
شهدت مدينة الزاوية، شمال غربي ليبيا، نهاية الأسبوع الماضي، اشتباكات عنيفة بين مجموعات مسلحة متناحرة، بعدما تحولت الأحياء السكنية إلى ساحات للاقتتال، ممّا أسفر عن تدمير عدد من المنازل وتشريد عائلات، جراء المواجهات الميدانية المتواصلة.
وتقع مدينة الزاوية على بُعد 40 كيلومتراً غرب العاصمة طرابلس، وتضم أكبر مصفاة نفط عاملة في ليبيا، بطاقة إنتاجية تبلغ 120 ألف برميل يومياً، وترتبط بحقل الشرارة النفطي الذي تصل طاقته الإنتاجية إلى 300 ألف برميل يومياً.
وأعلنت مديرية أمن الزاوية، بالتعاون مع الغرفة الأمنية المشتركة وعدد من الأجهزة الأمنية في المدينة، إطلاق عملية أمنية واسعة النطاق، قالت إنّها تستهدف أوكار المجرمين والمطلوبين والخارجين عن القانون، وكلّ من تورط في أعمال تهدد الأمن العام والسلم الاجتماعي.
الزاوية مدينة النفط والسلاح
ويرى مراقبون أنّ السيولة الميدانية الأخيرة التي شهدتها مدينة الزاوية يمكن فهمها في سياق الاجتماعات التي عقدها رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة خلال شهر آذار/مارس الماضي مع عدد من قادة التشكيلات المسلحة، من بينها فصائل تنشط في مدينة الزاوية، وذلك بعد تأكيده، نهاية عام 2025، أنّ حكومته ستركز على 3 مسارات رئيسة؛ تتمثل في "دعم الجيش النظامي المحترف، وإنهاء حالة السلاح خارج سلطة الدولة، والحفاظ على الاستقرار الأمني".
وبينما جاء وقف إطلاق النار عبر جهود أعيان المدينة، بدت الأطراف المتصارعة في مدينة الزاوية متمثلة في "قوة الإسناد الأولى" بقيادة محمد بحرون (الفار)، في مواجهة "الكتيبة 103" (الكابوات)، إلى جانب فصائل مسلحة محلية موالية لآمر كتيبة شهداء النصر محمد كشلاف (القصب)، وذلك بحسب وسائل إعلام ليبية.
إلى ذلك، قال الكاتب الليبي حمد الخراز: إنّ هذه الصراعات "ليست بالأمر الجديد في الساحة الليبية"، مشيراً إلى أنّ حالة التنافس الأخيرة بين المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة كانت سبباً مباشراً في اندلاع هذه الاشتباكات.
وأوضح الخراز في تصريحاته لـ (حفريات) أنّ مدينة الزاوية كانت، في السابق، نموذجاً للفلتان الأمني وانتشار الجريمة المنظمة، لافتاً إلى أنّ المعركة الحالية "سياسية بامتياز"، وجاءت نتيجة التنافس بين الدبيبة ومحمد المنفي من أجل خلق توازنات جديدة قبل إطلاق مسعد بولس خطته التي لم تتضح معالمها الحقيقية حتى الآن.
وتابع قائلاً: إنّ الأطراف المتصارعة تقوم بخطوات استباقية بهدف بسط نفوذها في عدد من المناطق والمدن الليبية، موضحاً أنّ "أحد الطرفين محسوب على المجلس الرئاسي، بينما يُحسب الطرف الآخر على حكومة الدبيبة".
وشدد الخراز على أنّ الميليشيات اعتادت أن تكون أداة لتنفيذ سياسات بعض الأطراف التي تمولها، مؤكداً أنّه "لولا هذا التمويل لما كان لهذه المجموعات وجود على الأرض".
وحذّر من استمرار حالة الفوضى والصراع بين الأطراف الليبية في ظل غياب حلول حقيقية تُنهي الانقسام القائم.
وفي سياق متصل، أوضح الخراز أنّ غياب التصريح الرسمي من حكومة الوحدة الوطنية بشأن العقود والتفاهمات الأخيرة يعكس حجم الارتباك داخل المشهد السياسي، مشيراً إلى أنّ بعض أطراف الصراع كانت تراهن على انتصار الطرف الموالي لها من أجل بسط نفوذها الكامل على مدينة الزاوية، إلا أنّ تلك المساعي فشلت بسبب توازن القوى الميليشياوية داخل المدينة بحسب المصدر ذاته.
وأكد أنّ هذا الوضع مرتبط بتاريخ طويل من الصراعات، كان سببه الرئيسي المال السياسي الفاسد، الذي حوّل مدينة الزاوية غرب ليبيا إلى مركز للجريمة المنظمة والتهريب والاتجار بالبشر وغيرها من الأنشطة غير القانونية.
وشدد على أنّ جميع الأطراف متورطة بدرجات متفاوتة في هذه الجرائم، مؤكداً أنّ "أحداً لن ينتصر في هذا الصراع"، وأنّ حالة الفوضى ستستمر إلى حين بسط مؤسسات الدولة الرسمية سيطرتها الكاملة.
كيف تحولت الزاوية إلى بؤرة توتر؟
ومن جانبه، أشار الباحث الليبي عمر أبو سعيدة إلى أنّ فهم السيولة الميدانية في مدينة الزاوية يتطلب قراءة الأحداث في سياقها المتصل بالتراكمات السابقة التي تمر بها المنطقة الغربية عموماً، ومدينة الزاوية على وجه الخصوص.
وأوضح أبو سعيدة في سياق حديثه لـ (حفريات) أنّ مدينة الزاوية تتمتع بموقع استراتيجي مهم لقربها من العاصمة طرابلس، مركز السلطة التنفيذية والسياسية في البلاد.
وأضاف أنّ المدينة تحتضن أكبر مصفاة لتكرير النفط في ليبيا، إلى جانب موانئ تجارية ونفطية، مشيراً إلى أنّ هذه الموانئ تحولت مع مرور الوقت إلى ممرات رئيسية لتهريب الوقود والبشر والمخدرات، في ظل غياب الدولة لفترات طويلة.
وأكد أنّ هذا الفراغ الأمني أسهم في تمدد الميليشيات وتعاظم نفوذها، حتى أصبحت تمتلك إمكانيات وموارد تتجاوز في بعض الأحيان قدرات الدولة نفسها.
وتابع قائلاً إنّ توصيف هذه التشكيلات "بالكتائب" قد لا يكون دقيقاً، موضحاً أنّها أقرب إلى "مجاميع مسلحة أو عصابات منظمة" لا تمتلك أيّ ولاء عقائدي أو وطني بمفهوم الدولة، بل تعتمد على مصالح ضيقة مرتبطة بمناطق النفوذ التي تسيطر عليها.
وأشار إلى أنّ هذه المجاميع تتعامل مع مناطق سيطرتها كـ "جزر أمنية معزولة"، تستفيد من الموارد المتاحة فيها، سواء عبر الموانئ أو المصافي أو المصانع أو غيرها من المرافق الحيوية.
ونبّه أبو سعيدة إلى أنّ بعض الأجسام السياسية تحاول احتواء هذه المجموعات المسلحة واستخدامها لتحقيق أهداف سياسية، إلا أنّ العلاقة بينها تبقى هشة وسرعان ما تتحول إلى صدامات عند تعارض المصالح أو التوجهات السياسية.
وفي ما يتعلق بغياب التصريحات الرسمية، أوضح الباحث الليبي أنّ هذا الغياب يمكن قراءته من زاويتين؛ الأولى تعكس حالة عجز حقيقية لدى مؤسسات الدولة أمام قوة السلاح الذي تمتلكه الميليشيات، والثانية ترتبط بحالة الاصطفاف السياسي والتقاطعات بين الأطراف المختلفة في المنطقة الغربية.
وأشار إلى أنّ الاشتباكات الأخيرة شهدت استخدام طائرات مسيّرة وآليات مصفحة وأسلحة ثقيلة ومتوسطة، معتبراً أنّ هذه الإمكانيات تفوق أحياناً ما تمتلكه مؤسسات الدولة الرسمية.
وأكد أنّ المشهد السياسي في المنطقة الغربية يشهد حالياً حراكاً وتفاعلات جديدة تنعكس بشكل مباشر على الوضع الأمني والميداني.
وأوضح أنّ الهدف من ذلك يتمثل في منع تبلور موقف موحد داخل المنطقة الغربية تجاه المبادرة السياسية الجديدة، وإبقاء الأجسام السياسية في حالة من الانقسام والتوتر وتقاطع المصالح.
وأكد أنّ بعض الأطراف السياسية باتت تشعر بإمكانية خروجها من المشهد السياسي، الأمر الذي يدفعها إلى التمسك بالمجموعات المسلحة التابعة لها واستخدامها كورقة ضغط لزعزعة الأمن والاستقرار.
اشتباكات الزاوية... انعكاس لانقسام السلطة في طرابلس
وبدوره قال السياسي الليبي السنوسي إسماعيل: إنّ الصراع السياسي الدائر في العاصمة طرابلس ينعكس عادة على مدينة الزاوية، موضحاً أنّ الاشتباكات الأخيرة اندلعت بين مجموعات مسلحة موالية للمجلس الرئاسي وأخرى موالية لحكومة الوحدة الوطنية.
وأوضح أنّ هذه الصراعات والاشتباكات المسلحة هددت أمن المواطنين، وتسببت في خسائر بالأرواح والممتلكات، وأحدثت حالة من الارتباك في مدن الساحل الغربي، وكانت لها امتدادات وردود فعل في بعض المناطق المجاورة.
ولفت إسماعيل في تصريحاته لـ (حفريات) إلى أنّ هذه المواجهات جرت في مناطق شديدة الحساسية، أبرزها محيط مصفاة النفط، التي كادت أن تتعرض لأضرار كبيرة، مشيراً إلى أنّ إدارة المصفاة سارعت إلى إغلاقها وإخلاء مساكن العاملين حفاظاً على سلامتهم.
وأكد أنّ جهود أعيان مدينة الزاوية، إلى جانب تدخل القوة المحايدة التي يقودها محمود بن رجب، أسهمت في وقف النزاع المسلح والتوصل إلى وقف لإطلاق النار.
وأضاف أنّ الهدوء الحذر ما يزال يخيّم على مدينة الزاوية حتى الآن، منبهاً إلى أنّ احتمالية تجدد الاشتباكات تبقى واردة في أيّ لحظة ما لم تُتخذ إجراءات جادة لمعالجة الوضع الأمني داخل المدينة.
وشدد على ضرورة تنفيذ ترتيبات أمنية عاجلة، وتفعيل دور المؤسسات الرسمية، وعلى رأسها الأجهزة القضائية ومديرية الأمن، لضمان استعادة الاستقرار وفرض سلطة الدولة.
وأشار إلى أنّ رئيس الأركان محمد النمروش كان له في فترات سابقة دور في تحقيق نوع من الاستقرار في مدن الساحل الغربي، غير أنّ الاشتباكات الأخيرة أعادت التهديد الأمني إلى الواجهة مجدداً.
ونبّه إسماعيل إلى أنّ استمرار هذه المواجهات يؤدي إلى سقوط مزيد من الضحايا وتفاقم الخسائر المادية، مؤكداً أنّ سكان مدينة الزاوية باتوا يعبّرون عن استيائهم المتزايد من تكرار الحوادث الأمنية بين الحين والآخر.
وخلص السنوسي إسماعيل في ختام حديثه لـ (حفريات) إلى أنّ معالجة الأزمة تتطلب تحركاً سريعاً من مؤسسات الدولة، إلى جانب توافق سياسي وأمني يضمن عدم عودة الاشتباكات مستقبلاً.
هذا، ويرى الباحث في الأمن القومي أنّ أحداث الزاوية الأخيرة لا يمكن التدقيق في مجرياتها من زاوية الحدث الأمني فحسب، دون النظر إلى دلالاتها المرتبطة بعمق أزمة السلطة والأمن في الغرب الليبي، لافتاً إلى أنّ المدينة قدّمت، أكثر من مرّة، نموذجاً متكرراً للأزمة وسيولة السلاح وانتشاره داخل المجال المدني، فضلاً عن أنّ ذلك يعكس تعدد مراكز القوة وغياب مركزية القرار الواضح القادر على بسط عوامل الأمن وآليات الاستقرار.
وأضاف الباحث الليبي، في تصريحاته لـ (حفريات)، أنّ أخطر ما في هذا المشهد يتمثل في انتقال الاشتباكات إلى قلب الأحياء المدنية، وهو ما يحوّل السكان إلى "رهائن بين ثنائية السلاح والمصالح"، محذراً من أنّ استمرار الصمت الرسمي يفاقم حالة الارتباك ويضعف ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.
وخلص إلى أنّ ما شهدته الزاوية يمثل "اختباراً حقيقياً لسلطة الدولة في الغرب الليبي"، أكثر من كونه مجرد اشتباك أمني محدود.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)