لماذا اغتال الإسلاميون رموز التنوير؟

لماذا اغتال الإسلاميون رموز التنوير؟

مشاهدة

27/02/2018

عندما نكبت مصر والعالم الإسلامي بدعاوى دعاة من يسمون رواد المشروع الإسلامي الحضاري، الذين يدّعون استعادة أمجاد الأمة، والإجابة عن السؤال الوجودي: لماذا تخلّفنا وتقدّم غيرنا، كانت قد انطلقت مع بداية القرن العشرين موجات من الوعي والتنوير، استندت بالأساس إلى إغلاق الباب أمام الأساطير والأوهام، وفتح الباب للعلم والتفكير المتحرّر من قيود الخرافة، أيًّا كان اسمها وشكلها، ومع تبلور حركة فكرية تقدمية برزت رموز التنوير التي حملت عبء إلقاء أوّل حجر في بحيرة حياتنا الفكرية والثقافية الراكدة، وبزغت شموس أضاءت بكتاباتها وإسهاماتها العديد من المساحات المعتمة في حياتنا؛ أدباً وشعراً وفكراً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

اتهم الإسلاميون السيد بترجمة أرسطو للعربية ويا لها من تهمة فهم يكرهون الفلسفة والمنطق الذي يكشف تهافت روايتهم

مثّلت هذه النخب الوطنية المتحررة من الخرافة، والمفتوحة الأعين والعقول على تراث البشرية الواسع، تحدياً أمام مشروع الإسلاميين الذين لم يجدوا الساحة خالية لينفردوا بالعقل والوجدان العربي والمسلم، ومن ثم كانت المهمة العاجلة في وعي هؤلاء هي الشروع في عملية اغتيال معنوي لرموز التنوير، لإسقاطهم في عيون الناس، وتقديم رموز جديدة مؤدلجة، تنتمي إلى هذا المشروع الجديد، تحتلّ مكان الصدارة في توجيه العقول والقلوب، من ثم بدأت كتابات تمهّد لهذا الأمر مع كتائب من عناصر تلك الجماعات، التي تلقّفت تلك الدعاية السوداء ونشرتها بين الناس، في هذا السياق برزت كتابات مثل كتاب "رجال اختلف فيهم الرأي" للصحفي والكاتب الإخواني أنور الجندي، الذي حاول فيه اغتيال رموز وطنية وفكرية تعتزّ بهم الأمة، وتحتفظ لهم بمكانة راسخة في القلوب والعقول، وقد حفظت الثقافة العربية إسهاماتهم الفريدة التي حفرت تياراً فكرياً مايزال مؤثراً رغم قلّة الناصر والعدد والعدة.

من تلك الرموز التي هاجمها الجندي بضراوة وحقد لافت؛ أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد، الذي عدّ من مثالبه أنّه أنشأ حزب الأمة، الذي وسمه بأنه "صنيعة بريطانية"، تلك التهمة السهلة التي يصحّ في وصفها القول: رمتني بدائها وانسلّت، فمن المعروف أنّ جماعة الإخوان هي التي كانت صنيعة بريطانية، بشكل أو بآخر، سبيلاً لإضعاف الرّابطة الوطنية في مصر.

يواصل الجندي اغتيال الرجل ورميه بالتهم، بطريقة شعبوية، تماماً كما فعل أحد الخبثاء في مؤتمر انتخابي لأحمد لطفي السيد، عندما سأله أمام حشد انتخابي: ألست ديمقراطياً؟ فردّ الرجل: بلى أنا ديمقراطي، وكان قد أخبر قبلها هؤلاء البسطاء بأنّ الديمقراطية شرّ مستطير، وعدوان على الدّين، وكفر به.

يقول الجندي في معرض الذّم لأحمد لطفي السيد "اسم لمع لمعاناً شديداً، وخدع به كثيرون، وكان لامتداد العمر، وتغير الأوضاع، واقتناص بعض الفرص التي جاءت بها الظروف، عاملاً من عوامل القداسة التي منيت بها مثل هذه الشخصيات، رغم فساد جوهرها"، تأمّل الصياغات جيداً، تجد فيها ذلك النفس المعروف لأعضاء الجماعة، في الحقد على كلّ من يبرز خارج أسوار جماعتهم، متفرداً في التكوين والفعل، هل يوجد أستاذ غير البنّا؟! لا ينبغي، ثم يحاول تصوير هذا الحضور لشخصية لطفي السيد، على أنّه لم يكن نتاج موهبة أو تفرد؛ بل هو نتاج ظروف يحاول الإشارة المبهمة لها، ليصل، في النهاية، إلى الحكم على الرجل بفساد الجوهر؛ أي الدّاخل الذي احتفظ الإخوان تاريخياً لأنفسهم، مع الحق -تبارك وتعالى- برؤيته والحكم عليه.

جماعة الإخوان هي التي كانت صنيعة بريطانية، بشكل أو بآخر، سبيلاً لإضعاف الرّابطة الوطنية في مصر

لم يغفر الإسلاميون لأحمد لطفي السيد، حرصه على توطين المناهج العلمية في البحث، والانتصار للفلسفة والمنطق، لذا أصبح من أخطر التهم التي اتهموا الرجل بها؛ أنّه ترجم أرسطو للعربية، ويا لها من تهمة؛ فالإسلاميون لا يكرهون شيئاً كما يكرهون الفلسفة والمنطق، الذي يكشف تهافت روايتهم وأطروحاتهم من الأساس.

لم يغفر الجندي وجماعته للرجل تأكيده على الرابطة الوطنية، وإلحاحه على خلق تلك الروح وتدعيمها في نفوس المصريين، مقابل الدعوات التي ألحّت على طمس تلك الروح والذوبان في القومية التركية، تحت لواء الدعاية لخلافة آل عثمان، كما يريدون.

لم تفلت رموز وطنية أخرى من القصف الإخواني؛ حيث طال هذا القصف، وضمن هذا الكتاب أيضاً، زعيم ثورة 1919 سعد زغلول، الذي احتفظ له الوجدان المصري، والتاريخ أيضاً، بمكانة لائقة بجهاده في سبيل أمته، سعد زغلول الذي خرجت الأمة بكلّ أطيافها تدعمه وتؤيده وتفوضه، أصبح لدى هؤلاء، وببساطة، رجلاً يعاقر الخمر، مدمناً على الميسر، الذي يدّعون أنه أجهز على ثروته التي كوّنها من المحاماة، وكانت لا تقلّ عن 400 فدان و18 ألف جنيه، فضلاً عمّا ورثه عن صهره مصطفى فهمي، الذي كان يملك 648 فداناً و8600 جنيه، حرص الجندي على ذكر تلك المبالغ والأرقام، ليخدع بها الأبصار والعقول، مضيفاً لتلك التهمة تهماً أخرى؛ حيث جعل الرجل تلك الشخصية الخادعة التي كان لها دور في تجميد اللغة العربية، وإتاحة الفرصة للغة الإنجليزية بوزارة المعارف، الرّجل يخدع عقولنا مهدراً حقيقة أنّ السلطة الفعلية في البلاد، كانت سلطة الاحتلال التي كان يناهضها زغلول، ولا زلت أذكر تلك المقدّمة البديعة التي كتبها سعد زغلول لكتاب "وحي القلم" للرافعي، التي كانت تنضح حبّاً للغة الضاد، وإتقاناً لها، واعتزازاً بها وبفنونها، ثمّ يواصل الجندي افتراءاته باتهام زغلول بالصلة الشخصية بالمعتمد البريطاني كرومر.

خطة الإخوان في الاغتيال حريصة على أن تطال كلّ المؤثرين في مسيرة  الشعب سياسياً وفكرياً واجتماعياً

تبدو خطة الإخوان في اغتيال تلك الرموز حريصة على أن تطال كلّ المؤثرين في مسيرة هذا الشعب، سياسياً وفكرياً واجتماعياً، لذا اختاروا سعد زغلول، الرمز السياسي، وأحمد لطفي السيد الرمز الثقافي والمفكّر، ثمّ قاسم أمين رائد حركة تحرير المرأة المصرية، الذي اتّهموه بأنّه كان عراباً لحركة تحرير المرأة، التي لم تكن سوى مؤامرة استعمارية استهدفت تدمير الأسرة المسلمة، وتحطيم البيت المسلم، مدّعين أنّه تراجع عن كلّ ما قاله وكتبه، بعد سبعة أعوام من زوال سلطة اللّورد كرومر، الذي اتّهموه بأنّه كان وراء تلك الكتابات التي كتبها تحت تأثير نازلي فاضل، ربيبة كرومر، وهكذا، دون خلق أو ضمير، تختزل مسيرة رائد من رواد النهضة العربية، كقاسم أمين، بأنّه كتب ما كتب استرضاء للورد كرومر، وسيدة كانت صاحبة تأثير عليه، وهكذا الخصومة مع الإخوان، خصوصاً في مواجهة رواد التنوير، تبدو حرباً لا تعرف أيّة معايير دينية أو أخلاقية، فأي شيء يعاند زحفهم المقدّس لا يتردّدون في العصف به، سواء كان ذلك بالاغتيال المعنوي، أو حتى المادي، إن لزم الأمر.

الصفحة الرئيسية