أين يقف الإنسان العربي؟

1342
عدد القراءات

2018-03-15

لا تفصل الإنسان عن أخيه الإنسان، مساحة جغرافية أو عرق، أو دين، إلا أنّ الإنسان العربي، يمتلك معضلاته الخاصة، القائمة حتى هذه اللحظة، ويبدو أنّ ما يجعله عربياً بحق، كونه غارقاً في التفكك؛ فربيعه رماد، وحياته موت، أما معاركه الفكرية فتتوقف أمام السلاح غالباً، وتؤول به وبمستقبله، إلى الدمار.

الموت الذي لم يعد مدهشاً، غزا المصطلحات والمفاهيم، كما غزا الأحلام والطموحات الفردية والجماعية، ثم تمثل على أرض الواقع، بقتل الناس وتهجيرهم وتدمير الذاكرة التي يطفو فيها الزمان والمكان؛ حيث تم تحويلها إلى أداة قتل مرعبة. وصار اختلال التوازن ظاهرةً للإنسان العربي، الواقف على أرضٍ لا ينتمي إليها، فهي أرض الغابرين، دفنوا فيها ما شاؤوا من رجال وأفكار.

ويعود الاختلال في التوازن، إلى عملية النبش المستمرة في الذاكرة، لاستخراج الجثث، جثث الرجال وأفكارهم، في محاولةٍ يائسة لإحيائها ضمن نموذج "صحوي" يرى فيه كثيرون أنه المنقذ.

إلا أنه وبتتبع الدمار المحيط بنا، يمكن الانتباه إلى كونه نموذجاً غير قابلٍ للعبور بنا نحو المستقبل، فالماضوية التي يتميز بها، لا تنفع للحاضر حتى، فهي تعمل على تسميمه، وتدس الموت في عروق حياتنا اليومية، ومن المعروف أن الحاضر، هو ذاك الذي يكون مستقبلياً دوماً، باستشرافه للمستقبل، واضعاً له الأسس الآن وفي كل لحظة، وليس ذاك الذي يستعيرها من الأمس البعيد.

تقوم بعض وسائل الإعلام بتقسيم أرض المستقبل وتحديد الفئات التي يحق لها أن تقف على أرضه ثم تتركها تتصارع فيما بينها

في أرض الواقع، المؤثثة بالحروب والطائفية وهبات العودة إلى الدين الصحيح والتراث الصحيح، وغيرها الكثير، يضيع المواطن العربي، ولا يعثر ضمن أي اتجاه من هذه الاتجاهات على طريق المستقبل. ثم إنه مشغولٌ بتحليل ما يجري حوله كل يوم، لكن، ليس كشريكٍ في الحدث، أو الفكرة، أو النتيجة حتى، إنما كفاعلٍ واعٍ، أو ضحية تعي أنها عرضةٌ للعنف والفناء في أي لحظة.

المثير للتشاؤم، أنّ الفاعل يبحث عن "وعي" مقدس، يبرر من خلاله تطرفه أو تصلبه في معتقداته أو أفكاره، وحتى جريمته إن ارتكبها، فباسم التكفير والدين، أو باسم الوطنية والحق والعقل. أما الضحية، فإما أنّه "يعي" كونه الطرف الآخر الذي يعرف أسباب موته المعنوية والفعلية، ولا ينتظر أحداً ليسرد عليه أسباب موته قبل أن يقتله، أو أنّه إن لم يكن الضحية، فيجب أن يدافع عن نفسه باتخاذه بديلاً وحيداً، ألا وهو أن يكون العدو.

طرفا المعادلة هذان؛ العدو والضحية، يتبادلان دوريهما وفق خطابٍ معلن، تعود مصداقيته ومنطقيته إلى حامل الخطاب، فالصرح الديني وممثلوه من بعض رجال الدين، لهم قداسة خطابهم التي تبيح الدم أحياناً، من خلال نصوص كاملة أو مجزوءة، يعتبرونها سابقة على الوجود، لذا فالوجود خاضع لها، مما يجعل أمرهم بالعنف أو القتل والتطرف لا جدال فيه.

الموت الذي لم يعد مدهشاً، غزا المصطلحات والمفاهيم، كما غزا الأحلام والطموحات الفردية والجماعية

من جهتهم، يعمل السياسيون عموماً على وصف الواقع بمصداقية أو منطقية خاضعةٍ لمصالحهم أو مصالح المؤسسات والدول التي يمثلونها. وكما تتيح لنا المسألة السورية من مثل، فإن أعداد القتلى وطرق وأسباب موتهم، متاحة ومبررة بالقدر الذي يخدم مصلحة أي طرف، ولا يتورع أي من هذه الأطراف أن يحيل ما يحصل من تجريفٍ للإنسان والمكان، إلى الحرية، أو الوطنية، أو الحفاظ على مفهوم الدولة، ولعلّ التاريخ يحميهم حين يجعلون من عرقٍ أو طائفة دينية أو جماعة أيديولوجية، مجموعة من المجرمين الواجب التخلص منهم عبر التاريخ.

ولعل التاريخ مرن، ليس ثابتاً كما يوحي هؤلاء، فهو ينتج في لحظة حصوله وكتابته، التي تتم غالباً خلال ما يتزامن معه من أحداث ووقائع، إن صح التعبير، أما أن يولد الإنسان العربي اليوم، ويجد تاريخه مستعاراً من الماضي، مكتوباً وخالصاً، فإنه محكومٌ بالولادة ميتاً؛ إذ إنّ إنسان الماضي ولّى، ولا مكان لإنسان الحاضر في حاضره!

النقد بدوره يستخدم بصورةٍ ماضوية مرعبة إذ لا يتجاوز هنا معناه الإغريقي القديم المتمثل بـإصدار الحكم

أما من يوصف بـ "إله العصر الجديد" مجازاً، ويقوم بالتوجيه، والأحكام، ويوظف الدين والسياسة والفكر والتاريخ بصيغته الماضوية الصلدة وقوداً لكل ما يحصل، فهو الإعلام العربي في بعض أشكاله المعاصرة؛ إذ يقوم على مفهومي الوصف والنقد.

وعلى صعيد مفهوم الوصف، يعمل على شيطنة أو تقديس حامل الخطاب، كما يعمل بكل "ثقة" على تقديس الفاعل أو شيطنته، وينسحب هذا على الضحية أيضاً، ولا أقرب من أطفال خان شيخون في سوريا العام الماضي، الذين عرضت جثثهم على الشاشات المختلفة، كمادةٍ لتبادل الاتهامات، وتم استخدامهم بصورةٍ مؤثرةٍ وقوية على مواقع التواصل الاجتماعي من قبل كل طرفٍ يود الهجوم على الآخر. إلى أن أصبح هؤلاء الأطفال ضحايا الجميع ومجرد أعدادٍ تضاف إلى نشرات الأخبار والصور، ولكن أحداً لم يعترف بحقهم الأصلي بالنجاة والمضي نحو المستقبل.

النقد بدوره، يستخدم بصورةٍ ماضوية مرعبة؛ إذ لا يتجاوز هنا معناه الإغريقي القديم، المتمثل بـ "إصدار الحكم"؛ حيث شهدت شاشاتنا تهماً سياسية ودينية وطائفية كثيرة، حشدت كل ما تحتاجه من أسلوب عرضٍ للوقائع ولعبٍ بالصور وتوجيه للمتلقي، حتى تشحنه ليكون محرضاً، أو ضحية، أو قاتلاً، ومن المهم، ألا ينظر للمستقبل في حدود التعددية والجماعات البشرية التي تتكاتف لتبقى حرةً وحية، تتمتع بالتقدم والعدالة، وتتبادل المعرفة اللانهائية؛ إذ تصور دوماً أن هنالك فئة ما، شخصاً ما، يجب أن يهلك، إنها تقوم بتقسيم أرض المستقبل وتحديد الفئات التي يحق لها أن تقف على أرضه، ثم تتركها تتصارع فيما بينها، من يقتل، ولا بد أن يكون طرف ما على حق يبرر له جريمته، أما ذاك الذي لا ينجو، فهو "مجرم أو ضال أو جاهل"، ولن يصل!

اقرأ المزيد...

الوسوم: