استقالة "إخوان الزاوية".. تآكل للتنظيم في ليبيا أم مناورة أخرى؟

استقالة "إخوان الزاوية".. تآكل للتنظيم في ليبيا أم مناورة أخرى؟

مشاهدة

17/08/2020

أثار أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، في مدينة الزاوية غرب العاصمة الليبية طرابلس، باستقالتهم الجماعية من الجماعة، وحلهم لفرع المدينة، لما قالوا إنه تغليب لمصلحة الوطن العليا، الكثير من التساؤلات التي تعكس ضمنياً محاولة الجماعة الالتفاف على الواقع الشعبي لتحقيق مكتسبات ومصالح معيّنة.

 

تتزامن استقالة "إخوان الزاوية" مع تزايد الاستياء الشعبي في ليبيا من الجماعة وتراجع درجة التأييد لها داخل البلاد

جاء ذلك في بيان نشر الخميس 13 آب (أغسطس) الجاري، منسوب إلى المجموعة التي يمثل جناحها السياسي حزب "العدالة والبناء"، أشاروا فيه إلى أنّ هذه الاستقالة الجماعية: "تأتي استجابة لنداء الكثير من المخلصين من أبناء الوطن بشأن عدم ترك فرصة لمن يتربّص بالشعب الذي أراد الحرّية، وإقامة دولة مدنية يعيش فيها المواطن متمتعاً فيها بحقّ المواطنة أيّاً كان توجّهه الفكري أو انتماؤه السياسي، ونظراً لما تمرّ به البلاد من تجاذبات واصطفافات وتصنيفات وحرب على الوطن والمواطن".

اقرأ أيضاً: الحل في إبعاد تركيا عن ليبيا

ومدينة الزاوية من أبرز معاقل تنظيم الإخوان في ليبيا، فهو يسيطر على الميليشيات المسلّحة بالمدينة، التي تقودها أهمّ القيادات الإخوانية المتطرّفة على غرار مصطفى التريكي، وشعبان هدية المكنّى بـ"أبي عبيدة الزاوي".

وتتزامن تلك الاستقالة مع تزايد الاستياء الشعبي في ليبيا من الجماعة، إذ تراجعت درجة التأييد لها داخل البلاد، خاصة في معاقلها الرئيسية في الغرب، بعد مقتل المئات من الشباب في الحرب ضدّ القوات المسلحة، وبعد أن انكشف، على الصعيد الشعبي، بحث قادة الإخوان عن تحقيق مكاسب شخصية وحزبية على حساب الانتماءات الوطنية.

اقرأ أيضاً: لماذا يفضّل أمراء الحرب في ليبيا مرتزقة تشاد؟

هذا، وسبقت تلك الاستقالة الجماعية خطواتٌ مُماثلة على الصعيد الفردي لأعضاء في الحزب، استقالوا فجأةً من عضويته في السنوات الماضية، وأشهر هذه الحالات: استقالة رئيس مجلس الدولة الحالي خالد المشري، في كانون الثاني (يناير) 2019 من الحزب من دون حدوث تغيير ملحوظ في توجُّهاته الفكرية وسلوكه السياسي، وكلّ الأعضاء المُستقيلين في السنوات الماضية، بحسب اتهامات مُعارضين لجماعته، وفق ما نقلت "الإندبندنت العربية".

 

سبقت تلك الاستقالة الجماعية خطواتٌ مُماثلة على الصعيد الفردي لأعضاء في الحزب

كان المشري قد قال، في بيان استقالته في ذلك الوقت: "إنه انطلاقاً من المُقتضيات الوطنية الفكرية والسياسية، أُعلن استقالتي وانسحابي من جماعة الإخوان المسلمين، مع استمراري في العمل السياسي والحزبي، والاحتفاظ بكلّ الود والاحترام لكلّ أعضاء الجماعة، على أمل أن تجد المراجعات طريقها إلى التنفيذ، لما أرى أنها تنطوي عليه من مصالح عليا لهذا البلد"، داعياً إلى "العمل مع أبناء ليبيا كافَّةً، بعيداً عن أي شعارات أو أسماء قد تُستخدم لضرب وحدة وتماسُك المجتمع، والاندماج في العمل الوطني".

اقرأ أيضاً: تصعيد أوروبي ضد الدور التركي في ليبيا.. ما علاقة غاز المتوسط؟

ما أثار استغراب الكثيرين وعزَّز شكوكهم حول الهدف الحقيقي من وراء خطوة الاستقالة الجماعية لـ "إخوان الزاوية" هو الإشادة والترحيب اللذان حظيت بهما من كثيرين في التنظيم والجماعة بليبيا، حيث وصف عضوها، المستقيل مؤخراً، محمد غميم، هذه الخطوة بـ"الشجاعة"، داعياً باقي أعضاء الجماعة في المدن الليبية كافَّةً "للاقتداء بهذا الموقف الوطني، المُنطلق من فهم صحيح للواقع الليبي، فالبلد يسع الجميع من دون الحاجة إلى تنظيمات ضيقة، ما عليها أكثر ممّا لها"، مبيِّناً أنّ هناك معارضة من أعضاء الجماعة خارج ليبيا، لهذه الاستقالات الفردية والجماعية، بقوله: "أمّا إخوان ليبيا في الخارج، الرافضون لحلّ الجماعة، مثل رفضهم العودة إلى البلاد، فدعوهم لشعاراتهم التي يرفعونها من مقرّ إقامتهم مع أسرهم، في عواصم الدول الأجنبية".

من جهته، وصف الباحث والأكاديمي الليبي، محمد العنيزي، الاستقالات المُتتابعة الجماعية والفردية لأعضاء حزب و"جماعة الإخوان المسلمين" في ليبيا محاولة لإعادة تدوير" الجماعة في ليبيا، ولتحقيق مصالح شخصية، حتى لو كانت على حساب الانتماءات.

اقرأ أيضاً: كورونا تجتاح ليبيا... ما الذي تحاول حكومة الوفاق إخفاءه؟

وتابع قائلاً لـ"إندبندنت عربية": "هذا النهج في تغيير الجلد وإعادة تدوير الأعضاء، عهدناه من إخوان ليبيا منذ العام 2012، مع أوّل انتخابات ليبية بعد الثورة، حينما أقدم أعضاء في الجماعة على هذه الخطوة، لمعرفتهم بضعف شعبية تنظيمهم وجماعتهم في الشارع، ونجحوا في هذه الخدعة وقتها، حتى فُوجئ جميع من في ليبيا بأغلبيتهم في البرلمان، التي اكتسبوها من مرشحيهم عبر القوائم الفردية، على الرغم من اكتساح حزب محمود جبريل، من التيار المدني، للقوائم الحزبية، بفارق شاسع".

 

العنيزي: الاستقالات المُتتابعة الجماعية والفردية لأعضاء الإخوان في ليبيا محاولة لإعادة تدوير الجماعة

وأضاف: "في انتخابات البرلمان الحالي العام 2014، اكتشف الشارع الخدعة وخسر التيار الإسلامي السباق الانتخابي بشكل مُدوٍّ، ما دفعه إلى عرقلة المسار الديمقراطي ورفض نتائج الصندوق، والذهاب بنا إلى الأوضاع الحالية التي تعاني منها ليبيا والليبيون".

من جهته، أكّد الأكاديمي الليبي، عقيلة دلهوم، أنّ إعلان جماعة الإخوان بمدينة الزاوية تقديم استقالاتهم الجماعية، يأتي في سياق سلوك الإخوان المعتاد والمعروف بالتقية، ضمن منهاجهم منذ تأسس التنظيم على يد حسن البنا، وفق ما نقلت "بوابة أفريقيا".

وقال "دلهوم" في تعليق نشره على حسابه الخاص بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" تحت عنوان: "بين التوبة والتقية عند البناوين من أبناء الزاوية": "سمعنا عن اعتزال فئة من أبناء مدينة الزاوية كانت قد ضلّت طريقها طويلاً من خلال انتمائها لجماعة الإخوان المناصرين لفكر الضلال عند حسن البنا".  

 

علي التكبالي: ‏الإخوان يتنصّلون من حزبهم ويستقيلون، أهو دين ومبدأ أم تجارة وسمسرة؟

ويتابع: "بالمناسبة، ولأنّ الشيء بالشيء يُذكر: عندما ادّعى زيفاً الإخواني خالد المشري، ليظلّ باقياً في منصبه كرئيس للمجلس الأعلى بطرابلس، بأنه قرّر اعتزال فكر جماعته المتأسلمة، كتبت حينها منشوراً عنوانه: هل هي التوبة الصادقة، أم أنها التقية الإخوانية المتقلبة؟".  

اقرأ أيضاً: حزب تركي معارض يصف ممارسات أردوغان في ليبيا ب"الاحتلال"

ويردف: "اليوم أكرّر القول نفسه، مع إعلان بعض أبناء مدينة الزاوية عودتهم إلى رشدهم، ومع سعادتنا بهذا القرار المفاجئ، لكنّ السؤال يظلّ يطرح نفسه من جديد: هل هي التوبة من أجل إحداث تغيير في وجود هؤلاء المعتزلين لجماعة التقية البناوية المعهودة، والتي لطالما استخدمت تقيتها مبرراً للتلمق والنفاق في مسائل وطنية وسياسية كثيرة، أم أنها تكرار جماعي لمحاولة "مشرية"، غايتها الالتفاف والتلون الباهت أمام عزلة جماعة الإخوان المتأسلمين في ليبيا"؟ لافتا إلى أنّ ما قاموا به مناورة جديدة بحثاً عن المناصب والمكاسب.

وفي سياق متصل، شنّ عضو مجلس النواب الليبي، علي التكبالي، يوم السبت الماضي، هجوماً حادّاً، على جماعة الإخوان المسلمين، واصفاً إياهم بـ"أساتذة النفاق".  

وقال التكبالي في تغريدة له عبر حسابه الشخصي، بموقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، رصدتها صحيفة "أوج": إنّ ‏الإخوان يتنصّلون من حزبهم ويستقيلون، مُتسائلاً: "هو دين ومبدأ أم تجارة وسمسرة؟".

 

دلهوم: هذه الخطوة تأتي في سياق سلوك الإخوان المعتاد والمعروف بالتقيّة

وأشار عضو مجلس نواب طبرق إلى أنّ ذلك ليس بجديد عليهم في سبيل تحقيق هدفهم الأوحد، قائلاً: "يبقى الإخوان أساتذة النفاق والبراغماتية، ولا يهمّهم شيء إلّا الحكم".

بالمقابل، علّق القيادي بجماعة الإخوان المسلمين في الزاوية، أبو القاسم شيوة، على الاستقالات الجماعية المزعومة لقيادات الإخوان بالزاوية، مؤكّداً على أنّ بيان الاستقالة ترتّب على عدّة اجتماعات ومؤتمرات على مستوى منطقة الزاوية خاصّة.

وقال شيوة عبر قناة "ليبيا بانوراما": إنّ الاستقالات جاءت بعد أن أصبح اسم الإخوان والجماعة شمّاعة لمهاجمة الوطن والتسلّط عليه، وفق ما أوردت صحيفة المرصد.

اقرأ أيضاً: مفاتيح لفهم موقف مصر مما يجري في ليبيا

وزعم أنّ الجماعة لم تقُمْ من أجل تدمير البلاد، بل لإصلاح مجتمع، معتبراً أنّ الجماعة ليست هدفاً، بل غاية للوصول لهدف استقرار البلاد وإصلاح المجتمع، إلّا أنه قد تجاهل مصير البيعة العالقة في أعناقهم للجماعة التي لا يوجد في أدبياتها ما يُسمّى استقالة، بل إنّ الانتماء لها يتمّ ببيعة للمرشد أو من ينوب عنه، ولا ينتهي هذا الانتماء إلّا بفسخها .

وتجدر الإشارة إلى أنّ جماعة الإخوان في ليبيا، بعد "ثورة فبراير" 2011، استطاعت تشكيل شبكات معقدة تعتمد على تسليح الميليشيات والمال السياسي الفاسد وتغذية الانتماء العرقي، حيث تمّ استبعاد الأغلبية الليبية، وبسط المتشدّدون نفوذهم على الرغم من رفض الليبيين لهم؛ حيث لا تسعى هذه الجماعة إلّا وراء مصالحها، ولا تحاول إلّا السيطرة على الحكم وتنفيذ مشروعها التخريبي في ليبيا.

 

الصفحة الرئيسية