي بزهو المنتصرين"! أمّا عن الدافع وراء عملية الاغتيال فإنّ الحقيقة أيضًا، كما يرويها خالد محمد خالد، أنّ السبب هو اتهام الإخوان للحكومة برئاسة أحمد ماهر بتزوير الانتخابات التي كان البنا مرشحًا فيها عام 1945م، ممّا أدى إلى خسارته، لكنّ الإخوان انتظروا الفرصة المواتية وكان قرار الحرب، رغم أنّه قرار شكلي لم يكن له تأثير في الواقع أو ضرر على مصر حسب خالد، هو هذه الفرصة التي مثلت المبرر الذي وجده الإخوان لاغتيال ماهر انتقامًا منه على تزوير الانتخابات.

وثاني عملية اغتيال قامت بها الجماعة كانت من نصيب القاضي أحمد الخازندار، والتي قام بها حسن حافظ السكرتير الخاص للبنا، وكان دافعها أنّه أصدر حكمًا على اثنين من أعضاء الجماعة بالسجن بسبب ارتكاب أعمال عنف، وهذه العملية كانت السبب فيما بعد في ثالث عملية اغتيال راح ضحيتها محمود فهمي النقراشي رئيس الوزراء الذي أصدر قرارًا بحل الجماعة بعد مقتل الخازندار وارتكاب الجماعة لعدد من حوادث العنف مثل تفجير دور السينما وأقسام البوليس والشركات، ثم اكتشاف أوراق تخص التنظيم وتفاصيل عن العلميات التي يقوم بها وأسلحة وقنابل داخل سيارة جيب، ومحاولة تفجير محكمة باب الخلق التي بها أوراق هذه القضية، فكان الرصاص هو الحل ردًا على قرار الحل. 

ولم تقتصر الاغتيالات على "أعداء الإسلام" أو أعداء الجماعة كما تدّعي، بل طالت قيادات الجماعة ذاتها، ربما أيضًا بعد وضعهم في خانة "الأعداء" التي من الممكن أن تتسع لتشمل أفرادًا آخرين بغير حصر، يذكر أيضًا خالد محمد خالد في مذكراته أنّ عبد الرحمن السندي، مسؤول التنظيم الخاص وبعد خلافه مع حسن الهضيبي مرشد الجماعة بعد وفاة البنا، طلب من الشيخ سيد سابق فتوى تسمح له باغتيال الهضيبي، وبعد أن طلب سابق منه مهلة للتفكير سمع بالمصادفة الآية القرآنية "ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق"، فخاف السيد سابق من إصدار الفتوى! لكنّ السندي قام بعدها باغتيال أحد قيادات التنظيم السرّي وهو سيد فايز، ولكن دون الحاجة إلى فتوى هذه المرة، وذلك بسبب انحيازه للهضيبي في خلافه معه!

وتتميز عمليات الاغتيال التي قامت بها جماعة الإخوان من خلال تنظيمها السرّي بأنّها تقوم على الغدر وتتسم بالخسة، ففي عملية اغتيال أحمد ماهر باشا تقدم القاتل إليه متظاهرًا بأنّه يريد أن يسلم عليه، ولما مدّ أحمد ماهر يده إليه ليصافحه إذا به يفرغ رصاصات مسدسه في صدره، وكذلك تبدو الخسة واضحة في عملية اغتيال النقراشي، حين قام بها أحد الطلاب، وهو عبد المجيد حسن، الذي قدّم له النقراشي المعروف مرتين، الأولى حين شطب اسمه بنفسه من قائمة لبعض الأفراد المطلوب القبض عليهم، والثانية حين كان والد القاتل يعمل بوزارة الداخلية، وعندما توفي قرر النقراشي أن يكمل ولده عبد المجيد تعليمه مجانًا، أيضًا يبدو الغدر والخسة في عملية اغتيال سيد فايز، الذي تم وضع المتفجرات له في علبة حلوى المولد النبوي، وتم إرسالها إليه كهدية في منزله أثناء غيابه، وعند قدومه وفتحه لها انفجرت فيه فأردته قتيلًا مع بعض أفراد أسرته وأحد الأطفال من جيرانه!

وبعد ثورة تموز (يوليو) 1952م حاول الإخوان كذلك اغتيال جمال عبد الناصر بوساطة أحد أعضاء الجماعة، وهو محمود عبد اللطيف، تلك الحادثة التي تسببت في المحنة التي دخلت فيها الجماعة حتى وفاة عبد الناصر في 1970م، بعدها انطلقت الجماعة في العمل بعد الخروج من السجون في السبعينات وانتهجت العمل السلمي بصوره المختلفة، ثم ما لبثت أن عادت إلى العنف والاغتيال مرة أخرى بعد سقوطها من الحكم في العام 2013م، حيث قامت بالعديد من عمليات الاغتيال لشخصيات من الأجهزة الأمنية والعسكرية والقضائية كان أبرزها عملية اغتيال النائب العام، لكنّ العجيب أنّه رغم كل ذلك تدّعي الجماعة دومًا أنّها لا علاقة لها بالعنف، وأنّها جماعة سلمية، لكن، كما قال الشاعر قديمًا: "السيف أصدق إنباءً من الكتب".




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية