حكايات التعذيب الإخواني

صورة ماهر فرغلي
كاتب مصري وباحث في شؤون الحركات الإسلامية
2648
عدد القراءات

2018-04-24

"إنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت"، لعلّ هذا القول المأثور خير ما يصدق على حال الدعاية الإخوانية في الترويج لروايات وأحداث بعيدة عن الحقيقة أو مشوهة لها، لكن ما يلبث أن يثبت بطلانها عاجلاً أم آجلاً، وذلك عبر آليات "مؤسسية" تبتكر فيه الجماعة ما تريده، وتمرره، وتشيعه في المجتمع باعتباره حقيقة لا تقبل الجدل، وكان أهمّها تلك المذكرات والسير الذاتية التي صاغوها حول بطولات وهمية واضطهادهم في السجون، ليشمل سنوات طوالاً تم تزوير وقائعها أو تضخيمها، وخصوصاً في حقبة الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر.

صورة تكشف مصطفى مشهور

تكشف إحدى الصور النادرة لمصطفى مشهور، المرشد الخامس للإخوان المسلمين وأحد منظريها ومفكريها، وعضو النظام الخاص، الذي كان مسجوناً وقتها، بتهمة عضويته في خلية محاولة اغتيال عبد الناصر في حادثة المنشية، في قضية عرفت باسم "قضية السيارة الجيب"، تكشف هذا التلفيق، فرغم ادعاء طهوريته، وتعرضه للتعذيب البشع، فإنّ الصورة النادرة، تبيّن كيف أنّه يقوم بـ"وضع غلاف" لأحد الكتب داخل الزنزانة؛ أي إنّه كان مُمكّناً من القراءة والاطلاع، على خلاف ما ورد في "مذكرات معتقل سابق"، حول السجون في العهد الناصري.

تشويه الإخوان لعبد الناصر لم يكن صدفة؛ بل كان مدبراً من قبل قيادات الجماعة، الذين ألّفوا كتباً في هذا الصدد، منها، على سبيل المثال لا الحصر، كتب زينب الغزالي، ليس هذا فحسب؛ بل وأصدروا أفلاماً وثائقية مضللة حول إعدام سيد قطب.

كان مشهور مُمكّناً من القراءة بخلاف ما ورد بـ"مذكرات معتقل سابق" حول السجون في العهد الناصري

"أيام من حياتي".. استهتار بالعقول

تورد الصورة الثانية، الإخواني محمود دعبس، وهو يعطي درساً لزملائه المساجين، في مادة الطبيعة، وهي تختلف تماماً عن تلك الصورة التي أوردتها زينب الغزالي، القيادية الإخوانية الشهيرة، في كتابها "أيام من حياتي".

صورت الجماعة زينب الغزالي في المسلسل الذي أنتجته، بعنوان "أم الصابرين" الذي كتب له السيناريو والحوار أحمد عاشور، على أنّها "قديسة"، تقف ممسكة بسيف من خشب وتقول: "سأقتل كل أعداء رسول الله"!

في كتاب أيام من حياتي، بالغت الغزالي فيما جرى لها، وتحت عنوان "عبد الناصر يكرهني شخصياً"، قالت: أخذت الأوراق من السيدة فإذا هي قرار بحل المركز العام لجماعة السيدات المسلمات، وأخذت السكرتيرة تتحدث إليّ قائلة: طبعاً يا حاجة الأمر شديد بالنسبة لك، قلت: الحمد لله، ولكن ليس من حق الحكومة أن تحلّ الجماعة، إنّها جماعة إسلامية، أجابتني: لا أحد يقدر أن يقول للحكومة هذا، لقد بذلنا مجهوداً كبيراً جداً، ولكن عبد الناصر مصرّ على حلّ الجماعة، هو يكرهك شخصياً يا حاجة زينب، لا يطيق أن يسمع اسمك على لسان أي إنسان، عندما يذكر اسمك يثور ويغضب وينهى المقابلة، فقلت: "الحمد لله الذي جعله يخافني ويبغضني، وسننتصر بإذن الله، وأرخص ما نبذله لها أن نستشهد في سبيلها".

مأسستْ جماعةُ الإخوان تزوير الأحداث وتمريرها وإشاعتها في المجتمع

من يطلع على يوميات تعذيبها و"كراماتها" المزعومة في سجون عبد الناصر، لا يملك إلا أن يعجب لاستهتارها بعقل القارئ وجرأتها في ذلك، فتحت عنوان "الحجرة 24" كتبت: "ابتلعتني الحجرة فقلت: باسم الله السلام عليكم، وأُغلق الباب وأُضيئت الكهرباء قوية، إنها للتعذيب، الحجرة مليئة بالكلاب لا أدري كم، أغمضت عيني ووضعت يدي على صدري من شدة الفزع، وسمعت باب الحجرة يغلق بالسلاسل والأقفال، وتعلقت الكلاب بكل جسمي، رأسي ويدي، صدري وظهري، كل موضع في جسمي، أحسست أنّ أنياب الكلاب تغوص فيه.. فتحت عيني من شدة الفزع، وبسرعة أغمضتهما لهول ما أرى، ووضعت يدي تحت إبطي، وأخذت أتلو أسماء الله الحسنى مبتدئة بـ"يا الله يا الله"، وأخذت أنتقل من اسم إلى اسم، فالكلاب تتسلق جسدي كله، أحس أنيابها في فروة رأسي، في كتفي وفي ظهري، أحسها في صدري، في كل جسدي، ثم حدثت المعجزة، وفُتح الباب وأُخرجت من الحجرة، كنت أحسّ وأتصوّر أنّ الكلاب قد فعلت، لكن يا لدهشتي! الثياب كأن لم يكن بها شيء".

محمود دعبس وهو يعطي درساً لزملائه المساجين في مادة الطبيعة

القرضاوي يختلق روايات تعذيب

في الصورة الثالثة يظهر المحامي الإخواني، فتحي البوز، وهو يحمل اثنين من جماعة الإخوان، وهما طه عبدالنبي، ومحمد أحمد؛ حيث يلعبون معاً، كما في الصورة الرابعة، المحامي محمد كامل يقلب في مكتبته داخل السجن، وهو ما يخالف رواية الإخوان في كتاب القرضاوي، "الإخوان المسلمون، سبعون عاماً"؛ حيث صوّر عبدالناصر بالوحش والسفاح، والمتعطش للدماء، وروّج صوراً بشعة في تعذيب أفراد الجماعة.

فتحي البوز حاملاً اثنين من جماعة الإخوان هما: طه عبدالنبي ومحمد أحمد، حيث يلعبون معاً

لقد تبين أنّ السجون لم تكن أماكن تعذيب كما يشيعونه، فقد ذكر المرشد العام السابع للجماعة الراحل محمد مهدي عاكف أنّه كان رئيساً لفريق كرة القدم وممثلاً مسرحياً في السجن أيضاً، وكان الإخوان يقيمون معارض لوحات فنية زيتية، وأقاموا معسكراً دعوياً، يتدارسون فيه أمور الدين والحياة، ويتقابلون ويتناظرون ويتناصحون، ويؤلفون، وفي السجن الحربي ألّف عبدالقادر عودة كتابه "التشريع الجنائي"، وألف سيد قطب كتابه "في ظلال القرآن"، وهذا كله أورده، محمود عبدالحليم، في كتابه (قافلة السجون) في ص 787.

كامل بمكتبته داخل السجن، ما يخالف رواية القرضاوي بكتابه: "الإخوان المسلمون، سبعون عاماً"

يوسف ندا.. وتفجير قنبلة

عن كتاب "أيام من حياتي" المنسوب للقيادية الإخوانية الشهيرة زينب الغزالي، ذكر القيادي الإخواني السابق، ورئيس حزب الوسط المصري، أبو العلا ماضي، وفق شهادة د‏.‏محمد السعيد إدريس في مقال له في "الأهرام" في 1 نيسان (ابريل) 2014، أنّه تحدّث مع مسؤول العلاقات الخارجية في الجماعة يوسف ندا، الذي هرب قبل أن يُقبض عليه في محاولة اغتيال عبدالناصر، العام 1954، سأله "بالنسبة لروايات تعذيب الإخوان تستطيع أن تقول إنّها كانت صادقة وبأي نسبة؟ ويا ريت تخصص الحديث عن روايات التعذيب الواردة في كتاب "أيام من حياتي" الصادر باسم السيدة زينب الغزالي"، وهنا بالتحديد كانت القنبلة؛ إذ انفجر يوسف ندا ضاحكاً، وقال "أنا مؤلف هذا الكتاب"!

لقد ألّف ندا كل هذه التلفيقات عن سجون عبد الناصر، وهو هارب في أوروبا، وحين سأله أبو العلا، "كيف تروي وأنت بعيد تفاصيل أحداث العام 1965 التي تحدث عنها كتاب زينب الغزالي؟ أليس هذا محرّماً دينياً؟!"، فجاءت الصدمة الثانية عندما ردّ ندا: "اللي تغلب به العب به.. الحرب خدعة"!

الإخوان لا يتحرجون باختلاق وقائع لم تحدث طالما أنّ ذلك يخدم مصلحتهم

وفي هذا السياق يكشف الباحث في الحركات الإسلامية هيثم أبو زيد في تدوينته الشهيرة "قصة كذبة خالدة" على "فيسبوك" في 9 تشرين الأول (أكتوبر) 2013، قصة الوثيقة الزائفة التي لفقها أيضاً يوسف ندا ونشرت في كتاب "قذائف الحق" للشيخ محمد الغزالي، وتزعم أنّ الأجهزة الأمنية والمخابراتية في عهد الرئيس عبد الناصر وضعت خطة للقضاء علي جماعة الإخوان واستئصال وجودها، وتضمنت خطوات شديدة القسوة، تتجاوز محاربة الإخوان تنظيمياً وفكرياً إلى محاربة الدين الإسلامي والمتدينين من غير الإخوان.

ما سبق مجرد غيض من فيض يكشف كيفية التلفيق، نموذجاً للكذب لدى جماعة الإخوان، التي لم يكن لديها غضاضة في أن تختلق وقائع لم تحدث، طالما أنّ ذلك في مصلحتها، على اعتبار أنّها، وفق المستشار الإخواني الراحل، علي جريشة، جماعة المسلمين!

اقرأ المزيد...

الوسوم: