إيطاليا تتقدم ببطء في التعامل مع جماعة الإخوان

إيطاليا تتقدم ببطء في التعامل مع جماعة الإخوان

إيطاليا تتقدم ببطء في التعامل مع جماعة الإخوان


06/09/2026

محمد أبو الفضل

لم تكن إيطاليا من الدول الأوروبية السباقة في إضفاء إطار تشريعي أو تنظيمي على ملف الإسلام السياسي. وفي حين بنت النمسا إطاراً قانونياً خاصاً بها، وأنتجت فرنسا قانوناً لمواجهة الانعزالية تلاه تقرير حكومي مفصل عن أيديولوجية جماعة الإخوان المسلمين وتجلياتها السياسية والاجتماعية، فضلاً عن إدارة ألمانيا للملف عبر أجهزة حماية الدستور وقانون الجمعيات، وإجراء بريطانيا مراجعة حكومية مبكرة، ظلت إيطاليا تتعامل مع الملف بحذر. ومع أن روما تضم جالية مسلمة واسعة، إلا أن ملف الإسلام السياسي ظل عالقاً في منطقة رمادية.

تتجلى هذه الإشكالية في غياب اتفاق رسمي ومنظم بين الدولة ومكونات الجالية المسلمة، وعدم وجود قانون عام للحرية الدينية، وعدم وجود سياسة موحدة تنظم أماكن العبادة، وغياب الأداة التشريعية الواضحة التي توقف التدخلات المجتمعية غير المباشرة لعناصر جماعة الإخوان وتمددها في المجتمع بشكل غير مباشر.

يمثل الحراك السياسي والتشريعي الأخير محاولة جادة لكسر هذا الجمود المزمن وعبور تلك المنطقة الرمادية، قادها اليمين الحاكم في إيطاليا في مسعى للوصول إلى يقين حاسم بأن جماعة الإخوان تمثل خطراً مجتمعياً حقيقياً. تأتي هذه الخطوة في سياق رغبة روما في اللحاق بالعواصم الأوروبية الكبرى في مواجهة الهواجس والتحديات التي تثيرها التيارات الدينية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان.

كشفت تسريبات صحافية مؤخرا عن حزمة تشريعية مهمة يقوم بإعدادها حزب "الرابطة" بقيادة نائب رئيس الوزراء ماتيو سالفيني. تستهدف الطوائف الدينية التي لا ترتبط باتفاق رسمي مع الدولة، وعبر استحداث سجل وطني للكيانات الممثلة لها، وآخر لرجال الدين، وفرض التزام بنشر الموازنات المالية وتتبع مصادر التمويل.

تضمنت المقترحات تجريم استخدام أماكن العبادة في التحريض أو نشر مبادئ مخالفة للنظام القانوني للدولة، وتوسيع صلاحيات المحافظين ووزارة الداخلية في الرقابة والمتابعة. وقد نقلت الصحافة الإيطالية عن مصادر حزبية قولها إن جزءاً من التدفقات المالية الخاضعة للتدقيق المالي يمكن ربطه تنظيمياً بجماعة الإخوان.

تناقلت وكالة "أدنكرونوس" وعدد من وسائل الإعلام الإيطالية تفاصيل هذا المقترح التشريعي، بينما نبهت وكالة "نوفا" الإيطالية إلى أن الحديث عن إطلاق "حملة إيطالية شاملة على المساجد" سابق لأوانه، بالنظر إلى طبيعة المسار البرلماني المعقد.

يتزامن هذا الجدل مع نشر وزارة شؤون الشتات ومكافحة معاداة السامية الإسرائيلية تقريراً بعنوان "منظمات الإخوان المسلمين في إيطاليا" في يونيو/حزيران الماضي، حدد عدة جهات رئيسية تابعة لاتحاد الجاليات والمنظمات الإسلامية، شملت "شباب مسلمي إيطاليا"، "معهد بيان"، "التحالف الإسلامي الإيطالي"، و"جمعية الفلسطينيين في إيطاليا"، واتخذت هذه المعلومات ذريعة للإيحاء بأن جماعة الإخوان تستغل هذه الكيانات لإعادة تنظيم صفوفها وتثبيت أقدامها في المجتمع الإيطالي.

يعد الإمعان في مقارنة الحالة البريطانية بنظيرتها الإيطالية الأكثر إفادة ووضوحاً في المشهد الأوروبي، لأن الدولتين تتقاربان إلى حد كبير في التشخيص الأولي للمشكلة، ما يجعل المقارنة بينهما اختباراً لمدى قدرة البنية القانونية على توجيه السياسة العامة.

في إيطاليا، تداخلت عدة مسارات، بدءاً من المبادرة الحزبية داخل الائتلاف الحاكم، مروراً بالمسار البرلماني في لجنة الشؤون الدستورية، ووصولاً إلى تكليف رسمى أصدره رئيس الوزراء الأسبق ماتيو رينزي بمراجعة استخباراتية داخلية عام 2014.

ورغم عدم نشر تلك المراجعة رسمياً والاعتماد بدلاً منها على المذكرات الإيضاحية والدراسات الأجنبية والتقارير الصحافية، إلا أن مراجعة أخرى أُجريت في عام 2015 أسفرت عن صدور تشريع عام ينظم الحقل الديني عبر السجلات، والتراخيص، ورقابة الموازنات، وتجريم أنواع محددة من الخطاب، إلى جانب تفعيل الأدوات الإدارية القائمة وقانون الجمعيات الخيرية وسياسات التأشيرات.

لم تذكر هذه الإجراءات جماعة الإخوان صراحة، وكانت تظهر أحياناً في التصريحات والمذكرات الإيضاحية، ولم تُذكر بشكل رسمي. من هنا يبدو الارتباط بالتنظيم مؤشراً محتملاً على التطرف يستدعي المتابعة الأمنية والسياسية وليس الحظر الفعلي.

يفرض التعامل مع مسألة التمويل نشر الموازنات إلزامياً وتتبع التحويلات الأجنبية عبر تشريعات جديدة تعزز الرقابة من خلال مفوضية الجمعيات الخيرية والتعاون الدولي على مصادر التمويل غير المشروع. لكن لا توجد مؤشرات على اقتراب حدوث حظر عملي لجماعة الإخوان في إيطاليا، أو تصنيفها تنظيماً إرهابياً، ما يتشابه إلى حد كبير مع الموقف الأوروبي العام حيال التعامل الحذر مع الجماعة.

يأتي مصدر الهشاشة الأساسي في الحالة الإيطالية من احتمال إبطال هذه الإجراءات دستورياً، ووجود شبهة واضحة للتمييز بين الطوائف الدينية، فضلاً عن غموض التعريفات التشريعية، واتساع السلطة التقديرية للإدارة، وضعف الحسم السياسي.

يبرز قلق حقيقي بين أبناء الجالية المسلمة من فرض قيود تعسفية على بناء المساجد ودور العبادة. يبدو التشخيص واحداً في كل من إيطاليا وبريطانيا، حيث يُركز الطرفان على الفجوة بين الخطاب المعلن في الغرب والمواقف الفعلية. علاوة على الاعتماد على العمل عبر كيانات مستقلة قانونياً. يظل المال المدخل المشترك الأبرز، إذ يتعامل البلدان مع التمويل الخارجي بوصفه المؤشر الأكثر قابلية للقياس.

يرفض النموذجان البريطاني والإيطالي خيار الحظر الكامل، مفضلين الاعتماد على أدوات الشفافية والمساءلة الإدارية، رغم خضوعهما لضغوط خارجية واستعدادهم للتحرك في أضعف الأحوال. بيد أن التحرك الإيطالي الراهن لا يعدو في حقيقته أن يكون إعلان نية سياسية وليس تحولاً ملموساً على الأرض. لا يوجد قانون مكتوب أو نص مودع رسمياً أو تصنيف محدد، بل مسار برلماني في طور جلسات الاستماع وحزمة إجراءات حزبية معلنة.

يرمي المدخل الإيطالي إلى ضبط السلوك العقائدي والمجتمعي، وينصب الاستهداف بشكل رئيسي على البنية التحتية التنظيمية التي تشمل الكيان، المكان، الإمام، والمال، متجنباً خوض معركة تعريف الأيديولوجيا وملابساتها المعقدة. غير أن هذا المدخل يظل محفوفاً بمخاطر قانونية جسيمة، ويفرض قيوداً مجحفة على فئة دينية كاملة تم تعريفها بمعيار غياب الاتفاق الرسمي مع الدولة وليس بمعيار الخطورة الفعلية.

تُمثل مشكلة "الاعتراف المعلق" جوهر الأزمة الإيطالية قبل أزمة التمويل المادي، فقد توقف مسار الاعتراف رسمياً بـ"الجالية الدينية الإسلامية الإيطالية" و"اتحاد الجاليات والمنظمات الإسلامية"، على الرغم من استيفاء كافة الشروط الإدارية المطلوبة وآراء مجلس الدولة. تم تجميد عمل مجلس العلاقات مع الإسلام الإيطالي منذ عام 2023، تلته استقالة جماعية لأعضائه في العام التالي 2024، ما صنع فراغاً مؤسسياً ربما لا يعالجه التشريع الجديد المقترح، لتظهر الدولة وكأنها تعاقب المجتمع على وضع صنعته هي بنفسها.

أخفقت فرنسا في صياغة تعريف دقيق للاختراق يجتاز اختبار مجلس الدولة، بينما تلتف إيطاليا على السؤال بشكل إجرائي، في حين تجاوزت بريطانيا العقبة باعتماد مؤشر احتمالي بدلاً من التصنيف القاطع، وهو الحل الأكثر قبولاً من الناحية القانونية والأقل فاعلية على الصعيد العملي.

من المرجح أن يسقط القضاء الدستوري في إيطاليا المواد الأكثر تعرضاً للطعن القانوني، تحديداً متطلبات الاستفتاء البلدي المسبق، إلزامية لغة الخطبة تحت طائلة الإغلاق، وربط مساحة المبنى أو المسجد بعدد الموقعين، وتفويض الحكومة بتحديد مضمون الأنظمة الأساسية للكيانات. 

ميدل إيست أونلاين




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية