
في خطوة غير مسبوقة أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الإثنين الفائت عن حزمة إجراءات صارمة تستهدف تقييد نشاط تنظيم "الإخوان المسلمين" في فرنسا، في إطار مرحلة جديدة من المواجهة مع الجماعة التي باتت تُوصف بـ "التهديد البطيء" لقيم الجمهورية الفرنسية. وتأتي هذه الإجراءات بعد اجتماع لمجلس الأمن القومي لبحث سبل الحد من اختراق التنظيم للمؤسسات الفرنسية، لا سيّما الحكومية، وسط مخاوف متصاعدة من اتساع نفوذه في المجتمع.
بدايات الإخوان في فرنسا
في العام 1983 أسّس الإخوان فرعهم الرسمي تحت اسم "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا" (UOIF). وبعد أعوام شهدت البلاد ما عُرف بـ "أزمة الحجاب" التي استغلها التنظيم لتعزيز شرعيته كمدافع عن حقوق المسلمين، لا سيّما حرية المرأة المسلمة في اختيار زيها. هذه الأزمة فتحت الباب أمام الجماعة لتوسيع قاعدتها الشعبية تحت مظلة الدفاع عن الحريات الدينية. وفي عام 2003 شاركت قيادات إخوانية في تأسيس "المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية" الذي استُخدم كغطاء قانوني لتحركات التنظيم.
أعلن الرئيس ماكرون حزمة إجراءات جديدة تستهدف تقييد نشاط الإخوان بفرنسا، معتبرًا الجماعة تهديدًا بطيئًا لقيم الجمهورية الفرنسية.
لكنّ العام 2015 شكّل نقطة تحول مفصلية، فقد دفعت هجمات باريس الدامية الحكومة الفرنسية إلى إعادة تقييم سياساتها تجاه الجماعات الإسلامية، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين. هذه الهجمات، التي هزت التماسك الاجتماعي، كشفت عن ثغرات في التعامل مع التيارات المتشددة، ممّا زاد من ضغوط اليمين المتطرف على الحزب الحاكم لتبنّي سياسات أكثر صرامة. واتُهم ماكرون، في الأعوام الأخيرة، بالتساهل في مواجهة التنظيم، ممّا أسهم في اتساع نفوذه.
من الخطاب إلى الإجراءات
في عام 2020 ألقى ماكرون خطاباً شهيراً حذّر فيه من "الانفصالية الإسلاموية"، معلناً بداية مواجهة مباشرة مع الإخوان. وفي 2022 أنهت السلطات الفرنسية الاعتراف الرسمي بالمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، وطردت قيادات إخوانية بارزة من البلاد. وفي أيّار (مايو) 2025 أُعلن عن فتح تحقيق شامل حول نفوذ الجماعة، بقيادة الدبلوماسي المتقاعد باسكال غوييت والمحافظ باسكال كورتاد، بهدف رسم خريطة تنظيمية للإخوان وتحديد مصادر تمويلهم.
استغل الإخوان أزمة الحجاب في الثمانينيات لتعزيز شرعيتهم، ووسّعوا نفوذهم تحت شعار الدفاع عن الحريات الدينية.
وكشف ماكرون عن خطة جديدة تتضمن تجميد أموال الجمعيات المرتبطة بالإخوان، وتوسيع العقوبات الإدارية، وتعزيز الرقابة على التمويل الخارجي. ومن المقرر أن يتم إعداد مشروع قانون قبل خريف 2025 لحظر نشاطات الجماعة بشكل كامل وتجفيف منابع تمويلها. وتشمل الإجراءات أيضاً توسيع عملية "التصفية الإدارية" لصناديق الأوقاف والمؤسسات التابعة للجماعة، مع تعيين مسؤول خاص للإشراف على تنفيذ هذه القرارات.
شبكة النفوذ جمعيات ومؤسسات تعليمية
تُشير تقارير استخباراتية، نقلتها صحيفة (لو فيغارو)، إلى أنّ الإخوان يسيطرون كليّاً أو جزئياً على حوالي (280) جمعية في فرنسا، تنشط في مجالات التعليم، والأعمال الخيرية، والنشاطات المهنية والشبابية. ومن بين هذه المؤسسات، ثانوية "ابن رشد" في ليل، وثانوية "الكندي" قرب ليون، وقد فُسخت عقودهما مع الدولة بسبب مخاوف من ترويجهما لأفكار متطرفة. ويُشار إلى "المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية"، الذي يُعتبر مركزاً رئيسياً لتكوين الأئمة والدعاة، الذي بات مهدداً بالحلّ بسبب اتهامات بالترويج لأفكار تتعارض مع القيم الجمهورية.
شكّلت هجمات باريس 2015 نقطة تحوّل في سياسات فرنسا تجاه الإخوان، بعد اتهام الحكومة بالتساهل إزاء تمدد نفوذهم.
وتُشير التقارير إلى أنّ الجماعة تدير حوالي (20) صندوقاً لجمع التبرعات، تُستخدم لتمويل بناء أماكن عبادة ومدارس قرآنية، غالباً تحت غطاء جمعيات غير ربحية مثل "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا" و"جمعية مسلمي فرنسا". وبحسب تقرير الداخلية الفرنسية، فإنّ الجماعة تمتلك شبكة من (139) مسجداً، و(68) موقعاً آخر يُعتبر "مقرّباً" منها، تمثل 10% من دور العبادة المُشيدة.
الهيكل التنظيمي ومصادر التمويل
يكشف التقرير الاستخباراتي عن هيكلية هرمية محاطة بالسرّية تضم نواة صلبة من حوالي (400) شخص، لا يتجاوز عددهم الـ (1000) في أقصى الحالات. وتعتمد الجماعة على استراتيجية "الاختراق الناعم"، من خلال إنشاء مؤسسات تعليمية وثقافية تُروج لإيديولوجياتها تحت ستار العمل الخيري أو التعليمي. ويُشير التقرير إلى أنّ التمويل الخارجي، خاصة من تركيا وبعض دول الخليج، يُشكّل مصدراً رئيسياً لهذه الأنشطة.
كما رصدت السلطات محاولات للتأثير على المجالس المحلية، واستغلال منصات التواصل الاجتماعي لنشر أفكار الجماعة عبر جيل جديد من الدعاة المرتبطين بالإخوان. ومن بين الأسماء التي ذُكرت، جواد بشارة، رئيس التجمع لمناهضة الإسلاموفوبيا، ومروان محمد، المدير السابق للتجمع ضد الإسلاموفوبيا في فرنسا.
ردود فعل وتحديات
أثارت هذه الإجراءات جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية. فقد انتقدت أوساط مسلمة في فرنسا التقرير الحكومي، معتبرةً إيّاه استمراراً لسياسات معاداة المسلمين، مثل حظر الحجاب واستهداف الأئمة. في المقابل، يرى اليمين المتطرف، بقيادة جوردان بارديلا، أنّ هذه الإجراءات تأتي متأخرة، داعياً إلى حظر الجماعة بشكل كامل وإغلاق (139) مسجداً وطرد الأئمة الأجانب.
تشمل خطة ماكرون الجديدة تجميد أموال الجمعيات المرتبطة بالإخوان وتعزيز الرقابة على التمويل الخارجي ومنابع التبرعات.
ومع ذلك، يُشير تقرير نشره موقع (ميديا بارت) إلى أنّ نفوذ الإخوان في فرنسا أصبح محدوداً نسبياً، وهو آخذ في التراجع، ممّا يثير تساؤلات حول مدى قدرة الدولة الفرنسية على تقويض بنية الجماعة. وتؤكد الحكومة الفرنسية أنّ الإجراءات الجديدة تهدف إلى حماية التماسك الاجتماعي والحفاظ على قيم العلمانية والجمهورية.
مستقبل المواجهة
مع اقتراب الانتخابات البلدية في 2026، تتجه فرنسا نحو تصعيد مواجهتها مع الإخوان المسلمين عبر تشريعات جديدة وإجراءات رقابية مشددة. ويبقى السؤال المطروح: هل ستنجح هذه الإجراءات في الحدّ من نفوذ الجماعة، أم ستُفاقم التوترات داخل المجتمع الفرنسي؟ الإجابة ستتضح مع بدء تنفيذ هذه الخطة التي تُعدّ الأكثر طموحاً في تاريخ مواجهة فرنسا لخطورة الإسلام السياسي.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)