إفطار الإخوان في إسطنبول فجّر مواجع الإخوان في الداخل

إفطار الإخوان في إسطنبول فجّر مواجع الإخوان في الداخل

إفطار الإخوان في إسطنبول فجّر مواجع الإخوان في الداخل


08/03/2026

"شاهت وجوه الفسدة الخونة، لا تقبّل الله منكم، ولا نامت أعين الجبناء! حفل إفطار جماعة فضيلة الخسيس العام الأستاذ الدكتور".

هكذا كتب "أحمد مالك" أحد عناصر الإخوان على حسابه في (فيسبوك)، مُعلِّقًا على إفطار الإخوان، جبهة محمود حسين بإسطنبول، لم يكن تعليقًا فرديًّا ولا مُعبِّرًا عن نفسه، بل كان مُعبِّرًا عن حالة سخطٍ عامٍّ بين صفوف جماعة الإخوان؛ فقد توالت التعليقات المختلفة التي تتهم الإخوان في إسطنبول بالقذارة، وربما بألفاظٍ لا يمكن نقلُها لشدةِ بذاءتِها، مثل تعليق حساب باسم علي علي "بأنّهم أقذرُ من أنجبت الجماعة"، وآخر بقوله: "هذا الخسيسُ اللصُّ وأتباعُه الفسدة"، وآخرُ يصفُ حفلَ الإفطار بأنّه للهاربين الخونة الجبناء الذين فسدت ضمائرهم واختلَّت مبادئهم، وآخرُ كتب: "قبّحَ اللهُ وجوهَ المستكبرين". 

غضب عناصر الجماعة تعبير عن غدر وخيانة القيادة 

ليست القصةُ إفطارًا رمضانيًا اعتادت الجماعة تنظيمَه، فقد اعتادوا تنظيمَ مثله في إسطنبول بعد رحلة التيه التي فرضوها على أنفسهم، إنّما القصةُ تكمن في الغدر الذي يشعر به شبابُ الجماعة، وتكمن في الخيانة التي تعاني منها أُسَرُ وأبناءُ الإخوان، وتكمن في الرفض القاطع من قواعد الجماعة لممارسات القيادة، سواء جبهة محمود حسين أو صلاح عبد الحق.

إنَّ انفجار موجة الغضب العارمة بين المنتمين إلى الجماعة أنفسهم جاء نتيجةً حتميةً للإيمان بالشعارات الجوفاء والوعود الخائبة بالانتصار والعودة إلى الحكم، وأنَّ السيسي مات وهرب ويرتعد خوفًا من الجماعة، وأنّ على الجماعة أن تصبر ساعةً واحدةً حتى يأتي موعدُ الله لهم بالنصر المبين.

سنواتٌ من الكذب والخداع لعناصرهم قبل غيرهم، سنواتٌ ضاعت فيها أعمارُ العديد من الشباب ومستقبلهم، سنواتٌ مضت، ومن المتوقع أضعافُها في المستقبل القريب أو البعيد، ولا بارقةَ أملٍ في حلّ أزمة عائلات الإخوان، ولا محاولةَ لأن يعود شبابهم إلى بيوتهم، وتنتهي المغامرة والمقامرة الإخوانية.

شباب الجماعة الغاضب أدرك أنّهم لم يكونوا سوى وقودٍ لمعركة ليست معركتهم، وأنّهم أول ضحايا قيادات الإخوان وليس السلطات المصرية، فالجناة الحقيقيون هم القيادة التي لم تهتم بهم، ولا بأسرهم، ولا بحياتهم، ولا بمستقبلهم، وظلوا يراهنون ويلعبون القمار بشباب الجماعة وشيوخها ونسائها، ولمّا خسروا، هربت القيادات وتركتهم يعانون ويتجرعون مرارة هزيمة القيادة، أمّا القادة فهم منعمون مترفون يرتدون أفضل الثياب ويقيمون المناسبات الدينية ويطلقون فيها الشعارات الإسلامية التي لا تحمل أيّ مضمون.

هكذا أدرك الشباب الواقع، وأنّه لم يعد لهم أيّ أمل في الحياة سوى أن يخرجوا من ظلمات السجون التي زجّت القيادة بهم فيها، ليعيشوا ما تبقى لهم من حياة آمنة، يربّون أبناءهم، أو من لم يتزوج يبحث عن شريكة لحياته يكمل معها مشوار عمره، لا عضوةً في التنظيم تخطط معه لتفجير محولات الكهرباء، أو تشاهد معه قنوات الإخوان التي تبث سمومها في عقولهم ووجدانهم ليل نهار.

أيّ طاعة تلك بعد أن اكتشفوا أنّ القيادة التي بايعوها على المنشط والمكره، وفي اليسر والعسر، ها هي تنفق ببذخٍ على من يؤيدها، وتُقَتِّر على من يخالفها ويعترض على أيٍّ من قراراتها، أيّ ثقة تلك التي يمنحونها لقادة يتهم بعضُهم بعضًا بالعمل لصالح مخابرات دول أجنبية والتعامل مع منظمات مشبوهة، نعم، هذه هي القصة الحقيقية لانفجار غضب شباب الجماعة.

أدرك شباب الإخوان أنّ سنوات أعمارهم التي قضوها أو التي ما زالوا يقضونها في السجن أو في التيه ببلاد الغربة لم تكن سوى نتيجة مقامرة لقيادة حولت المناسبة التي يفترض أن تكون رمزيةً دينيةً واجتماعيةً إلى استعراضٍ فجٍّ للنفوذ والمال، في وقتٍ يعيش فيه كثيرٌ من أسر الإخوان في الداخل أوضاعًا مأساوية. إنّ الإخوان في الداخل قد ضجوا وكفروا بتوجيهات الهاربين في الخارج، وعلى رأسهم محمود حسين وصلاح عبد الحق، فكم هي الفرص التي أتيحت لهم لتجنب الخراب والدمار لمصر ولعناصرهم، ثم أهدروها دون أن يرمش لهم جفن، وكم هي الملايين التي استحوذت القيادة عليها بزعم الإنفاق على أنشطة الجماعة صارت مرتعًا خصبًا للفارّين في أوروبا!

لم يعد الغضب الذي يتصاعد داخل صفوف جماعة الإخوان مجرد خلاف تنظيمي عابر، بل أصبح صرخة مدوية تكشف الوجه الحقيقي لقيادات تعيش في الخارج حياة الرفاه، بينما تواصل المتاجرة بآلام الآلاف من أتباعها في الداخل.

غضب قواعد الجماعة يطيح بالجميع

لم يأتِ الغضب هذه المرة من خصوم الجماعة، بل من داخلها، فقد امتلأت منصات التواصل بتعليقات غاضبة من حسابات إخوانية تصف القيادات بالفساد والخيانة. ووصف آخرون قيادات الجماعة بأنّهم "لصوص" و"فاسدون" يعيشون على معاناة الآخرين، المفارقة أنّ هذه الأصوات قبل عشر سنوات كانت تقدّم أرواحها فداء للقيادة، فقد كانوا مصدقين ومؤمنين بشعارات الإخوان، لذا اندفعوا ينفذون خطط القادة، ففجّروا محولات الكهرباء وخطوط السكك الحديدية وأبراج الكهرباء، وخططوا لاغتيال شخصيات عامة، وغيرها من العمليات الإرهابية، واليوم وبعد أن تبينت لهم الحقيقة، وأنّ القيادة لم تشغل بالها للحظة بمستقبل هؤلاء الفتية ولا بأسرهم ولا بمستقبلهم ، أصبحوا قنابل موقوتة في وجه القيادة.

القيادات التي نصّبت نفسها وصيّة على التنظيم، تحولت في نظر أبناء الجماعة في الداخل إلى طبقة من المنتفعين الذين يديرون التنظيم باعتباره مشروعًا ماليًا وسياسيًا يدرّ عليهم النفوذ والمال، لا حركة دعوية أو مشروعًا فكريًا كما يزعمون، يتحدث الغاضبون عن مئات المؤسسات والقنوات والمنصات الإعلامية التي تُدار من الخارج، وعن مليارات تنفق على شبكات إعلامية ومنظمات حقوقية لم تحقق أيّ تأثير حقيقي، بقدر ما أصبحت وسيلة للحفاظ على نفوذ القيادات ومصالحها، وكأنّ مأساة المحبوسين وأسرهم تحولت إلى مادة للاستثمار السياسي لا قضية إنسانية.

إنّ حجم الفجوة بين حياة القيادات وحياة القواعد كبير جدًا، ففي الوقت الذي يتباهى فيه قادة الجماعة في الخارج بالموائد العامرة واللقاءات البروتوكولية والعلاقات السياسية، تعيش آلاف الأسر المرتبطة بالجماعة في الداخل على هامش الحياة، تعاني ضيق المعيشة، وتواجه مصيرها وحدها.

الانتقاد الأخطر الذي يتردد داخل الصف الإخواني هو أنّ قضية المعتقلين تحولت إلى رأسمال سياسي وإعلامي تستخدمه القيادات لجمع الأموال وكسب التعاطف الدولي، دون أن ينعكس ذلك على حياة الضحايا الحقيقيين.

إنّ ما كشفه الغضب من إفطار إسطنبول أكبر بكثير من مجرد جدل حول تنظيم فاعلية في الخارج، إنّه انهيار لصورة القيادة المعصومة المستحقة للبيعة والثقة الدائمة، فالجماعة التي لطالما قدّمت نفسها كتنظيم يقوم على التضحية والانضباط والسمع والطاعة، أصبحت اليوم ساحة مفتوحة للاتهامات بالفساد المالي وسوء الإدارة والتربح من معاناة الأتباع. ولم يعد السؤال داخل الصف الإخواني: لماذا يحاربنا خصومنا؟ بل أصبح: لماذا تخلت قياداتنا عنّا؟

قيادات في الخارج تستثمر في الخطاب السياسي والإعلامي، وقواعد في الداخل تدفع وحدها ثمن الصراع. موائد فاخرة في إسطنبول، وآلاف الأسر في الداخل تبحث عن لقمة العيش. ولعل أكثر ما يلخص هذا المشهد المؤلم أنّ الجماعة التي لطالما تحدثت عن "الأخوّة" و"التكافل" أصبحت اليوم تعيش أكبر فجوة أخلاقية في تاريخها بين قيادة مترفة وقواعد متروكة لمصيرها.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية