أبو الأعلى المودودي بين الحاكمية الإلهية والسيادة الشعبية

أبو الأعلى المودودي بين الحاكمية الإلهية والسيادة الشعبية

مشاهدة

26/08/2019

اشتهر أبو الأعلى المودودي (1903 –1979) بنظريته في الحاكمية، التي تعني أنّ السيادة والسلطة العليا في يد الله وحده، وأنّ على كل المسلمين تطبيق حكم الله، في كل شؤون الدين والدنيا، وبالأخص في شؤون السياسة، إلا أنّ المودودي كان على وعي تام بأنّ الديمقراطية هي سمة العصر، وهي شكل الحكم الذي تطالب به كل شعوب العالم وتدعيه كل الأنظمة في الشرق والغرب، وأنّ أي نظام جديد في الحكم يجب أن يؤسس على معايير ديمقراطية ويكون تعبيراً عن إرادة الشعب، وكان يعلم جيداً أنّ أساس الديمقراطية هو السيادة الشعبية (الإسلام والمدنية الحديثة، ص 9)، لكنه لما كان يؤسس لنظام حكم ادعى أنّه إسلامي، فقد شعر أنّ مبدأ السيادة الشعبية Popular Sovereignty يتعارض مع ما كان ينادي به من حاكمية بالمعنى السياسي؛ فالحاكمية التي دعا إليها تستبعد الشعب باعتباره صاحب السيادة (المرجع السابق، ص 17)، وتضع الله وحده باعتباره صاحب السيادة أو الحاكمية بتعبيره، ولذلك نراه يلتف حول مبدأ السيادة الشعبية ويفرغه من مضمونه الأصلي، ويملأ مبدأ السيادة بمضامين الحاكمية الإلهية.

عمل المودودي على تسييس الإسلام وإضفاء صفة القداسة على السياسة وعلى نظام الحكم الإسلامي

من المعلوم أنّ الديمقراطية تفترض دولة مواطنة تعامل كل سكانها باعتبارهم مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، ودولة محايدة تجاه أديان هؤلاء المواطنين، لا تميز ديناً عن آخر، وتضمن حرية الدين والعقيدة للجميع، كان المودودي يريد نظام حكم إسلامي للمسلمين وحدهم؛ ولذلك لم يكن مبدأ السيادة الشعبية، الذي هو أساس الديمقراطية، ليصلح معه، فقام بتغيير دلالاته وتحويلها إلى مبدأ الحاكمية، وقدم صورة خاصة للديمقراطية حصرية للمسلمين، وتستبعد وتقصي كل ما هو غير مسلم وغير إسلامي، وكان المودودي بذلك سائراً في سياق الجماعة الإسلامية في باكستان وتاريخها الانفصالي عن الهند.         
الأساس التشبيهي لنظرية المودودي
مع ما تنطوي عليه هذه النظرية من تشبيه الله بالحاكم وربط مسائل السيادة والسلطة به تعالى من عودة إلى قضية التشبيه، التي تعامل معها الفكر الإسلامي بالتأويل، خاصة فكر المعتزلة والأشاعرة والفلاسفة، فإنّ ما يلفت الانتباه في نظرية المودودي في الحاكمية أنّها تنطوي على تشبيه الله، عز وجل، بالبشر، مما يدفعنا إلى تفعيل التأويل العقلي لهذه النظرية بالذات.

اقرأ أيضاً: لماذا وكيف انبهر سيد قطب بالمودودي؟
يتمثل الأساس التشبيهي عند المودودي في أنّه عمل على نقل خصائص مبدأ السيادة الشعبية إلى مبدأ الحاكمية، إذ إنّ نفس الخصائص التي يتصف بها مبدأ السيادة الشعبية نجدها ملحقة عند المودودي بالحاكمية؛ يقول: "تطلق هذه الكلمة [الحاكمية] على السلطة العيا والسلطة المطلقة، على حسب ما يصطلح عليه اليوم في علم السياسة" (تدوين الدستور الإسلامي، ص 18).

تقوم إزاحة المودودي لمبدأ السيادة الشعبية لحساب مبدأ الحاكمية على افتراضه أنّ الإسلام جاء بنظام في الحكم

العبارة الأخيرة تكشف عن وعي المودودي بأنه يستعير تعريف الحاكمية من التعريف الحديث لمبدأ السيادة الشعبية، لكن دون أن يصرح بالمصطلح نفسه، وتعني الحاكمية لديه أنّ صاحب الحاكمية "حكمه هو القانون، وله الصلاحيات التامة والسلطات الكلية غير المحدودة لتنفيذ حكمه في أفراد الدولة، وهم مضطرون إلى طاعته طوعاً أو كرهاً. وما هناك من شيء خارجي يحد من صلاحياته في الحكم غير إرادته ومشيئته هو نفسه... إنّ القانون يُسَن بإرادة صاحب الحاكمية" (تدوين الدستور الإسلامي، ص 19). هذه التعريفات هي نفسها تعريفات السيادة الشعبية والإرادة العامة التي نجدها لدى روسو وسييز والآباء المؤسسين للولايات المتحدة، وأخيراً لدى كارل شميت. والمودودي بذلك عمل على أسلمة مبدأ السيادة الشعبية وتصور الحاكمية بالتشبيه والقياس عليها، وأحل الله محل الشعب باعتباره صاحب السيادة الأوحد الذي له كل الحقوق السياسية والذي تنبع منه كل السلطات، ويظهر هذا واضحاً في تعريفاته للحاكمية التي هي نفسها تعريفات السيادة الشعبية، منقولة ومزاحة من مجالها الدلالي الأصلي وهو النظرية الديمقراطية الحديثة، إلى مجالها البديل وهو نظرية الحاكمية.

الفكر الإسلامي التقليدي ينزه الله ولا يرتضي أن ينظر إليه على أنّه حاكم بالقياس على الحكام البشر

وتقوم إزاحة المودودي لمبدأ السيادة الشعبية لحساب مبدأ الحاكمية على افتراضه أن الإسلام جاء بنظام في الحكم، مصدره الله؛ وعلى أساس التخييل والإيهام بنظام حكم إسلامي، يضع المودودي الله نفسه على رأسه، باعتباره صاحب السيادة Sovereign. وتتمثل غرابة هذه النظرية عن الفكر السياسي الإسلامي وعن كل نظريات السياسة الشرعية التقليدية، في أنّ صاحب السيادة العليا في الإسلام كان هو الإمام، أو الخليفة، ولم يكن الله تعالى يتبوأ وضعاً سياسياً أو منصباً سياسياً حتى ولو كان هو الوضع والمنصب الأعلى، ذلك لأنّ الفكر الإسلامي التقليدي، وعلى الرغم من كل ما فيه من سلبيات وعيوب، كان لا يزال يحتفظ بحس تنزيهي عالِ، ولم يكن يرتضي بوصف الله تعالى بالحاكم أو ينظر إليه على أنّه حاكم بالقياس على الحكام البشر.

اقرأ أيضاً: أبو الأعلى المودودي: الديمقراطية الإلهية وآليات الوصول إلى "التمكين"
لكن كيف نفهم علاقة الله تعالى بالبشر إذا لم تكن "حاكمية"؟ بمعنى أنّه إذا حذفنا الحاكمية باعتبارها هي علاقة الله تعالى بالبشر وخاصة بالمسلمين منهم، فما الذي يمكن أن تكونه علاقة الله تعالى بالبشر؟ إنّها العناية الإلهية والرعاية الربانية، وهي بعيدة تماماً عن أن تكون "حاكمية". إنّ النزعة السلطوية في فكر المودودي جعلته يتخيل الله حاكماً، ورأساً للدولة.
أسلمة مبدأ السيادة وتسييس الإسلام
لقد كان مبدأ السيادة كما هو معروف في الفكر السياسي الحديث هو الذي يكمن وراء نظرية المودودي في الحاكمية، التي هي استعارة لمبدأ السيادة الشعبية وإفراغه من مضمونه الديمقراطي وملئه بمضمون لاهوتي – سياسي politico-theological. إن تعريفه لمبدأ الحاكمية يعمل على أسلمة مبدأ السيادة الشعبية، وينقل السيادة من الشعب إلى الله تعالى، باعتباره صاحب السيادة المطلق والأول.
ولما كانت الحاكمية الإلهية عند المودودي تنطوي بالضرورة على سحب السيادة من الشعب وإلحاقها بالله وحده وبأحكامه التي ينظر إليها المودودي على أنّها دينية وسياسية معاً، فإنّ الشعب بذلك لن يعود صاحب السيادة بل هو مجرد رعية للنظام الإسلامي. وتظهر هامشية الشعب في فكر المودودي في جانبين؛ الجانب الأول هو عدم استخدامه لكلمة "شعب"، واستخدامه لكلمات أخرى مثل "المسلمين"، أو "الأمة"، أو"الأهالي". والجانب الثاني هو أنّه بعد أن سحب مبدأ السيادة من الشعب، ألحق به صفة الخلافة، بحيث يكون الشعب في فكر المودودي هو الخليفة، وتكون الدولة الإسلامية بذلك هي دولة خلافة، وتكون الديمقراطية "ديمقراطية خلافية"، هذه الديمقراطية الخلافية تجعل الشعب مجرد نائب عن الله تعالى، ممارساً سلطة بالتفويض وحسب لا بالأصالة، وتجعل الشعب والدولة معاً مجرد أدوات لتفعيل مبدأ الحاكمية.

اقرأ أيضاً: "الخلافة والملك" للمودودي: تجميل أزمة تداول السلطة
عمل المودودي بذلك على تسييس الإسلام، وإضفاء صفة القداسة على السياسة وعلى نظام الحكم الإسلامي، أو الذي افترض أنّه إسلامي، وخلط بين الدين والسياسة، ووظف الدين توظيفاً سياسياً، وحوله إلى أيديولوجيا للحكم.
النزعة السلطوية وتغييب الشعب
عندما يسأل المودودي: "لمن الحكم؟ أهو لملك من الملوك، أو طبقة من الطبقات، أو للأمة بأسرها، أم لله تعالى"؟ (تدوين الدستور الإسلامي، ص 16)، فهو بهذه الصياغة للسؤال يضمر الإجابة ويمهد لها، وهي أنّ الحكم هو لله تعالى وحده، وهو يقصد الحكم السياسي، مما يجعل حكم الله سياسياً، ويجعل الله نفسه حاكماً سياسياً بالمعنى البشري، وهو تشبيه الله للبشر يضاف إلى التراث التشبيهي القديم. والإجابة تنفي الحاكمية، أي السيادة، عن الأمة، مما يعني أنّ القول بمبدأ سيادة الأمة على نفسها سيكون وفق نظرية المودودي خروجاً عن شرع الله، ولهذا السبب حكت الكثير من تيارات الإسلام السياسي على الديمقراطية بالكفر، قبل أن تدخل لعبة السياسية وتنافس في البرلمانات، لأنها فهمت الديمقراطية على أنّها إحلال الشعب محل الله باعتباره صاحب السيادة، أو الحاكمية بتعبير المودودي.

الإنسان وفق منطق المودودي لا يفعل الخير لأنه خير بل لأنه مأمور به مفروض عليه

وفي تعريفه للحاكمية، يظهر خلط المودودي بينها وبين السيادة الشعبية؛ فهو أولاً يختزل الحاكمية بالسلطة، فهي في نظره "السلطة العليا والسلطة المطلقة" (ص 18)؛ هذا التعريف يجعل من الله، عز وجل، صاحب سلطة سياسية بالمعنى البشري. وينظر المودودي إلى هذه السلطة على أنّها هي من لها الحق وحدها في فرض القوانين وفي فرض الطاعة والامتثال لهذه القوانين، وكذلك هي سلطة فرض التمييز بين الخير والشر، والصح والخطأ، والحقوق والواجبات؛ أي إنّ الخير والشر ليس لهما قيمة في ذاتهما، والصحة والخطأ لا يمتلكان قوة إلزام داخلية، فالقيمة والإلزام أشياء خارجية عليها، آتية من إرادة الله وحدها.
الإنسان، وفق منطق المودودي، لا يفعل الخير لأنه خير؛ بل لأنه مأمور به، مفروض عليه، ولا يتجنب الشر لأنه شر؛ بل لأنه محرّم وممنوع عنه. هنا تفقد القيم والمبادئ عقلاينتها وإلزامها الداخلي. ولا يلتزم المرء بالقانون من أجل عدالته أو ما فيه من عقلانية أو باعتباره تعبيراً عن الصالح العام أو الإرادة العامة، بل يصير الالتزام بالقانون من مصدر خارج القانون؛ أي من كونه أمراً أو فرضاً أو شرعاً. في النظريات الدستورية الحديثة تكون السيادة للقانون، كونه تعبيراً عن إرادة الشعب صاحب السيادة الأصلي، وبذلك يتم احترام القانون وتنفيذه؛ لأنه هو إرادة الشعب. لكن يلغي المودودي كل ذلك لصالح تصوره عن الحاكمية، التي تدل في خطابه على صفة "الآمرية"؛ أي طابعها باعتبارها "آمرة"، وتطلب من المسلمين مجرد الطاعة والامتثال والتسليم، تلك التصورات الإيمانية التي يضفي عليها المودودي الطابع السياسي في سياق تسييسه للإسلام.


الصفحة الرئيسية