أردوغان يغلق المجال العام ويلاحق المعارضة في الواقع الافتراضي

أردوغان يغلق المجال العام ويلاحق المعارضة في الواقع الافتراضي

مشاهدة

19/08/2020

حواجز عديدة تقع بين الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ومنصات التواصل الاجتماعي، التي لطالما تسبّبت في إحراجه، المرة تلو الأخرى؛ ففي فضائها الممتد خارج قيوده وآليات قمعه، الأمنية والسياسية، يفقد مؤثراته الأيديولوجية والخطابية، بينما تنكشف مآربه وأهدافه المحلية والإقليمية؛ حيث تلاحقه الحقائق على كافة أوجهها، من خلال تلك الوسائط الإلكترونية، ومن بينها تراجع شعبيته التي تتآكل إثر مغامراته الخارجية، وتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، حسبما وثقت مراكز بحثية وحقوقية، محلية وأجنبية، إضافة إلى قضايا الفساد التي تلاحق رموز نظامه السياسي، وكذا دعم بعض التنظيمات والأفراد، المصنفين على قوائم الإرهاب، في سوريا وليبيا.

نبذ منصّات التواصل الاجتماعي لأردوغان

خلال الشهر الماضي، حزيران (يونيو)، قام موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، بحذف نحو 32 ألفاً و242 حساباً وهمياً، تابعين لحزب العدالة والتنمية، بعد أن تمّ اكتشاف نشاطها "المزيف" في "نشر روايات سياسية موالية لحزب العدالة والتنمية على نطاق واسع، وإظهار الدعم للرئيس التركي، رجب طيب أردوغان"، كما ذكرت المنصة العالمية.

 وقد اتهمت الحكومة التركية "تويتر" بأنّها "آلة دعائية ذات ميول سياسية وأيديولوجية معينة"، لكن بعد أيام قليلة، تعرض أردوغان إلى مواجهة أخرى، عبر موقع "يوتيوب"، وذلك أثناء لقائه بمجموعة من الشباب، بواسطة تقنية "فيديو كونفرانس"، حيث بلغ عدد غير المعجبين نحو 300 ألف، بينما وصل عدد المعجبين 72 ألفاً.

اقرأ أيضاً: أردوغان يقطف ثمار عقد من الخيارات السيئة

وحصد الرئيس التركي في الواقعة الأخيرة هجوماً عنيفاً وحاداً؛ إذ جاءت التعليقات على مقطع الفيديو سلبية في مجملها، وأبرزت رفضها التام لسياساته، خاصة فئة الشباب، الذين أبدوا عدم رغبتهم في التصويت له، مجدداً، في الانتخابات المقبلة. وكتب بعضهم: "لن نصوت لك مرة أخر"، كما توعّده آخرون بعبارات مثل: "سنتقابل في صناديق الاقتراع".

من أين بدأت القصة؟

بين عامي 2013 و2014، بدأت أزمة الرئيس التركي ومنصات التواصل الاجتماعي تتراكم، كما دشنت لتاريخ أو فصل من العداء بينهما؛ إذ لعبت تلك المواقع دوراً مؤثراً في التحريض على احتجاجات متنزه "غيزي"، التي قادها حقوقيون في مجال البيئة، حاولوا حماية الحديقة من الجرافات في حيّ تقسيم، وسط إسطنبول، فاندلعت المظاهرات وانتشرت في كافة المدن الرئيسة؛ حيث باغتت الحكومة بسرعة انتشارها وتفاقمها، كما ارتفع سقف الاحتجاجات من المطالب الحقوقية والبيئية إلى التنديد بالسياسات العامة للحزب الحاكم، والنظام السياسي.

يسعى حزب العدالة والتنمية إلى تقديم مشروع قانون يستهدف وضع ضوابط لاستخدام منصات التواصل الاجتماعي، والسيطرة على الأنشطة التي تتم من خلال الحساب المشتركة فيها

وفي آذار (مارس) العام 2013؛ تمّ تسريب مقطع صوتي مسجل لرئيس جهاز المخابرات، هاكان فيدان، ونائب رئيس هيئة الأركان الجنرال، يشار غولر، كشف عن تفاصيل الاجتماع الذي عقد في مقر وزارة الخارجية التركية، ووصِف بأنّه "سرّي للغاية"، حيث ناقش المشاركون سبل "خلق" ذريعة تتيح لتركيا التدخل عسكرياً في سوريا.

بيد أنه، عام 2014، وعلى خلفية التجربة الصعبة للحكومة التركية، العام الماضي، هدّد أردوغان بإغلاق وحجب تويتر، وذلك قبل موعد الانتخابات المحلية.

اقرأ أيضاً: هكذا أصبحت تركيا في عهد أردوغان دولة منبوذة إقليمياً

تتعدّد السجالات بين أردوغان وحكومته، من جهة، ومواقع التواصل الاجتماعي بتنويعاتها المختلفة، من جهة أخرى، والتي بالرغم من تحررها المؤقت من بطشه وعدوانه المستمرين على الحريات، سوف تفقد تلك المساحة بعد سعي حزب العدالة والتنمية إلى تقديم مشروع قانون، يستهدف وضع ضوابط لاستخدام منصات التواصل الاجتماعي، والسيطرة على الأنشطة التي تتم من خلال الحسابات المشتركة فيها، وتعقبها بعقوبات قانونية، كالغرامات المالية والسجن.

أزمة الحفيد

ألمح الرئيس التركي إلى وجود تشريع قانوني لضبط مواقع التواصل الاجتماعي، خلال الشهر الحالي، تموز (يوليو)، وذلك في أعقاب الهجوم الذي نال صهره، وزير الخزانة والمالية، بيرات البيرق، بعد تغريدته عبر "تويتر" عن ولادة طفله الرابع، ما تسبّب في تعليقات سلبية، وصفها أردوغان بـ "غير الأخلاقية".

وبالتزامن مع الشروع في إعداد القانون وتقديمه إلى البرلمان، قامت السلطات التركية، الثلاثاء الماضي، بالقبض على مواطن، في ولاية دينزلي، جنوب تركيا، بتهمة إهانة الرئيس التركي، عبر حسابه في وسائل التواصل الاجتماعي.

وإلى ذلك، قالت أوزليم زينجين، النائبة عن حزب العدالة والتنمية: "نهدف إلى وضع حدّ للإهانات والسباب والمضايقات التي تتم عبر وسائل التواصل الاجتماعي"، وأوضحت أنّه "في حال امتناع أيّة منصة عن تعيين ممثل لها في تركيا بمجرد تمرير التشريع، سيؤدي ذلك إلى فرض غرامات عليها، وتخفيض النطاق الترددي للمنصة تدريجياً، وعلى مراحل بنسبة 50 في المئة، ثم 90 في المئة، ما يعني أنّ هذه المنصات لن تكون صالحة للاستخدام".

اقرأ أيضاً: هل يعاني أردوغان من "شيزوفرينيا شرق المتوسط"؟

وبحسب مشروع القانون الخاص بوسائل التواصل الاجتماعي، فإنه سيكون على المستخدمين إدخال بيانات الاتصال الخاصة بهم، ومعلومات الهوية الشخصية بمجرد تسجيل حساب جديد، وذلك للحد من انتشار الحسابات المزيفة، وهو ما ترفضه قوى المعارضة، بصورة كبيرة، باعتباره انتهاكاً لخصوصية المشتركين. كما سيفرض على المنصات التي يتجاوز عدد مستخدميها المليون يومياً، تعيين ممثل قانوني عنها، إضافة إلى مطالبتها بتخزين بيانات مستخدميها على خوادم موجودة في تركيا.

قانون التواصل الاجتماعي

يضع مشروع القانون بنداً يلزم مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، في مدة أقصاها 24 ساعة، بالامتثال بأوامر القضاء التركي، في حال مطالبتهم بإزالة محتوى معين، حتى لا يقعوا تحت طائلة العقوبات القانونية والغرامات المالية.

اقرأ أيضاً: هل يدفع الأتراك ثمن مغامرات أردوغان وحساباته الخاطئة؟

ومن جانبه، يرى الباحث المصري في العلوم السياسية، مصطفى صلاح، إنّ النظام التركي منذ محاولة الانقلاب الفاشلة وهو يحاول استغلالها بهدف إحكام السيطرة الكاملة على مجريات الأوضاع الداخلية، مستثمراً ذلك في تعزيز صلاحياته من خلال تعديلات دستورية، سمحت بتغيير النظام السياسي التركي من البرلماني إلى الرئاسي، وامتدّ الأمر بعد ذلك إلى تشريع قوانين جديدة تتيح للنظام تأميم الحياة السياسية، على المستويين الرسمي وغير الرسمي، كما اتجهت التشريعات الجديدة نحو تحقيق هدف واحد، ينحصر في ضمان استمرارية أردوغان بالحكم، فظهرت قضايا جديدة، مثل: إهانة الرئيس، وحجب الصحف، وإغلاق الجامعات.

ويضيف صلاح لـ "حفريات": "يمكن توضيح عملية التحول في سياسة العدالة والتنمية الداخلية تجاه مصادرة حرية الرأي والتعبير من خلال أمرين؛ الأول يتعلق بمخاوف الحزب من تنامي الأصوات المعارضة في التأثير على شعبيته، خاصة أنّ ثمة اتجاه داخلي يتراجع عن تأييد سياساته، والتوجه إلى الأحزاب الأخرى، ما يشير إلى خسارة الحزب لقواعده الشعبية، فضلاً عن خروج قيادات بارزة منه.

اقرأ أيضاً: إمبراطورية أردوغان تجذب الأعداء وتنفر الأصدقاء

والأمر الثاني، الذي يبدو نتيجة مباشرة للأول؛ يتعلق بتوجيه الرأي العام التركي، وضغطه لخدمة الأجندة الحزبية والأيدولوجية، بصورة كلية، وهو ما يتجلى من خلال إغلاق الكثير من المواقع الإلكترونية، والحسابات الخاصة بالمعارضة التركية، عبر منصات التواصل الاجتماعي".

منذ أقل من شهر، قام البرلمان التركي بالتصديق على قانون يعرف بـ "حراس الأحياء"، وهم مجموعة من الأشخاص ستكون لهم مهام تماثل ما تقوم بها القوة الشرطية

ومنذ أقل من شهر، قام البرلمان التركي بالتصديق على قانون يعرف بـ "حراس الأحياء" أو "عسكر الدرك"، بحسب الباحث المصري؛ وهم مجموعة من الأشخاص ستمنح لهم صلاحيات تماثل تلك الممنوحة لأجهزة الشرطية التقليدية، حيث سيسمح لهم بالتفتيش والقبض على من يعارض السياسات التي يتبناها الحزب، بالتالي، ليس مستغرباً أن يقوم أردوغان بتنويع أساليب القمع، بيد أنّه تجب الإشارة إلى الصعوبات التي يواجهها أردوغان على خلفية سياساته الأخيرة، خاصة ما يتصل بقدرته على الاحتفاظ بقواعده الشعبية والانتخابية أو محاولة استعادتها.

ويختتم صلاح": "تورط أردوغان في الأزمات الخارجية يفسّر جانباً من أهدافه غير المعلنة؛ حيث يستهدف تصدير صورة للداخل مفادها أنّه ثمة مخاطر إقليمية ودولية تواجه تركيا، وتتطلب اصطفاف الأتراك مع الدولة والحكومة".

الصفحة الرئيسية