
أسامة أحمد المصطفى
ثمة مفارقات في السياسة السودانية تصلح لأن تُدرَّس في معاهد الكوميديا السوداء؛ لا لفرط طرافتها فحسب، بل لأن مأساتها أعمق من أن تُروى بوجه عابس.
ففي هذا المسرح المأزوم، قد يرفض المرء باب النجاة حين يُفتح أمامه، ثم يبعث برسالة يعلن فيها استعداده للوصول إلى بر الأمان!
خرج الفريق أول عبد الفتاح البرهان، عبر منصة (إكس)، برسالة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يعلن فيها التزام السودان، أو بالأحرى السلطة المرتبطة بالجيش، بجهود السلام التي ترعاها واشنطن، واستعداده للعمل (بنية صادقة) من أجل سلام عادل ودائم يصون السيادة والوحدة والكرامة. وهي عبارات أنيقة، لو كانت السياسة تُقاس ببلاغة الكلمات وحدها، لكفت لإسكات المدافع وإعادة الطمأنينة إلى البيوت المكلومة. لكن السياسة، لسوء حظ الخطب المنمقة، لا تُقاس بما يُكتب على المنصات، بل بما يحدث على الأرض.
وهنا يبرز السؤال الذي يضع الرسالة أمام مرآتها، إذا كانت واشنطن قد طرحت، وفق المعطيات المتداولة في هذا السجال، مبادرات متكررة ثلاث مرات لوقف إطلاق النار، وقبلت بها حكومة السلام والتحالف التأسيسي، بينما رفضتها حكومة بورتسودان المرتبطة بالجيش، فكيف يستقيم إعلان الاستعداد للسلام مع رفض أولى بواباته؟
إنها مفارقة تشبه من يقف أمام باب النجاة، ثم يعلن استعداده للوصول إلى بر الأمان، شريطة ألا يُفتح الباب! أو من يستنجد برجال الإطفاء لإنقاذ منزله، ثم يدخل معهم في جدل عقيم حول شرعية الماء، ومصدر الخرطوم، ومن يستحق التصفيق بعد انطفاء الحريق. وحين تتحول أبجديات السلام إلى مادة للمساومة، يصبح السؤال مشروعًا، هل المطلوب إنهاء الحرب، أم الحصول على شهادة دبلوماسية بحسن النية مع إبقاء أبواب الحرب مشرعة؟
ولعل أكثر ما يستحق التأمل في المشهد أن الرسالة الموجهة إلى واشنطن تستحضر السيادة والوحدة والكرامة، وهي قيم لا ينازع أحد في ضرورتها. لكن أليست كرامة المواطن السوداني أولى بأن تُصان بوقف نزيف الدم؟ أليست سيادة الدولة أكثر رسوخًا حين تحمي أبناءها من ويلات الحرب، وتفتح الطريق أمام تسوية سياسية تنهي المأساة؟
فالسيادة ليست مظلة تُرفع في وجه المبادرات، ثم تُطوى حين يحتاج الناس إلى الأمن والغذاء والدواء. والسلام ليس شهادة حسن نية تُعلَّق على جدار الدبلوماسية، بل التزام عملي تُختبر جديته عند اللحظة التي يصبح فيها وقف النار ممكناً.
أما واشنطن، التي تبدو في هذا المشهد كأنها تلوّح بعصا الدبلوماسية، فإن رسالتها الأهم ليست في عدد المرات التي تطلب فيها وقف إطلاق النار، وإنما في قدرتها على تحويل مطالبها إلى مسار واضح، بمعايير معلنة ومساءلة متسقة. فالوساطة التي تكتفي بتكرار النداء قد تتحول، من حيث لا تريد، إلى شاهد على استمرار المأساة، أما الوساطة الفاعلة فتجعل من التعهدات التزامات، ومن الرفض موقفاً له تبعات سياسية ودبلوماسية محددة.
وليس المقصود هنا مصادرة حق أي طرف في مناقشة شروط التسوية أو ضماناتها، بل التمييز بين التفاوض على تفاصيل السلام، وبين تعطيل المبدأ الذي يمنح التفاوض فرصة للحياة. فثمة فرق شاسع بين من يختلف على الطريق المؤدي إلى وقف الحرب، ومن يجعل الطريق نفسه متاهة لا تنتهي ويمارس الفهلوة عندما ترفع العصا .
إن السودان لا يحتاج إلى سباق في فصاحة البيانات، ولا إلى مبارزة في تجميل المواقف، بل إلى شجاعة سياسية تضع مصلحة المواطنين فوق حسابات الغلبة، وتدرك أن الانتصار الذي لا يفضي إلى سلام قد يتحول إلى هزيمة مؤجلة للجميع ، وعدم إدراك حكومة بور تسودان بذلك فيما تعتنقه حكومة السلام مفارقة جعلت الولايات المتحدة تدرك التفاصيل بهدوء وترفع العصا بالتدريج .
عصا واشنطن ، ستفرض السلام على الذين يعصون مسارات السلام ، ولا بد أن تلتقي إرادة الضغط الخارجي بإرادة سياسية داخلية كما تفعل حكومة السلام لتضع حداً للحرب. وإلى أن يحدث ذلك ، ستظل البلاغة الدبلوماسية تسير في اتجاه، بينما يمضي واقع حكومة الجيش السوداني في اتجاه آخر، وبين الاتجاهين يقف شعبٌ أنهكته الحرب، لا يحتاج إلى مزيد من الوعود، بل إلى نهايةٍ تليق بحقه في الحياة . وعصا واشنطن ومهانة البرهان تبدو جلية حين يطلب السلامَ من يرفض شروطه الأولى!
أما (عصا واشنطن)، إن استُخدمت بوضوح واتساق، فقد تتحول إلى أداة ضغط تدفع الرافضين إلى مسار السلام، لكنها لن تصنع سلامًا مستدامًا وحدها ما لم تلتقِ الإرادة الدولية بإرادة سياسية سودانية جادة تنحاز إلى وقف الحرب وحماية المدنيين والتسوية السلمية. وإلى أن يحدث ذلك، ستظل البلاغة الدبلوماسية تسير في اتجاه، بينما يمضي واقع الحرب في اتجاه آخر، وبين الاتجاهين يقف شعب أنهكته المأساة، لا يحتاج إلى مزيد من الوعود، بل إلى نهاية تليق بحقه في الحياة.
وهكذا تبقى المفارقة عنوانًا للمشهد، حين يطلب السلامَ من يرفض شروطه الأولى، وتصبح عصا واشنطن امتحانًا لخطاب البرهان، لا بديلًا عن امتحان الضمير والمسؤولية أمام الشعب السوداني.
العين

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_29_0.jpg.webp?itok=VyyaShEc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%B3%D9%8A_12.jpg.webp?itok=UWgE6EIY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_73_1.jpg.webp?itok=1TfplQE3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A_0_0_1_0.jpg.webp?itok=migN2mfs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_73_2_0.jpg.webp?itok=GPrcq9-9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_13.jpeg.webp?itok=wpNqtjFn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D8%A7%D8%A7%D9%86_0.jpg.webp?itok=ukUw4hBj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_6.jpg.webp?itok=EGVPSMny)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_4.jpg.webp?itok=LHsUweHp)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_2.jpg.webp?itok=z80nce-F)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%B1_10.jpg.webp?itok=TWt-7yP6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_10.jpg.webp?itok=t1OOJdBi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B7%D9%8A%D9%86.jpg.webp?itok=tomNL9Hw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D8%A7%D9%8A_0.jpg.webp?itok=SXMpXSdR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_2_0.jpg.webp?itok=C_C1sOk9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86-1_0_4_2_0_1.png.webp?itok=x3fAIRPk)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%83%D8%A7%D8%A1_0.jpg.webp?itok=zmMt-g73)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%88%D8%B2%D9%8A_1.png.webp?itok=c6CKq9bt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_19.jpg.webp?itok=tsPUuxGM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%88%D9%83%D8%B3%D9%84.jpeg.webp?itok=GEMUsrl5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132.jpg.webp?itok=XtB3llMF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_7.jpg.webp?itok=I6xdJcur)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84%200.jpg.webp?itok=wkrtYvi9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_14.jpg.webp?itok=aSKivHsG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)
