إمارة بستك... عندما انبعث حكم بني العباس بإيران ودام 3 قرون

إمارة بستك... عندما انبعث حكم بني العباس بإيران ودام 3 قرون

مشاهدة

02/03/2021

لم يكن سقوط خلافة بني العباس في بغداد على يد المغول عام 1256م النهاية والخاتمة لحكم هذه السلالة العريقة، بل بحكم المكانة الروحية والدينية، كان بداية لدول عدّة حكمها العباسيون من بعده، توزّعت من شمال العراق، إلى الهند، إلى باكستان، إلى السودان. وكان من أشهر هذه الدول دولتهم في منطقة "بر فارس"، جنوب إيران المعاصرة، والمعروفة باسم "إمارة بستك"، أو "خانيّة بستك"، التي امتدّت مدة 3 قرون، بداية من الربع الأخير من القرن الـ17. 

برز العباسيّون بين السكان والأهالي في "خُنج" ومنطقة "بر فارس"، وعُرفوا بالعلم والفقه

 الفرار من المغول

بعد سقوط بغداد عام 1258م على يد الغزاة المغول، فرّت الأسرة العباسية الحاكمة وتفرّقت في بلاد شتّى، فمنهم من ذهب إلى مصر، ومنهم من ذهب إلى الجزيرة العربية، ومنهم من وصل إلى السودان، وآخرون وصلوا إلى الهند. وكانت إحدى المسالك التي فرّوا باتجاهها هي باتجاه مناطق الساحل الشرقي للخليج العربي، في المنطقة التي تُعرف باسم "بر فارس" (تقع جنوب إيران اليوم)، وكان الأساس في اختيار المناطق التي فرّوا إليها هو كونها مناطق ظلّت في مأمن ومنأى من بطش الغزاة المغول.

وكانت المجموعة التي وصلت إلى "بر فارس" بقيادة رجل من بني العباس اسمه الشريف إسماعيل بن هارون العباسي، وبعد وصولهم استقرّوا في بلدة خُنج. وإثر وصولهم لقوا ترحيباً وحفاوة استقبال بالغة من قبل أهلها، وكانت تسكن تلك المناطق قبائل عربية، وقد تعاملت مع بني العباس باعتبارهم أصحاب مكانة وشأن دينيّ بالمقام الأوّل، بسبب كونهم منتسبين لآل بيت النبي، عليه الصلاة والسلام، وهو ما كان يمنحهم تقديراً خاصاً وقيمةً دينية ودنيوية كبيرة.

    باللون البرتقالي تظهر حدود منطقة "بر فارس" (محافظة هرمزكان اليوم) حيث استقرّ العباسيون

العباسيون في خُنج... أهل علم وفقه

برز العباسيون بين السكان في خُنج وعموم القبائل القاطنة في منطقة "بر فارس"، وسرعان ما صارت لهم مكانة دينية عظيمة، وعُرفوا بالعلم والفقه، وخرج منهم العديد من العلماء والفقهاء. وكانوا أهل علم وفتوى، وإليهم يتقاضى الناس ويحلّون منازعاتهم، وكانت لهم حلقات ومجالس علمية. وقد خرج منهم الكثير لطلب العلم إلى مدن شيراز، والمدينة المنورة، ومكة المكرّمة، والقاهرة، ومن ثم عادوا إلى خُنج، يدرسون ويفقهّون أهلها. وقد أصبحت خُنج بفضلهم مقصداً لطلبة العلم والزهاد، حتى صارت تُعرف باسم "خُنج الأولياء".

ومن أشهر من برز منهم في العلم والزهد والتقوى الشيخ عبد السلام الخُنجي العباسي، وهو حفيد الشريف إسماعيل بن هارون العباسي، درس على أيدي مشايخ خُنج ثم ارتحل لطلب العلم، فذهب إلى مكة المكرّمة،  والمدينة المنوّرة، والقاهرة، ثمّ رحل إلى بغداد وهناك تصوّف على الطريقة القادريّة. وعندما عاد إلى خُنج سعى في نشر العلم والتصوّف بين أهلها، وصارت له شهرة واسعة، وقد زاره الرحّالة المغربي الشهير ابن بطوطة في زاويته، وذكر خبره وحاله في رحلته الشهيرة، "تحفة النُظّار"، وتوفي الشيخ عبد السلام عام 1345م.

اقرأ أيضاً: صفحات مهمشة في تاريخ الدولة العباسية: هل ظلم المؤرخون الشطار والعيارين؟

المبايعة... وقيام الإمارة

خلال فترة القرن الـ16، وبعد بروز وتوسّع مناطق حكم الدولة الصفوية، كانت المناطق الواقعة اليوم في جنوب شرقي إيران، على الساحل الشرقي للخليج العربي، تحت حكم سلطنة عربية، عرفت باسم "سلطنة هرمز"، وكانت عاصمتها في جزيرة هرمز. وفي بداية القرن الـ17، وتحديداً عام 1621م سقطت سلطنة هرمز على يد الصفويين، ما دفع القبائل العربية المتواجدة في المنطقة إلى التكتل والتحالف في مواجهة الصفويين.

وفي عام 1673م، ومع ضعف قوّة الدولة الصفوية، اتحد أبناء القبائل العربية الذين انتشروا في الجبال وموانئ الخليج العربي، وبايعوا الأميرين: الشيخ محمد سعيد، والشيخ محمد، نجلي الشيخ عبد القادر العباسي. وقد وافق الشيخان الشقيقان على قيادة الناس، وبذلك أسّسا الإمارة العباسية في منطقة "بر فارس"، وقد قسّما إدارة الإمارة بينهما، فكان الشيخ محمد سعيد يحكم منطقة "لار"، وتولى الشيخ محمد الحكم في منطقة "الجهانجيرية"، ومن ثم انتقل العباسيون باتجاه المناطق الداخلية إلى مدينة بستك، وعمّروا فيها المدارس والمساجد واتخذوها عاصمةً لإمارتهم. 

جانب من آثار الجامع التاريخي في مدينة خُنج...المدينة التي استقرّ بها بنو العباس

وخلال المرحلة الأولى من عمر الإمارة الوليدة، ظلّت تابعة شكلياً واسمياً لسلطة الدولة الصفوية، التي كانت آنذاك آخذة في الضعف والتراجع. 

الاستقلال... والتوسّع

في عام 1702م تعرّضت بستك، عاصمة الإمارة العباسية، لهجوم من قبل "اللور" حلفاء الصفويين، ما دفع القبائل العربية إلى التحالف والالتفاف خلف قيادة العباسيين، وتمكّنوا بذلك من استعادتها بعد أعوام قليلة، وفي عام 1722م سقطت الدولة الصفوية تحت سلطة الدولة الهوتاكية الأفغانية، وتمكّن الأفغان من  الاستيلاء على مناطق واسعة من بلاد فارس، قبل أن يظهر نادر شاه أفشار ويتصدّى لهم، ويؤسّس الدولة الإيرانية من جديد تحت حكم السلالة الأفشارية التركمانية. 

انتهز العباسيون تلك الظروف المضطربة وأعلنوا استقلال إمارتهم بشكل كامل، واتجهوا للتوسّع بحدودها نحو الجنوب، فخاضوا مواجهة عام 1725م مع حاكم "لار"، التي كانوا قد خسروها، وانتزعوها منه، ومن ثمّ اتجه جيش العباسيين نحو التوسّع في المناطق الجنوبية باتجاه الساحل، وفتحوا مدينة خُنج وضمّوها لإمارتهم، واستقبلهم أهلها بحفاوة بالغة.

خلال المرحلة الأولى من عمر الإمارة العباسية، ظلّت تابعة شكلياً واسمياً لسلطة الدولة الصفوية

الوصول إلى ساحل الخليج العربي... ونَيْل رتبة "الخانيّة"

في عام 1748م، وبغرض الرباط وتعزيز الحكم في الإمارة وتوسعة حدودها، غادر الأمير الشيخ محمد العباسي، أمير بستك وحاكمها، إلى قلعة "ديده بان"، وترك بستك في يد ابنه الأكبر الشيخ محمد صادق وابن عمه آغا حسن خان، وبقي الشيخ محمد خان يحكم الإمارة من القلعة لمدة تقارب 24 عاماً. 

وفي العام 1753م استولى "القواسم" القادمون من الضفة الأخرى للخليج، على جزيرة (قشم) (المجاورة للساحل الشرقي للخليج العربي)، وقد استطاع الأمير الشيخ محمد العباسي إخراج "القواسم" من الجزيرة، ومن ثمّ قام بضمّها إلى إمارته، وتمكّن بذلك من توسيع حدود حكمه، لتشمل بستك، وجهانجيرية، ولار، وصولاً حتى ميناء بندر عباس، على الساحل.

وبعدما قويت شوكة الإمارة واتسعت رقعتها، وباتت بذلك تسيطر على معظم أجزاء منطقة "بر فارس" (لتعيد بذلك سيرة سلطنة هرمز العربية التي كانت قد سقطت قبل ذلك بنحو قرن ونصف)، تحالف الأمير الشيخ محمد العباسي مع كريم خان زند، حاكم الدولة الزندية (التي كانت في حينه تسيطر على معظم أجزاء إيران) عام 1755م، وجاء هذا الاتحاد في مواجهة اعتداءات نصير خان، حاكم لار، الذي كان قد تمكّن من استعادة السيطرة على منطقة لار، قبل أن يتمكّن العباسيون من السيطرة عليها مُجدداً.

أحد القصور العباسية في بستك عاصمة الإمارة

إثر هذا التحالف، وفي عام 1796م، اعترف كريم خان زند بحكم العباسيين في بستك ومنطقة لار، وموانئ الخليج في القسم الجنوبي الشرقي من ساحل الخليج العربي، والجزر الواقعة في الخليج العربي، بما فيها جزيرة "قشم". وكان الشيخ الأمير محمد العباسي البستكي أوّل حاكم عباسي يحمل لقب "خان"، بعدما منحه إياه كريم خان زند، وبات يُطلق على إمارة بستك "خانيّة بستك". وقد بقي الأمير الشيخ محمد العباسي في قلعة "ديده بان" حتى ضبط الحكم والأمن في إمارته، ومن ثمّ ترك القلعة وعاد إلى مدينة بستك، وسكن فيها إلى أن توفي.

اقرأ أيضاً: أتاتورك... كيف أصبح أباً للأتراك؟

ازدهار اقتصادي

مع امتداد مناطق نفوذ إمارة بستك إلى السواحل والموانئ على الخليج العربي بات اقتصادها يعتمد أكثر وأكثر على التجارة البحرية الدولية، وبالأخص التجارة مع الهند وباكستان باتجاه الجنوب، ومع العراق باتجاه الشمال، وبات أحد موانئها "بندر عباس" محطّة مهمّة على طريق السفن التجارية، وقد أسّس البساتكة علاقات تجارية متميّزة مع الإنجليز، منذ أصبحت سلطنة عُمان تحت النفوذ البريطاني عام 1820م.

وبالإضافة إلى حركة الشحن والتجارة البحرية، اعتمد اقتصاد الإمارة على زراعة النخيل والفاكهة، والخضراوات، والإنتاج الحيواني.

كان الشيخ الأمير محمد العباسي البستكي أوّل حاكم عباسي يحمل لقب "خان"، بعدما منحه إيّاه كريم خان زند، حاكم الدولة الزندية

النهاية

في عام 1925م سقطت المملكة الإيرانية القاجارية على يد رئيس وزراء أحمد شاه القاجاري، رضا شاه البهلوي، بعدما انقلب عليه، مؤسّساً حكم السلالة البهلوية في إيران، وضمن تفاهمات مع بريطانيا قام رضا شاه بضمّ إمارة بني كعب في الأحواز إلى دولته، وذلك في عام 1925م، ومن ثمّ، وفي العام نفسه قام أيضاً بضمّ خانيّة بستك. 

جانب من أطلال منزل الشيخ محمد أعظم خان بن محمد رضا خان العباسي في مدينة "بندر لنجة"

تمّ إطلاق تسمية شهرستان بندرعبّاس (مقاطعة بندر عباس) على خانيّة بستك، وأصبحت مجرّد مقاطعة إدارية ضمن الدولة الإيرانية، وتقلص حكم الأسرة العباسية في بستك إلى مجرّد دور إداري، وقد اعترفت بهم طهران حكاماً إداريين على المقاطعة.

وكان الشريف محمد أعظم خان البستكي العباسي آخر محافظ عباسي يحكم مقاطعة بندر عباس، وقد شغل المنصب في الفترة (1944 - 1967م)، واستمرّت سلطته تضعف بسبب تقوية الحكومة الإيرانية لصلاحيتها المركزية وتطبيقها سياسة التخلص من شيوخ القبائل العربية. 

محمد أعظم خان العباسي في شبابه

في عام 1966م تقاعد محمد أعظم خان البستكي العباسي من عمله محافظاً، وتوفي عام 1967م، وهو العام الذي اعتبر نهاية عهد العباسيين في بستك، بعد نحو 3 قرون من حكمهم المتواصل للمنطقة.

بعد سقوط إمارة بني العباس، انتشر العباسيّون في دول الخليج العربية، من البحرين، إلى الإمارات، وقطر، والسعودية، والكويت، وعُرفوا بعدّة ألقاب كآل العبّاسي، وآل الشيخ، والعبد الواحد، والخان، وقد برز الكثير منهم في شؤون التجارة والأدب والعلم والدين.

الصفحة الرئيسية