أيّهما أهم بالنسبة للجمهور: رصيد المبدع الفني أم موقفه السياسي؟

الفن والسياسة

أيّهما أهم بالنسبة للجمهور: رصيد المبدع الفني أم موقفه السياسي؟

مشاهدة

03/02/2020

حين رَحَلَ الممثل فاروق الفيشاوي، عام 2019، كانت ثمة لازمة لفظية تلحق بالنعي الذي يسوقه معظم جمهوره، كما لو كانت استدراكاً، مفادها "لولا أنّه وقف مع النظام السوري"، و"رحمه الله ولو أنّه كان مع النظام السوري".
المثال الآنف ليس الوحيد؛ إذ عانى فنّانون من كونهم يُحسبون على تيار سياسي بعينه، ولعلّ الفنانة العراقية، رباب، واحدة من هؤلاء، حين حُسِبت على النظام العراقي السابق، فتمّ لفظها من دول عربية عدة إبّان حرب الخليج.
كذلك هي الفنانة صباح، التي ساقت تعليقاً "عنصرياً" في عقد السبعينيات، حين كانت في فندق عمّاني، فثار النادل الفلسطيني عليها ملقياً بصينية القهوة، ليتطوّر الأمر حدّ تدخّل القضاء ومواكبة الإعلام لتبعات القضية المثارة ضدّ النادل الحانق.

السعدي: يموت الإبداع حين يتماهى المبدع مع الوضع القائم مهما كان؛ فالمبدع بطبيعته ناقد وصاحب رؤية وليس روبوتاً

كثر هم من دخلوا "معمعة" السياسة من الفنانين، ما أفضى لحالة من عدم الراحة لدى جمهورهم، وصلت في مرات لمراحل من تراجع الشعبية والجماهيرية، لتنبري أقلام صحفية إثر ذلك، لمهاجمتهم ونقدهم بشكل لاذع.
فنانون آخرون باتوا تحت مجهر الإعلام على الدوام؛ لاستطلاع آرائهم السياسية حيال نظام ما، ولعلّ أشهرهم الممثل عادل إمام، الذي لطالما أثار لغطاً حول آرائه السياسية ومواقفه، ورغم أنّه بعد المأزق الذي وقع به إبان ثورة يناير، التي هاجمها ومن ثم باركها عندما تغلّبت، حاول النأي بذاته عن التعليق، فإنّ الجمهور والإعلام، على السواء، كانا يصرّان على التنقيب عن موقفه واستطلاعه.
هل يُنتظر من الفنان ألا يحمل موقفاً سياسياً؛ لئلا تتأثر جماهيريته؟ ألا يتنافى هذا التوجّه مع ما تدعو إليه الجماهير دوماً من ضرورة ألا ينحصر دور الفنان في تقديم العمل الفني فحسب، بل إثراء ذهن المتلقي وتجربته إنسانياً وسياسياً وقيمياً؟ وعلى ذلك أجاب فنانون عبر "حفريات".

الممثل عادل إمام لطالما أثار لغطاً حول آرائه السياسية ومواقفه

السعدي: العلاقة بين الفن والسياسة شائكة

يقول الفنان الموسيقي غسان السعدي: إذا أردنا التعريف الأكاديمي للفنان؛ فهو الشخص الذي يمتلك معرفة وخبرة في مجال فني ما (الغناء، العزف، الفنّ التشكيلي، ---)، لكن يوجد تعريف آخر غير أكاديمي يعتمد على البعد المعرفي والثقافي الذي يُحَمّلهُ الفنان لمادته الإبداعية، والبُعد أو الموقف السياسي يتوّج الحالة المعرفية للفنان؛ لأنّ هذا يلامس بشكل أسرع تحزّبات الجمهور واصطفافاته السياسية، وتحديداً في المجتمعات العربية، وعليه يصبح فناناً ذا موقف سياسي، وبالتالي أقرب لجمهور معين؛ بل يصبح معبودهم دون الالتفات إلى العيوب في أدواته الفنية. في المقابل؛ يصبح فناناً آخر، يمسك بأدواته الإبداعية بشكل أكبر، غير ذي أهمية، إن لم نقل أقل من ذلك، عند الجمهور ذاته، فالعلاقة بين الفنّ والسياسة شائكة جداً من جهتين: العلاقة بين الفنان والسياسي، والعلاقة بين الفنان والجمهور.

اقرأ أيضاً: بطرس دانيال أب كاثوليكي يوظف الفن في نشر التسامح الديني
ويتابع السعدي حديثه: الفنان أمام هذا كله بين خيارين؛ كتم موقفه السياسي وعدم الإفصاح عنه؛ مخافة خسارة جمهوره، أو التصريح بموقفه السياسي الذي ينسجم وقناعاته، ولو كلّفه ذلك خسارة جزء من الجمهور، بالنسبة إليّ، يموت الإبداع حين يتماهى المبدع مع الوضع القائم مهما كان هذا الوضع؛ ذلك أنّ المبدع بطبيعته ناقد وصاحب رؤية، وإلا فهو "روبوت" أو محض مؤدِّ، لا أكثر.

سلوادي: الإفصاح عن الرأي السياسي مغامرة

من جهته، يرى المصوّر الفوتوغرافي أسامة سلوادي أنّ الشعوب العربية "مسيّسة ومفروزة سياسياً وحزبياً ودينياً وطائفياً، هذا بحد ذاته عبء كبير على الفنان العربي، أو أي فنان يتوجّه للجمهور العربي، بغضّ النظر عن أصوله"، منوهاً إلى أنّ الفنان الغربي "لا يعاني ذلك؛ لطبيعة مجتمعه غير المسيّس، ولرغد العيش الذي تتمتع به المجتمعات الغربية عموماً، وعلى الأصعدة كافة، ما يخلق بالتالي مساحة إبداعية واسعة، ومزيداً من التصالح مع الذات، ومزيداً من الرقي والهدوء في تعامل الجمهور مع الحالة الفنية والإبداعية".

سلوادي: إنّ الشعوب العربية مسيّسة ومفروزة حزبياً ودينياً وطائفياً، وهذا بحد ذاته عبء كبير على الفنان العربي

ويقول سلوادي: بوسعك، كفنان عربي، أن تغامر بالإفصاح عن وجهات نظرك السياسية جميعها دون مواربة، لكن عليك أن تضع في حسبانك أنّك ستفقد جزءاً كبيراً من الجمهور، وفي مرات سيكون الضرر أكبر من حيث التضييق عليك في التمويل، ورعاية عملك الفني، واستضافته في معارض أو فعاليات وأمسيات، وقد يصل الأمر حدّ تضييق النظام السياسي عليك.
ويتابع: كثير من الفنانين فهموا "اللعبة"، فباتوا يقولبون مواقفهم السياسية ويُفصّلونها على مقاس ما يرغبه النظام أو المنتفعين أو الممسكين بزمام المهرجانات والمؤتمرات والوسائل الإعلامية، ما يحطّ بالتالي من ذائقة الجمهور، ويسهم في تراجع الحالة الفنية، وتهميش المبدعين الحقيقيين.
ولعلّ أكثر هذه الحالات طرافة؛ وفق سلوادي، ما يمكن أن نصطلح عليه "الفنان المتحزّب"؛ أي المحسوب على حزب أو فصيل بعينه، فتجده ناطقاً باسمه مدافعاً عنه باستماتة، بل لن يتردّد في صوغ عمل فني يهاجم فيه الحزب الآخر!

شقير: الرصيد الفني هو الباقي

أما الباحثة في تخصّص الإعلام والسينما والتلفزيون، جامعة يورك، هديل شقير فترى أنّه من حُسن التصرف، أو من الحكمة، أن ينأى الفنان بنفسه عن التعبير السياسي، بمؤازرة نظام ما أو معارضته، خصوصاً أنّ صفته في إطار مجتمعه أنّه "فنان"، وليس سياسياً يُنتظر منه التعريف بمعتقداته السياسية، لكن، حين يكون هذا الفنان الإنسان صاحب مبدأ قوي، وأقصد بالقوي أنّه لا يمكنه الانفصال عن وجوده، مبدأ متمكّن من شخصه، فلا يمكنه التغاضي عنه، سيصرّح عن أفكاره ومواقفه غير مكترثٍ بتأثير ذلك على عمله الفني.

شقير: من الحكمة أن ينأى الفنان بنفسه عن التعبير السياسي، خصوصاً أنّ صفته في إطار مجتمعه أنّه فنان وليس سياسياً

في الحالتين؛ تعتبر شقير الأمر حرية شخصية؛ إذ يعود للفنان ذاته القرار فيها، إن كان سيعبّر أم سيُخفي؛ فهي مسألة نسبية، الأهم، بنظرها، في هذا النقاش أنّ الأعمال الفنية هي التي ستبقى، وستُشاهدها الأجيال بعد رحيل الفنان، وليست آراءه أو مواقفه، وهنا يكمن جمال الفنّ، الرصيد الفني للفنان هو الحيّ، وسواء كان "مع" أو "ضدّ" ستغدو آراؤه غير مهمة أمام ما قدّمه عبر فنّه.
أمّا عن ردود الفعل المتمثلة بالإيذاء والتضييق، فهذا يرجع، بحسب شقير، لعدم قبول الآخر، وبخصوص ردة فعل الجمهور وتأثّر المبيعات، فهو أمر طبيعي، برأيها، إذ سيستمر بالتعاطف مع هذا والنفور من ذاك، ولن يجتمع الجمهور على قولٍ واحد.

اقرأ أيضاً: محمد بحري: الفن والأدب متأخران عن الحراك الشعبي في الجزائر
وتدلل شقير على رأيها بقولها: لن يتمكّن من يقفون، على سبيل المثال، مع الثورة السورية من تجاهُل أعمال سُلاف فواخرجي، كما لا يُمكن لمحبّي بشار الأسد أن يزيلوا أعمال أصالة نصري، مثلما لم يتمكّن أنصار الثورة المصرية من نكران فنّ طلعت زكريا، وهكذا، فالرصيد الفنّي هو الباقي وهو الحَكَم.

كيالي: من الصعب فصل الفنّ عن السياسة

كيالي: من المستحيل فصل الفن عن السياسة

من جانبه، يرى الباحث الموسيقي عبود كيالي أنّه من الصعب، بل يمكن أن يكون من المستحيل، فصل الفنّ عن السياسة، وفي النهاية سيُحاكَم الفنان كما يُحاكَم أي إنسان؛ على أخلاقياته وأخلاقية مواقفه السياسية، وليس على فنّه فقط.

اقرأ أيضاً: السينما السورية: كيف واجه الفن سطوة السياسة؟
وفي هذا السياق؛ يقول كيالي: إنّ ثمة فنانين استغلوا قضية معينة لتمرير فنّ ركيك، وهذا طبيعي، ومن الطبيعي أيضاً أن يؤسس هذا الفنان صاحب السويّة الضعيفة قاعدة جماهيرية عريضة؛ لاعتماده على موقفه السياسي المتماهي مع ما يريده الجمهور، وهنا يأتي دور النقّاد الأكفاء، الذين يجدر بهم تقييم السويّة الفنية للعمل والحالة الإبداعية عموماً بمسطرة راقية رفيعة نزيهة، تعين الجمهور على التمييز بين انفعالهم لفنان أو مبدع بعينه، لمجرد كونه يتماهى ووجهات نظرهم السياسية، أو لكونه يُمثّل حالة إبداعية رفيعة تستحق الاحتفاء.

الصفحة الرئيسية