إعادة تدوير الإخوان في إسرائيل عبر مؤسسة مرسي للديمقراطية

إعادة تدوير الإخوان في إسرائيل عبر مؤسسة مرسي للديمقراطية

إعادة تدوير الإخوان في إسرائيل عبر مؤسسة مرسي للديمقراطية


03/08/2025

في المشهد الراهن، حيث تتكاثف محاولات جماعة الإخوان المسلمين لاستعادة نفوذها المفقود، تبرز مشاريع وواجهات إعلامية وسياسية تسعى إلى تقديم الجماعة بهيئة جديدة، تتخفف من الضغط الأمني، وتُراهن على تعاطف الجماهير. 

وفي قلب هذه المشاريع ظهرت مؤسسة تُسمّى "مؤسسة مرسي للديمقراطية"، التي تتّخذ من اسم الرئيس المعزول محمد مرسي، الذي توفي في محبسه عام 2019، عنوانًا عاطفيًا لما يمكن وصفه بـ "عملية تجميل سياسي" للجماعة، بعد أن لفظها الشارع المصري عقب ثورة 30 حزيران (يونيو) 2013، وتقلّصت أوراقها الإقليمية إلى حد التلاشي.

في زمن الانهيار الأخلاقي، تصبح الديمقراطية واجهة براقة لمشاريع إيديولوجية قديمة، تبيع الذاكرة وتشتري التحالفات من تل أبيب إلى إسطنبول.

لكن خلف واجهة المؤسسة، المفعمة بالشعارات البرّاقة، تتكشّف علاقات مريبة وتمويلات بمليارات الدولارات، وتحالفات تمتد من إسطنبول إلى تل أبيب، ومن أذرع التنظيم في أوروبا إلى الداخل الفلسطيني المحتل، مرورًا بوجوه إخوانية مثيرة للجدل، بعضها يرفع شعار الدفاع عن المسجد الأقصى، بينما يعقد تفاهمات مع سلطات الاحتلال خلف الستار.

الدعوة التي أثارت الأسئلة

قبل أسابيع قليلة وجّهت أسرة مرسي دعوة إلى شخصيتين هما رائد صلاح وكمال الخطيب، وهما من قادة ما يُعرف بـ "الحركة الإسلامية داخل الخط الأخضر" في الداخل الفلسطيني، للمشاركة في فعالية باسم المؤسسة. وما إن انتشرت الدعوة، حتى انفجرت موجة من التساؤلات حول الدوافع الحقيقية لهذه المشاركة: ما علاقة رموز الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني بمؤسسة معنية بالشأن المصري؟ ولماذا يُدعى شخصان تحوم حولهما شبهات بالتنسيق مع الاحتلال الإسرائيلي، في الوقت الذي يُفترض فيه أنّ المؤسسة ترفع شعار مقاومة الظلم والاستبداد؟

مؤسسة مرسي ليست صرحًا للديمقراطية، بل مرآة مقلوبة تعكس انفصال الخطاب الإخواني عن القضايا الحقيقية للعرب والمسلمين.

ورغم أنّ الحركة الإسلامية داخل الخط الأخضر لطالما رفعت راية الدفاع عن المسجد الأقصى، فإنّ الوقائع على الأرض تشير إلى واقع أكثر تعقيدًا؛ فحسب تقارير إعلامية وشهادات من الداخل، لا سيّما الجناح الجنوبي للحركة، ثمة تفاهمات واضحة مع سلطات الاحتلال، تضمن استمرار نشاط الحركة مقابل كبح جماح الخطاب التحريضي، والابتعاد عن التحريض المباشر أو الدعوة إلى العنف.

من تل أبيب إلى إسطنبول: خيوط التمويل والتوجيه

اللافت أنّ كمال الخطيب، أحد أبرز وجوه هذه الحركة، لم يتردد في دخول تحالفات انتخابية تحت غطاء مدني داخل الكنيست الإسرائيلي، بينما قلّص رائد صلاح من لهجته في الأعوام الأخيرة، في مقابل تسهيلات وتمويلات أوروبية تُمنح لحركته، ممّا يعزز الشكوك حول طبيعة الأدوار التي تلعبها هذه الشخصيات.

من يرفع شعار "تحرير القدس" لا ينبغي أن يصمت أمام جرائم الاحتلال، ولا أن يحوّل القاهرة إلى "العدو الأول".

المفاجأة جاءت من الإعلامي الإخواني المنشق حسام الغمري الذي كشف، في تصريحات لوسائل الإعلام، أنّ "الحركة الإسلامية داخل الخط الأخضر" تلقت تمويلًا يُقدّر بـ (2) مليار دولار خلال الأعوام الماضية، عبر قنوات تركية وأوروبية، مقابل تصعيد حملات إعلامية ضد النظام المصري، خصوصًا في ملف معبر رفح والعمليات في غزة.

تمويلات بملياري دولار لا تُدفع لنصرة فلسطين، بل لإشعال معركة إعلامية ضد مصر، وتجميل وجه تيار لفظه الشارع.

وبحسب الغمري، فإنّ الهدف من هذه التمويلات ليس "نصرة فلسطين"، بل توظيف الخطاب الديني في معركة سياسية تخوضها جماعة الإخوان ضد الدولة المصرية، عبر تصوير النظام المصري بوصفه "شريكًا في حصار غزة" أو "معرقلًا للمقاومة"، رغم الحقائق المتكررة عن فتح المعبر وإرسال المساعدات علنًا.

تتقاطع هذه الاتهامات مع ما كشفته تقارير عبرية حول استخدام قادة "الحركة الإسلامية" المنصات الإعلامية التابعة للإخوان في إسطنبول، وعلى رأسها قناة "مكملين"، لإثارة الرأي العام العربي والإسلامي ضد القاهرة، مع تجاهل شبه تام للانتهاكات والمجازر التي ترتكبها إسرائيل في غزة والضفة الغربية.

عندما تصمت "مؤسسة مقاومة" عن قتل الفلسطينيين، وتهاجم النظام المصري ليل نهار، تصبح المسألة قضية هوية لا ديمقراطية.

وهنا، تبرز مفارقة أخلاقية فادحة: من يدّعي الدفاع عن القدس لا يجد غضاضة في التحالف الإعلامي مع قوى تطبّع الخطاب وتُسهم في إذكاء نار الفتنة، لا بهدف التحرير، بل خدمة لأجندات حزبية ضيقة، في وقت ينزف فيه الفلسطينيون على أرض الواقع.

استدعاء الذاكرة: مرسي وتل أبيب

لفهم هذا المشهد المربك، لا بدّ من العودة إلى العام الذي تولى فيه محمد مرسي الحكم، حين شهدت السفارة المصرية في تل أبيب نشاطًا ملحوظًا في ترتيب اللقاءات والاتصالات، وسط تساؤلات مشروعة حول طبيعة العلاقات التي كانت تُبنى بصمت. فقد أشارت تسريبات إلى زيارات سرّية لوفود إخوانية إلى تل أبيب، تحت ذرائع "التهدئة" أو "دعم حماس"، بينما كانت تلك اللقاءات في حقيقتها ترجمة لتحالف غير مُعلن بين الجماعة والاحتلال الإسرائيلي.

"مؤسسة مرسي" اختارت عداء مصر بدلًا من مواجهة تل أبيب، فخسرت التعاطف وفقدت الصدقية، وباتت مشروعًا وظيفيًا بلا قضية.

الأخطر أنّ هذا التوجه الممتد من القاهرة إلى إسطنبول، لم يكن صدًى لحالة ثورية كما تدّعي الجماعة، بل كان انعكاسًا لتحوّل وظيفي في أدوارها، إذ تحوّلت من كيان يرفع شعارات المقاومة إلى وسيط ناعم في لعبة النفوذ الإقليمي، يتقن فن اللعب على الحبال بين أنقرة وتل أبيب.

مؤسسة مرسي لا تعرف فلسطين

عند تفحّص نشاط "مؤسسة مرسي للديمقراطية" في أوروبا، تتكشف ملاحظات صارخة: معظم فعالياتها تدور حول مهاجمة النظام المصري ومؤسسات الدولة، دون أيّ ذكر لجرائم الاحتلال الإسرائيلي أو دعم للقضية الفلسطينية. فلا حملات مقاطعة، ولا دعوات لمحاسبة مجرمي الحرب الإسرائيليين، ولا حتى انتقادات عابرة للجرائم في غزة أو القدس.

التحالف مع شخصيات داخل الخط الأخضر تحوم حولها شبهات تنسيق مع الاحتلال، يجعل من مشروع المؤسسة صفقة سياسية لا قضية مبدئية.

وفي المقابل، لوحظ أنّ بعض أنشطة المؤسسة تمّت برعاية منظمات يهودية، وهو ما أثار ردود فعل غاضبة داخل الأوساط العربية والإسلامية في أوروبا، فقد رأى بعض الناشطين أنّ ما يجري هو تمريرٌ لصيغة "التطبيع الناعم"، عبر عبارات منمقة عن "السلام" و"التعايش"، بينما تتوالى مشاهد القصف والدم في الأرض المحتلة.

أسئلة حارقة... وإجابات غائبة

هل تحوّلت مؤسسة مرسي إلى واجهة سياسية بديلة للإخوان؟ وما طبيعة ارتباطها بتيارات إسلامية تخوض انتخابات الكنيست؟ ولماذا تبدو معركتها الإعلامية موجهة ضد مصر وحدها؟ وأين يقف خطابها من جرائم الاحتلال؟

إنّ الإجابات ليست فقط في طبيعة الأنشطة والتمويلات، بل في صمتها المدوي إزاء القضايا المركزية للعالم الإسلامي. فحين تغيب القدس عن خطب الجمعة، وتحضر القاهرة كـ "عدو"، ندرك أنّ أولويات المشروع تغيّرت، وأنّ الشعارات القديمة قد تم غسلها جيدًا في مختبرات النفوذ الدولي.

الازدواجية الأخلاقية تتجلى حين يصير العدو من يفتح معبر رفح، والصديق من يقصف غزة، ما دامت البوصلة تخدم مشروع الجماعة.

وتكشف قصة "مؤسسة مرسي للديمقراطية" أنّ معركة الإخوان لم تعد معركة وطن أو قضية، بل معركة بقاء سياسي بأيّ ثمن، ولو تحققت عبر تحالفات هجينة، وتفاهمات رمادية، وخطابات دينية مصقولة لخدمة مشروع مضاد لمصالح الشعوب.

وفي زمنٍ تتسارع فيه التحولات، وتُعاد فيه صياغة خرائط الولاء والخطاب، تبقى يقظة الوعي العربي ضرورة لا غنى عنها لفهم من يتحدث باسم القيم، وهو يوقّع صفقات تحت الطاولة، ومن يرفع راية المقاومة، بينما يوقّع على ورقة الصمت مع الجلاد.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية