أوروبا تواجه تحدي الإسلام السياسي "الناعم"

أوروبا تواجه تحدي الإسلام السياسي "الناعم"

أوروبا تواجه تحدي الإسلام السياسي "الناعم"


19/09/2026

لم يعد النقاش الأوروبي حول الإسلام السياسي محصوراً في مكافحة الإرهاب أو مراقبة الجماعات التي تتبنى العنف، بل بدأ يتحرك نحو مساحة أكثر تعقيداً تتعلق بما تسميه بعض الحكومات «الإسلام السياسي» أو «الإسلاموية القانونية» أو “الإسلام السياسي الناعم”، أي النشاط الذي لا يستخدم العنف بالضرورة، لكنه يُنظر إليه باعتباره محاولة لاستخدام المؤسسات الدينية أو المدنية والسياسية للتأثير في المجتمع والدولة.

وتعيد هذه التحولات طرح سؤال حساس: أين ينتهي العمل الديني المشروع ويبدأ النشاط السياسي والتنظيمي الذي ترى السلطات أنه يمثل مشكلة أمنية أو سياسية؟

وتقدم النمسا مثالاً واضحاً على هذا التحول. ففي مارس 2026 قُدم إلى البرلمان مقترح لإنشاء قانون لحظر «الإسلام السياسي»، وأحيل إلى لجنة الشؤون الدستورية، لكن اللجنة أرجأت مناقشته في جلستها في 16 سبتمبر. وبالتالي لا يوجد حتى الآن قانون نمساوي جديد يحظر «الإسلام السياسي» ككل، وإنما مشروع سياسي وتشريعي ما يزال قيد النقاش.

وتزامن ذلك مع دخول قانون آخر حيز التنفيذ في سبتمبر يحظر ارتداء غطاء الرأس ذي الطابع الإسلامي في المدارس بالنسبة إلى الطالبات حتى سن الرابعة عشرة. وتقول الحكومة إن الإجراء يستهدف حماية الفتيات وحريتهن، بينما تعترض المنظمة الإسلامية الرئيسية في البلاد وتعتبره تمييزياً وتعتزم الطعن فيه أمام المحكمة الدستورية.

وهذان الملفان ليسا متطابقين من الناحية القانونية، لكن تزامنهما يعكس اتساع النقاش النمساوي حول العلاقة بين الإسلام والدولة. فالنقاش لم يعد يقتصر على أفراد أو جماعات يشتبه في تورطها بالعنف، وإنما امتد إلى قضايا تتعلق بالتعليم والهوية الدينية والتنظيم السياسي، وهو ما يجعل تعريف المصطلحات نفسها جزءاً من المعركة القانونية والسياسية.

وتزداد حساسية المسألة لأن مفهوم «الإسلام السياسي» لا يحمل تعريفاً قانونياً موحداً في أوروبا. ففي حين تستخدمه بعض الحكومات أو الأحزاب لوصف تيارات تسعى إلى إدخال تصورات دينية في المجال السياسي، ترى دراسات أكاديمية أن المفهوم يمكن أن يصبح واسعاً إلى درجة يصعب معها التمييز بين الإسلام كدين وبين الحركات التي تستخدم خطاباً سياسياً ذا مرجعية دينية.

وقد درست أبحاث أكاديمية حالات النمسا وألمانيا وفرنسا باعتبارها نماذج مختلفة للتعامل مع ما يسمى الإسلام السياسي أو الإسلاموية غير العنيفة.

وتظهر فرنسا وألمانيا في هذا النقاش من زوايا مختلفة. فقد طورت الدول الأوروبية خلال السنوات الماضية سياسات تستهدف التنظيمات أو الشبكات التي ترى السلطات أنها تعمل على نشر التطرف أو تقويض قيم النظام الدستوري، لكن الأدوات المستخدمة تختلف من دولة إلى أخرى، بين الرقابة المالية، وحظر الجمعيات، ومراقبة خطاب التطرف، وإعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسات الإسلامية والدولة.

وهنا تكمن المسألة الأكثر تعقيداً: هل تستطيع الحكومات الأوروبية بناء إطار قانوني يلاحق التنظيم السياسي الذي يستخدم الدين من دون أن يتحول ذلك إلى رقابة أوسع على النشاط الديني أو المدني للمسلمين؟

هذا السؤال لا يتعلق بالنمسا وحدها. ففي كندا مثلاً، تصاعد خلال الأشهر الأخيرة نقاش حول شبكات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين ونشاطها في المجتمع المدني والجامعات. وأصدر معهد ISGAP في أغسطس تقريراً موسعاً اتهم فيه شبكات مرتبطة بالإخوان بمحاولة ترسيخ نفوذ طويل الأمد داخل مؤسسات المجتمع المدني والتعليم العالي والسياسة. لكن هذه الاستنتاجات تبقى، في حدود التقرير المتاح، تقييمات صادرة عن مؤسسة بحثية وليست قراراً حكومياً كندياً بحظر الجماعة.

وتكتسب هذه النقاشات أهمية أكبر مع انتقال الإسلاميين في بعض الدول من العمل الدعوي التقليدي إلى النشاط المدني والسياسي، سواء من خلال الجمعيات أو المؤسسات التعليمية أو المنظمات الحقوقية أو المشاركة الانتخابية. فالدولة الأوروبية تجد نفسها أمام جماعات قد تعمل داخل الإطار القانوني، لكنها قد تحمل في الوقت نفسه رؤية سياسية أو اجتماعية تختلف مع بعض القيم التي تعتبرها الدولة جزءاً من النظام الدستوري.

ومن هنا تحاول بعض الحكومات تطوير مقاربة تقوم على مراقبة السلوك والتنظيم والتمويل بدلاً من التعامل مع الهوية الدينية نفسها باعتبارها مشكلة. وهذا التفريق سيكون حاسماً في السنوات المقبلة، لأن المسلمين في أوروبا ليسوا كتلة سياسية واحدة، كما أن الجماعات ذات المرجعية الإسلامية تختلف في أهدافها ووسائلها وعلاقتها بالدولة.

وتشير التجربة النمساوية تحديداً إلى أن الصراع المقبل قد يكون قانونياً بقدر ما هو سياسي. فحتى عندما تتفق الأطراف على ضرورة مواجهة التطرف أو حماية النظام الدستوري، يبقى الخلاف حول تعريف التطرف وحدود تدخل الدولة والجهة التي تملك صلاحية تحديد أن جماعة ما تتجاوز العمل الديني أو المدني إلى مشروع سياسي غير مقبول.

وفي المقابل، تحذر منظمات إسلامية وحقوقية من أن توسيع مفهوم الإسلام السياسي يمكن أن يؤدي إلى الخلط بين النشاط السياسي المشروع والتطرف، أو إلى تحميل جماعات دينية بأكملها مسؤولية مواقف لا تتبناها. وتُظهر التجربة النمساوية في ملف حظر الحجاب أن مثل هذه الإجراءات يمكن أن تصل سريعاً إلى المحاكم الدستورية عندما تتقاطع مع حرية الدين ومبدأ حياد الدولة.

لذلك فإن التحول الأوروبي لا يمكن اختزاله في عبارة «حظر الإسلام السياسي». فالصورة أكثر تعقيداً: هناك محاولة لإعادة تعريف حدود النشاط الإسلامي في المجال العام، وتشديد الرقابة على بعض التنظيمات والتمويلات، ومراجعة العلاقة بين المؤسسات الدينية والدولة، لكن في المقابل توجد حدود دستورية وقانونية لا تستطيع الحكومات تجاوزها بسهولة.

وقد يكون السؤال الأهم في المرحلة المقبلة ليس ما إذا كانت أوروبا ستواجه الإسلام السياسي، وإنما كيف ستعرّفه قانونياً، وكيف ستفرق بين الدين والتنظيم السياسي، وبين المعارضة المشروعة والتطرف، وبين النشاط المدني والنفوذ المنظم؟

فكلما اتجهت الحكومات الأوروبية من مكافحة العنف إلى تنظيم المجال السياسي والديني، أصبحت دقة التعريف أكثر أهمية من شدة القانون. وهذه المعادلة قد تحدد شكل العلاقة بين الإسلام والدولة الأوروبية خلال السنوات المقبلة، خصوصاً في مجتمعات أصبح فيها الإسلام جزءاً مستقراً من النسيج الديني والاجتماعي، بينما لا يزال الجدل حول موقعه السياسي والثقافي مفتوحاً.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية