حسين صدقي: الواعظ الأخلاقي وخطيب السينما المصرية

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
5925
عدد القراءات

2018-02-12

الحالة الفنية الفريدة التي تميّز بها حسين صدقي عن كل أبناء جيله من الفنانين، خلقت مزيجاً من الغموض حول تلك الشخصية التي لا يستطيع أحد أن يُنكر فضلها على السينما المصرية.

انطلاقته كانت بانطلاقة جماعة الإخوان المسلمين في مصر، فظروف حياته ونشأته، وكذلك ظروف المجتمع جعلته بذرة صالحة للزراعة من قِبل جماعة الإخوان، لذلك استحق اللقب الممنوح له من "سيد قطب"، حين كتب عنه في مجلة الإخوان المسلمين بـ"خطيب السينما"، واعتبر أباً للسينما النظيفة التي يتطلع الإخوان المسلمون لتواجدها القوي في المجتمع حتى تدعم دعوتهم، وتعزز انتشارهم، فكان "صدقي"، خير خطيب لتلك الجماعة.

الفنان الملتزم الذي صنعته النساء

مثّل فقدان الأب في مرحلة مبكرة من حياة "صدقي"، الذي توفي عنه والده وهو لازال طفلاً في الخامسة، ما أفسحَ مجالاً أمام والدته التركية التي لا تتحدث العربية إلا قليلاً، أن تُربي طفلها على الالتزام الديني وحضور صلوات الجماعة وحفظ القرآن، ولكن الإبن كان ولِعاً بالفن، وهو ماجعله يمتهن التمثيل، وبين أمه التي صنعت شخصيته الملتزمة دينياً صاحبة المعايير الأخلاقية الصارمة، إلى الفنانات اللاتي تركن بصمة وصنعن نجومية حسين صدقي بحق، فهو صاحب تجربة مسرحية قصيرة استطاع من خلالها اختراق عالم السينما، بعد مروره بفرقة جورج أبيض، وعزيز عيد، وذلك عن طريق الفنانة فاطمة رشدي، إلى أن غامرت بهذا الوجه الوسيم، المنتجة أمينة محمد، التي قدمت له مشاركتها البطولة في أول أفلامه "تيتاوونج" عام 1937.

صدقي يعتبر نفسه فناناً ثورياً يخاطب الجماهير، ويصنع أفلاماً من أجلهم، و تعد السينما في نظره  أقوى أسلحة الدولة

اتخذ حسين صدقي مساراً سينمائياً مختلفاً، فقد أراد رسم طريق للفن مختلف عمّا عداه من فناني جيله، ودعم هذا الاتجاه علاقة الصداقة التي جمعته بشيخ الأزهر"محمود شلتوت"، الذي كان حريصاً على دعم الفن، وكان يخبره بأن الدين يحتاج إلى السينما، وأنّه من خلال السينما يستطيع أن يقدم رسالة إسلامية، تغير المجتمع وتؤثر فيه أكثر مما تفعل أي فنون أخرى، وهذا كان انطلاقة حسين صدقي الذي كان يؤمن بأن الدين والسينما شيئان مترابطان، وأنّه على الفنان أن يوظف السينما لخدمة الدين وإصلاح المجتمع.

حسين صدقي الذي ولد في مرحلة انتقالية في تاريخ العالم حيث جاء ميلاده عام 1917، في حي الحلمية الجديدة، حيث تندلع الثورة الروسية، أثناء قيام الحرب العالمية الأولى خارجياً، ويكون هو على موعد مع نشأة جماعة الإخوان في مصر، والتي اتخذت من الحي مقراً لها، كما أنّ انتقال السينما إلى مرحلة الحداثة، جعل"صدقي"، يفكر في الأمر بشكل مختلف، فالسينما المصرية بطبعها العام وما تحمله من ميلودراما، جعلت صدقي يوظفها لقضايا أخلاقية، تساهم في تغيير المجتمع، لينطلق بفيلمه الأول"العامل، عام 1942، والذي بدا عليه طابع يساري، ثم ينتقل إلى فيلمه الآخر"الأبرياء"، عام 1944، ليناقش قضية الأطفال المُشردين، لينتقل فيما بعد إلى مرحلة الإستقلال، وإنشاء شركة" مصر الحديثة للإنتاج"، التي ساهمت في صناعة نجومية حسين صدقي، ورسمت مساراً جديداً لسينما ما بعد الحداثة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية في منتصف أربعينيات القرن الماضي.

تنوعت أدواره إلا أنه حافظ على الرسالة الجمالية والأخلاقية التي آمن بتقديمها من خلال السينما

ريادة السينما الإسلامية برعاية سيد قطب

لم يتوانَ صدقي عن التعبير حول شغفه بالسينما، حتى بعد زواجه بالسيدة سميرة المغربي، والتي كانت تلح عليه ترك السينما، وأنجبت له ثمانية أولاد، خمسة ذكور وثلاث من الفتيات، قررت ألا يدخلوا عالم الفن أبداً، وحين استمالت دعوة الزوجة قلب زوجها، التي كثيراً ما حُكي عن درجة حبه الكبير وإخلاصه لها، استفاق مرة أُخرى، حين استشار سيد قطب، في زيارة له أثناء سجنه، إلا أن قطب جعله يعتدل عن قراره فقال: "إن الحركة الإسلامية محتاجة لفن إسلامي، وإنني أكتب عشرات المقالات، وأخطب عشرات الخُطب، وبفيلم واحد تستطيع أنت أن تُنهي على ما فعلته أنا أو تقويه، أنصحك أن تستمر لكن بأفلام هادفة"- وذلك حسبما ذكر موقع ويكيبديا.

اتسمت سينما حسين صدقي بالميلودراما، كما يقول لـ"حفريات" الدكتور نادر الرفاعي، مدرس النقد بأكاديمية الفنون المصرية، والذي يرى أنّ "الميلودراما أعمال تتسم بفكرة العلاقة بين الخير والشر، وتنتهي بفكرة العدالة الشعرية حيث الطيب يفوز والشرير يلقى عقابه، وهذه فكرة ذات طابع أخلاقي، حسين صدقي، كان مخلصاً للغاية، لدرجة أنه غلّف القضية الوطَنية بِمنحى أخلاقي وديني، وتبين ذلك في فيلمه (يسقط الإستعمار)".

الملتزم الذي أحرق أفلامه مثل مع كبار فناني عصره

وعن الحالة الدينية، التي عاشها حسين صدقي عبر شاشة السينما، يقول: "لقد قام بإنتاج الفيلم الديني المباشر له خالد بن الوليد، وكذلك فيلمه عن قصة النبي يوسف عليه السلام، الذي منعته الرقابة من العرض، أمّا في بداياته السينمائية، فكانت أفلامه فيها أغنيات، وكان يقوم بدور الشاب المستهتر مثل فيلم شاطىء الغرام، وله تجربة مميزة فنياً في فيلمه العزيمة 1939".

الشيخ حسن وعمامته التي أثارت الفتن

في مسيرة سينمائية زادت عن الربع قرن، ترك فيها حسين صدقي 32 فيلماً كانت علامات في تاريخ السينما، صنع فيلمه الشيخ حسن، مفترق طرق، حيث يعرض الفيلم قصة الشيخ حسن الأزهري، الذي يُحب لويزا المسيحية، ثم يدعوها للإسلام ويتزوجها، فتنجب طفلاً ولكن تموت الأم فجأة، فيأخذه الجد المسيحي ليعيده إلى والده الشيخ حسن، في إشاره منه إلى التسامح المسيحي مع المسلمين، ولكن هذا الفيلم كان بمثابة صب الزيت فوق النيران، فقد مُنع من العرض بعد إنتاجه عام 1951، حتى أمر الرئيس عبدالناصر بعرضه في العام 1954.

في كتابها المطروح ضمن منشورات مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عام 2014، تواصل الناقدة ناهد صلاح، رحلة البحث والتنقيب في حياة الفنان حسين صدقي لتقدم عنه كتاباً بعنوان "الملتزم"،  ترصد فيه أبعاداً مختلفة من حياته وشخصيته: " شاء أم لم يشأ، فإنه الواعظ الأخلاقي، وخطيب السينما المصرية، وغيرها من ألقاب حصل عليها حسين صدقي، وسُمّي بها تعبيراً عن أفلامه... ومن المكابرة أن نتجاهل تفاعل الجمهور مع نوعية الأفلام التي قدمها، وما ترتّب عليها من نجاح كبير في حينها، حتى لو كانت هذه الأفلام تعتمد على التعبير المباشر، والحثّ الصريح على الكفاح والتمسك بالعقيدة الدينية والأخلاقية، فهو من أصحاب النظرية القائلة بأنّ الفن في خدمة المجتمع، وصنع أفلاماً تقدم جواباً على هذه النظرية التي لاقت رواجاً".

نهايات حياة حسين صدقي جاءت مليئة بالدراما والتراجيديا، فقد أوصى أبناءه بحرق أفلامه بعد وفاته عام 1979

فنان ثوري يخاطب الجماهير

صدقي يعتبر نفسه فناناً ثورياً يخاطب الجماهير، ويلتزم بقضاياهم، ويصنع أفلاماً من أجلهم، وذلك ما عبّر عنه في مقاله المنشور بجريدة "الأخبار"، حيث كتب حسين صدقي هذا المقال في أعقاب ثورة يوليو بعنوان: "السينما أقوى سلاح للدولة بعد الجيش"، والذي جاء فيه: إنّ السينما سلاح تستطيع أن تستخدمه الدولة المصرية الجديدة الحرة، أسوة بما اتبعته قبلها الأمم الكبرى التي سخرت هذا الفن في خدمة الدعوة الإيجابية، لشتى الأغراض السياسية والروحية والخلقية والوطنية، إن السينما أداة للتربية والتعليم والتوجيه والإرشاد، وهي النور الذي استغلت الشعوب الناهضة قوته ومضائه في تثقيف الكبار ومحو الأمية الفكرية بينهم وجعلهم مواطنين صالحين.

نهايات حياة حسين صدقي جاءت مليئة بالدراما والتراجيديا، فقد أوصى أبناءه بحرق ما يصل إليهم من أفلامه بعد وفاته، وكان ذلك عام 1979 الذي رحل فيه هذا الفنان الملتبس الذي يندر أن يتكرر في السينما العربية.

اقرأ المزيد...

الوسوم: