إدراك متأخر لتهديد الإخوان المسلمين العابر للقارات... تقرير يوضح

إدراك متأخر لتهديد الإخوان المسلمين العابر للقارات... تقرير يوضح

إدراك متأخر لتهديد الإخوان المسلمين العابر للقارات... تقرير يوضح


07/08/2025

 

تتغير ملامح المشهد السياسي والأمني إزاء جماعة الإخوان المسلمين. فبعد عقود من التعامل الملتبس مع هذا التنظيم، الذي يتقن ارتداء أقنعة "الاعتدال" حينما تقتضي الظروف، بدأت مراكز القرار في أوروبا والولايات المتحدة في إعادة تقييم موقع الجماعة ودورها. فلم يعد مقبولًا، بالنسبة إلى عدد متزايد من الساسة والأجهزة الاستخباراتية، الاستمرار في الفصل بين ممارساتها في الشرق الأوسط وأفريقيا من جهة، وأنشطتها في الغرب من جهة أخرى، بعد أن تبيّن أنّ جوهر مشروعها ثابت، مهما تغيّرت أساليب الخطاب والتنظيم.

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات استعرض تقريرًا لــ موقع "EU Reporter" نُشر في 30 تمّوز (يوليو) الماضي، جاء ليضع النقاط على الحروف: الإخوان يشكّلون تهديدًا متناميًا في العواصم الأوروبية والأمريكية، تمامًا كما يشكّلون تهديدًا في القاهرة أو طرابلس أو الخرطوم. لم تعد الحكاية قصة "اختلاف ثقافات" أو "خصوصيات محلية"، بل هو مشروع إيديولوجي مهيكل، يتسلل إلى البنى الاجتماعية والسياسية حيثما وُجد، ويعمل على إعادة صياغتها بما يخدم مرجعيته وتفسيره المتشدد للشريعة.

تغلغل منظم في المؤسسات الفرنسية

الملف الفرنسي يقدّم نموذجًا صارخًا لهذا النمط من العمل. الحكومة في باريس أمضت عام 2025 وهي تضع استراتيجيات للرد على ما تصفه بـ "أسلوب الدخول الناعم" الذي تتبعه الجماعة. تقرير حكومي حديث كشف بالأرقام حجم هذا النفوذ: (139) دار عبادة تحت سيطرة مباشرة، و(68) أخرى تدور في فلك الجماعة، إلى جانب (280) جمعية رياضية وتعليمية وخيرية، و(21) مدرسة. الهدف، كما جاء في التقرير، هو بناء أنظمة محلية موازية تحكم حياة المسلمين، وتربطهم بهيكل تنظيمي وإيديولوجي محدد.

هذا التغلغل، وفق التقرير، لا يقتصر على العمل الاجتماعي أو الدعوي، بل يمتد إلى "التسلل" داخل المدارس ومؤسسات الحكم المحلي، لخلق بيئة تتوافق مع التصورات المتشددة. وزير الداخلية برونو ريتيللو كان صريحًا: الهدف النهائي هو دفع المجتمع الفرنسي برمته نحو تبنّي الشريعة وفق تفسير الإخوان، وهو أمر يتعارض مع مبادئ الجمهورية والتماسك الوطني.

واشنطن تتحرك نحو التصنيف الإرهابي

على الجانب الآخر من الأطلسي، يتجه المشرّع الأمريكي إلى خطوة أكثر جذرية. مشروع قانون "تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية لعام 2025"، بقيادة السيناتور الجمهوري تيد كروز، ونائبي فلوريدا ماريو دياز بالارت وجاريد موسكوفيتز، يهدف إلى منح السلطات الفيدرالية صلاحيات أوسع لفرض عقوبات على الجماعة وامتداداتها في العالم.

يحظى المشروع بدعم من الحزبين، مع توقعات بأنّه إذا تعثر في الكونغرس، فقد يتدخل الرئيس دونالد ترامب عبر أمر تنفيذي. لورينزو فيدينو، مدير برنامج التطرف في جامعة جورج واشنطن، دعا إلى استخدام الأدوات القانونية الحالية لملاحقة الشبكات المحلية المرتبطة بالإخوان، مشددًا على أنّ مواجهة هذه البنية التنظيمية لا تقلّ أهمية عن مواجهة الجماعات المسلحة المباشرة.

شبكة سرّية عابرة للقارة الأوروبية

أجهزة الأمن الأوروبية تتحدث عن شبكة "سرّية واسعة ومتطورة" تديرها الجماعة، على المستويين الوطني وعبر أوروبا، من خلال ما يُعرف بالاتحاد الأوروبي للمنظمات الإسلامية (FIOE/CEM) وفروعه مثل منظمة الشباب FEMYSO. وتكشف المعلومات الاستخباراتية عن "منظمات واجهة" تتيح للإخوان العمل داخل المجتمعات، وترويج أجندتهم دون انكشاف مباشر.

ورغم أنّ الجماعة لم تُتهم بتنفيذ عمليات إرهابية في أوروبا، فإنّ تقارير الاستخبارات تصف أهدافها بأنّها "إشكالية، تخريبية، وغير متوافقة مع حقوق الإنسان والنظام الديمقراطي". السؤال الذي بدأ يطرح نفسه بقوة في العواصم الغربية: هل يمكن لمنظمة تُصنَّف إرهابية في بعض الدول العربية، وتتبنّى خطابًا متشددًا في مناطق النزاع، أن تتحول فجأة إلى حركة مدنية سلمية في الغرب؟

تحذيرات مبكرة… لم تؤخذ على محمل الجد

منذ 2014 بدأت بعض البرلمانات الأوروبية وأجهزة الاستخبارات في التحذير من "الإسلام السياسي" بوصفه تهديدًا ناعمًا لا يقلّ خطورة عن السلفية الجهادية. لورديس فيدال، رئيسة وحدة دراسات الشرق الأوسط في المعهد الأوروبي للبحر الأبيض المتوسط، أوضحت أنّ خطورة الإخوان في أوروبا لا تكمن في ممارستهم للعنف المباشر، بل في خلق بيئة فكرية ودينية تتبنّى الأفكار التي تبرر العنف وتغذيه.

هذه البيئة، بحسب فيدال، هي "الحاضنة" التي تجعل من السهل على تيارات أكثر تطرفًا أن تجد قاعدة جاهزة للتجنيد والتعبئة. وما يزيد من تعقيد الموقف هو أنّ الجماعة تحصل على دعم مادي مباشر أو غير مباشر من حكومات ومؤسسات أوروبية، في إطار ما يبدو أنّه توظيف سياسي لها كورقة ضغط أو قناة خلفية لجمع المعلومات عن الشرق الأوسط.

بين الحظر والتنظيم الصارم

المسار الحالي يشير إلى تحوّل تدريجي في الغرب من المراقبة الحذرة إلى التحرك القانوني والتنظيمي. فرنسا تميل إلى تشديد الرقابة على المؤسسات المرتبطة بالجماعة، والولايات المتحدة تقترب من خطوة تصنيفها ككيان إرهابي، وهي خطوة إذا تمّت، فستجعل التعامل مع الجماعة في الأراضي الأمريكية محفوفًا بعقوبات صارمة.

لكنّ هذا التحول يحمل تحديات؛ فأيّ مقاربة متسرعة قد تفتح الباب أمام استهداف جماعي للمسلمين، وهو ما قد تستغله الجماعة لتصوير نفسها كضحية، وبالتالي تجنيد المزيد من الأتباع. هنا تبرز الحاجة إلى سياسات ذكية تفرّق بين المواطن المسلم المندمج في مجتمعه، والمشروع الإيديولوجي العابر للحدود الذي تمثله الجماعة.

إدراك متأخر… لكنّه حاسم

الغرب، الذي تعامل طويلًا مع الإخوان كقوة "إسلامية معتدلة" يمكن توظيفها، بدأ يدرك أنّ هذه البراغماتية السياسية سمحت للجماعة ببناء قواعد نفوذ متينة، من باريس إلى برلين، ومن واشنطن إلى أوتاوا. هذه القواعد لا تتحرك بعشوائية، بل ضمن خطة متكاملة تستفيد من قوانين الحريات والتعددية، وتعيد توظيفها لصالح مشروعها الخاص.

التقارير الاستخباراتية والسياسية الأخيرة، سواء في فرنسا أو في الولايات المتحدة، تمثل مؤشرًا على لحظة مفصلية: الانتقال من سياسة "التجاهل المريح" إلى الاعتراف بأنّ الجماعة ليست مجرد فاعل اجتماعي أو ديني، بل حركة سياسية إيديولوجية، تضع نصب عينيها إعادة تشكيل المجتمعات وفق نموذجها.

وإذا كان هذا الإدراك قد تأخر، فإنّ أهميته تكمن في أنّه يفتح الباب أمام مراجعة جذرية لسياسات استضافة ودعم المنظمات المرتبطة بالإخوان. فالتحدي لم يعد نظريًا أو مؤجلًا، بل بات مسألة أمن قومي، يتقاطع فيها الاجتماعي بالسياسي، والثقافي بالأمني.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية