
خسرت حركة النهضة الإخوانية، خلال السنوات السبع التي أعقبت وصول قيس سعيّد إلى الرئاسة التونسية جانبًا كبيرًا من نفوذها السياسي الذي راكمته منذ عام 2011، بعدما تحولت من قوة رئيسية داخل البرلمان والحكومات المتعاقبة إلى تنظيم يواجه أزمة قيادية وقضائية، وتراجعًا في قدرته على الحشد والتحرك العلني.
ومع قرارات 25 يوليو 2021، التي أنهت مرحلة هيمنة الحركة على المؤسسات، بدأ مسار غيّر قواعد اللعبة السياسية وأغلق أمامها أبوابًا كانت تستخدمها للتأثير في القرار الوطني.
ولم يكن التحول مقتصرًا على خروج النهضة من الحكم، بل امتد إلى البنية التي استندت إليها في ممارسة نفوذها، من المواقع البرلمانية والتحالفات الحكومية إلى المقار والقيادات وشبكات التعبئة.
ومع إقرار دستور 2022 وتغيير النظام السياسي، فقدت الحركة أدواتها التقليدية في إدارة الصراعات داخل مؤسسات الدولة، فيما وجدت قيادات بارزة نفسها أمام ملاحقات قضائية وأحكام بالسجن، وتراجع حضورها في الشارع التونسي.
وقد تناول تقرير «العين الإخبارية» هذه التحولات، مستندًا إلى تصريحات الناشطين السياسيين خالد بالطاهر وزياد القاسمي، اللذين تحدثا عن تراجع نفوذ النهضة وتفاقم أزمتها التنظيمية. وتكشف الوقائع التي شهدتها تونس منذ عام 2021 أن الحركة لم تخسر مواقعها الرسمية فحسب، بل تواجه أيضًا صعوبة في استعادة المبادرة وبناء حضور يوازي ما تمتعت به خلال سنوات مشاركتها في الحكم.
من السيطرة على البرلمان إلى خسارة مفاتيح الحكم
مثّل صعود النهضة بعد عام 2011 مرحلة توسع سياسي مكّنتها من احتلال موقع متقدم داخل المؤسسات المنتخبة، والمشاركة في تشكيل الحكومات، وفرض نفسها طرفًا رئيسيًا في التحالفات السياسية. وعلى الرغم من تراجع رصيدها الانتخابي في السنوات التالية، ظلت الحركة قادرة على التأثير في موازين البرلمان وتوجيه جانب من النقاش السياسي.
وجاءت قرارات قيس سعيّد في 25 يوليو 2021 لتقلب هذه المعادلة، حيث جُمّد عمل البرلمان، وأُقيلت الحكومة، ثم مضت السلطة نحو إعادة تشكيل النظام السياسي. وبذلك خسرت النهضة المساحة الأهم التي استخدمتها لسنوات في التأثير في التشريع وتشكيل الحكومات والتفاوض على المواقع والنفوذ.
ومع دستور 2022 والنظام الانتخابي الجديد، تراجعت مكانة الأحزاب التقليدية، وانتهت الصيغة السياسية التي منحت النهضة قدرة واسعة على المناورة داخل البرلمان. ولم تعد الحركة قادرة على توظيف الكتل والتحالفات بالطريقة نفسها، بعدما انتقلت مراكز القرار إلى نظام سياسي مختلف عن ذلك الذي تشكل بعد الثورة.
وكان هذا التحول ضربة مباشرة للمشروع السياسي الذي اعتمد على المشاركة الطويلة في المؤسسات والاحتفاظ بنفوذ مؤثر داخلها.
قيادات خلف القضبان ومقار مغلقة
ترافقت خسارة النفوذ السياسي مع ملاحقات قضائية طالت عددًا من قيادات النهضة، وفي مقدمتهم رئيسها راشد الغنوشي، الذي أوقف في أبريل 2023، إلى جانب شخصيات بارزة أخرى في الحركة. كما أغلقت السلطات مقار للنهضة ومنعت أنشطة واجتماعات مرتبطة بها، ما ضيّق مساحة عملها العلني وأضعف قدرتها على إدارة تحركاتها من داخل البلاد.
وتنوعت الملفات القضائية التي طالت قيادات الحركة بين قضايا تتعلق بالتآمر على أمن الدولة، والاغتيالات السياسية، وتسفير مقاتلين إلى بؤر التوتر، وملفات مالية. وقد أسهم تراكم هذه القضايا في وضع القيادة أمام ضغوط متزامنة، في وقت يوجد فيه عدد من أبرز الشخصيات في السجون أو خارج تونس.
وتشير تقارير حقوقية وإعلامية إلى أن هذه التطورات أضعفت قدرة الحركة على إعادة ترتيب صفوفها، وقلصت هامش تحرك قياداتها. فالتنظيم الذي يفقد شخصياته الأكثر نفوذًا، ويواجه إغلاق مقاره وتقييد نشاطه، يصبح أمام تحديات كبيرة في الحفاظ على التواصل الداخلي وتوزيع الأدوار وإعداد قيادة بديلة.
ولا تتعلق الأزمة هنا بمصير أفراد فقط، بل بقدرة النهضة على مواصلة العمل بوصفها تنظيمًا سياسيًا مركزيًا، خصوصا أن غياب قيادات مؤثرة، وتراجع النشاط العلني، والضغوط المتواصلة، عوامل تضرب أدوات التنظيم وتحد من قدرته على التحرك بالزخم الذي عرفه في سنوات صعوده.
انحسار شعبي بعد سنوات الحكم
لم تبدأ أزمة النهضة في يوليو 2021، بل سبقتها مؤشرات على تراجع شعبيتها، مع تزايد الانتقادات لأدائها خلال سنوات مشاركتها في الحكم، واستمرار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتكرار الصراعات بين الأحزاب، وقد كشفت النتائج الانتخابية السابقة عن تقلص قاعدتها مقارنة بالسنوات الأولى بعد الثورة، قبل أن تفقد مواقعها المؤسسية لاحقًا.
وبعد قرارات سعيّد، لم تتمكن الحركة من استعادة حضور انتخابي يعوض خسارتها للبرلمان والحكومة. كما قاطعت النهضة عددًا من الاستحقاقات السياسية التي أعقبت تغيير النظام، ولم تظهر مؤشرات على عودتها إلى موقعها السابق بوصفها القوة التي تتصدر المنافسة الحزبية وتفرض نفسها في تشكيل السلطة.
ويرى ناشطون سياسيون تحدثوا إلى «العين الإخبارية» أن الحركة تواجه تراجعًا في قدرتها على الحشد، إلى جانب أزمة تنظيمية وقيادية جعلت استعادة النفوذ أكثر صعوبة. وتبدو هذه الأزمة أعمق من مجرد خسارة انتخابات، لأنها تتصل بالصورة التي ترسخت عن الحركة خلال سنوات الحكم، وبقدرتها على إقناع التونسيين بأنها تستطيع العودة إلى السلطة من دون إعادة إنتاج أسباب الأزمة السابقة.
محاولات العودة عبر المعارضة
ومع انحسار نفوذها المباشر، تحاول النهضة المحافظة على موطئ قدم في المشهد السياسي من خلال التحرك ضمن أطر المعارضة والتقاطع مع احتجاجات ومبادرات تقودها قوى أخرى. ويأتي هذا المسار في ظل تراجع قدرتها على تنظيم تحركات مستقلة واسعة، ما يجعل المشاركة في تحركات مشتركة إحدى الوسائل المتاحة لها للبقاء في المجال العام.
وفي تقرير سابق نشرته «العين الإخبارية» في سبتمبر 2026، تناول الموقع محاولات النهضة استعادة الحضور عبر التحركات الاحتجاجية، مشيرًا إلى سعيها للاستفادة من الملفات الاجتماعية والاقتصادية والقضايا التي تحظى بتعاطف شعبي، واعتبر الموقع أن الحركة تحاول كسر عزلتها، بينما تواجه صعوبة في استعادة الثقة التي فقدتها خلال سنوات وجودها في الحكم.
وتكشف هذه المحاولات عن مأزق الحركة: فهي تحتاج إلى الظهور كي لا تتحول إلى تنظيم محاصر داخل أزماته، لكنها لا تزال تواجه صعوبة في إقناع قطاعات واسعة من التونسيين بقدرتها على العودة إلى مركز القرار. كما أن الوجود في احتجاجات تضم قوى مختلفة لا يمنحها تلقائيًا القدرة على قيادتها أو توجيهها، خصوصًا في ظل تراجع حضورها المستقل.
هل انتهى نفوذ الإخوان في تونس؟
بعد سبع سنوات على وصول قيس سعيّد إلى الرئاسة، تبدو النهضة بعيدة عن موقع الهيمنة الذي تمتعت به في مرحلة ما بعد 2011. فقد خسرت البرلمان والحكومات، وتراجعت قدرتها على التأثير في مؤسسات الدولة، وتعرضت قيادتها لضربات قضائية وتنظيمية، بينما تواجه صعوبة في استعادة حضور شعبي واسع أو بناء تحالفات قادرة على إعادتها إلى مركز المشهد.
ويؤكد هذا التحول أن نفوذ الحركة لم يكن قائمًا على حضور انتخابي فحسب، بل على شبكة من المواقع داخل المؤسسات والتحالفات التي مكّنتها من التأثير في القرارات السياسية. ومع تفكك هذه الأدوات، باتت النهضة أمام واقع مختلف، لا يكفي فيه استدعاء إرثها السياسي أو المشاركة في تحركات المعارضة لاستعادة مكانتها السابقة.
هذا وقد نجح مسار ما بعد يوليو 2021 في إنهاء هيمنة النهضة على مؤسسات الحكم، ووجّه ضربة قاسية إلى بنيتها القيادية والتنظيمية. أما التحدي الذي تواجهه الحركة اليوم فهو تجاوز العزلة واستعادة القدرة على العمل السياسي، في ظل إرث ثقيل من سنوات الحكم وتراجع شعبيتها وتواصل الضغوط القضائية.
وحتى الآن، لا تشير التطورات إلى عودة قريبة للنهضة إلى مستوى النفوذ الذي تمتعت به قبل قرارات سعيّد، بل إلى مرحلة انحسار عميقة باتت فيها الحركة منشغلة بالحفاظ على ما تبقى من حضورها أكثر من قدرتها على فرض أجندتها على المشهد التونسي.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%B3.jpg.webp?itok=5EiTnIBZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_8.jpg.webp?itok=FYINImZQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A72_0.png.webp?itok=gcEkmCaY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_15.jpeg.webp?itok=w7Q9vKDd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%A9_9.jpg.webp?itok=VyDhG19v)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%863_0.jpg.webp?itok=Z_GLx3M-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1_11.jpg.webp?itok=RXW7Z1KD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%862_4.jpg.webp?itok=ktwUSyO1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D9%85%D8%A7%D8%B3_0.png.webp?itok=9N0ON6df)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_2_1.jpg.webp?itok=e_F0F3EZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A911.jpeg.webp?itok=GJtFDhop)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_13.jpg.webp?itok=BSEQt7fN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D9%8A%D8%B30_2.jpg.webp?itok=3AR9ZyXH)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_136.jpg.webp?itok=CrSbMw9-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B4%D8%A7%D9%84_3.jpg.webp?itok=aKcww81v)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A910%20%D8%B3.jpg.webp?itok=Hi99sLo0)





![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%88%D8%B2%D9%8A_2.png.webp?itok=zIM7ZHbc)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_11.jpg.webp?itok=XKFZ_04A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_21.jpg.webp?itok=7QoqemGI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%860_3.jpg.webp?itok=nAqwYt3Q)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_7.jpg.webp?itok=wRDX_4Wm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D8%A7%D9%8A_0.jpg.webp?itok=SXMpXSdR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)
