أوروبا في مواجهة الإخوان... ما دوافع التحول الحاسم؟

أوروبا في مواجهة الإخوان... ما دوافع التحول الحاسم؟

أوروبا في مواجهة الإخوان... ما دوافع التحول الحاسم؟


15/10/2026

لم يعد التحرك الأوروبي المتصاعد ضد شبكات جماعة الإخوان المسلمين مجرد استجابة أمنية ظرفية لهواجس التطرف، بل بات يعكس تحولاً جيوسياسياً وفكرياً عميقاً في مقاربة القارة الأوروبية لظاهرة الإسلام الحركي برمتها؛ فبعد عقود من التسامح، وفتح المجال العام، واحتضان قيادات التنظيم بوصفهم معارضة سياسية ملاحقة في الشرق الأوسط، بلغت السياسات الأوروبية في عام 2026 ذروة قطيعتها مع هذه التركة. 

وتُوّج هذا المسار بالقرار التاريخي للبرلمان الأوروبي الرامي إلى بلورة استراتيجية موحدة لمحاصرة التغلغل الإسلاموي، وتجفيف المنابع المالية لشبكات الإخوان، وإخضاع واجهاتها لتدقيق مؤسسي صارم.

هذا التحول الاستراتيجي يفرض طرح أسئلة محورية تتجاوز الصياغات الإجرائية للقرارات :ما الذي دفع صانع القرار الأوروبي إلى هذا التشدد غير المسبوق؟ ولماذا انفجر هذا الحسم في هذا التوقيت تحديداً؟ وما المسارات المتوقعة لمعادلة الاشتباك بين بروكسل والتنظيم؟ وهل تمتلك أوروبا الأدوات الكافية لتقويض شبكة عنكبوتية متجذرة استثمرت لعقود في التخفي خلف قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان؟

دوافع الاستدارة الأوروبية... تفكيك أسطورة" التطرف المعتدل"

تكمن الدوافع الجوهرية لهذا التحول في تبدد الوهم الذي سيطر على النخب الغربية طويلاً، القائم على الفصل الحاد بين الإرهاب العنيف وما يُسمّى بـ" الإسلام السياسي المعتدل"؛ فالتقارير الاستخباراتية والأبحاث الأكاديمية الصادرة في فرنسا وألمانيا والنمسا وبلجيكا والسويد انتهت إلى خلاصات متطابقة تؤكد أنّ التيارات الحركية، وفي مقدمتها تنظيم الإخوان، تمارس خطراً لا يقلّ فداحة عن العنف المسلح، يتمثل في هندسة" الانفصالية المجتمعية" (Séparatisme) .

وتقوم هذه الانفصالية على بناء مجتمعات موازية داخل النسيج الوطني، وتغذية الاغتراب القيمي لدى الأجيال الشابة من المسلمين، وتقويض أسس العقد الاجتماعي العلماني والديمقراطي عبر التشكيك في مرجعية القوانين المدنية.

وقد تكشفت لدى الأجهزة الرقابية خطورة ما يُعرف بـ" التغلغل المؤسسي الناعم"  (Entryism)؛ إذ لم تعد الجماعة تكتفي ببناء المساجد والمراكز الوعظية، بل تمددت ببراعة لاختراق الجامعات، والمجالس البلدية، والهيئات الاستشارية، والمنظمات المناهضة للتمييز.   

واستعارت الشبكات الإخوانية المعاجم الليبرالية، مثل التنوع وحقوق الأقليات، لتمرير خطاب محافظ ومتشدد يحاصر الحريات الفردية، ويهمّش التيارات المسلمة الإصلاحية والعلمانية. وفوق ذلك، شكّل اصطدام أدبيات الجماعة الموروثة بالثوابت الدستورية الأوروبية ـ لا سيّما في ملفات المساواة بين الجنسين، والحريات الفردية، وتصاعد معاداتها للسامية ـ دافعاً حاسماً لنزع الشرعية الأخلاقية عن تلك الواجهات ووقف التعامل معها كشريك مدني.

لغز التوقيت... لماذا تحسم العواصم الأوروبية معركتها الآن؟

إنّ تصاعد وتيرة الإجراءات الحاسمة وصولاً إلى عام 2026 ليس وليد المصادفة، بل نتاج تقاطع حزمة من العوامل السياسية والأمنية والمجتمعية التي جعلت تأجيل المواجهة أمراً يهدد الاستقرار الداخلي لأوروبا.  

ويأتي في مقدمة هذه العوامل التحول البنيوي في الخريطة السياسية الأوروبية عقب انتخابات البرلمان الأوروبي وتغير التوازنات في عدة حكومات وطنية؛ حيث صعدت قوى الوسط المحافظ واليمين الديمقراطي التي وضعت قضايا السيادة، والهوية، والرقابة على الهجرة والتمويل الخارجي، في صلب أولوياتها، متخلصةً من التردد الذي طبع مراحل هيمنة تيارات اليسار والخضر.

وعمقت التطورات الجيوسياسية المتلاحقة منذ أواخر عام 2023 وحروب الشرق الأوسط من منسوب القلق الأوروبي؛ إذ استغلت الشبكات الإخوانية والجمعيات التابعة لها الاحتقان الشعبي لتعميق الاستقطاب في الشارع، وتأجيج مشاعر العداء للدولة الوطنية، واستثمار القضية الفلسطينية لتحقيق مكاسب تعبوية وحزبية هددت السلم الأهلي في عواصم كبرى مثل باريس وبرلين ولندن.

ويضاف إلى ذلك تراكم صدمات الرأي العام ودافعي الضرائب؛ ففي ظل الأزمات الاقتصادية وتراجع ميزانيات الرعاية الاجتماعية، أصبح من المستحيل سياسياً تبرير تدفق ملايين اليوروات من المنح العامة عبر برامج كـ" إيراسموس بلس"  وصناديق مكافحة التمييز إلى منظمات شبابية وإغاثية تدور في فلك الإخوان وتتبنّى قياداتها خطاباً مناهضاً للقيم الأوروبية.

لقد حوّلت هذه الفضائح التمويلية ملف الجماعة من نقاش فكري نخبوي إلى قضية أمن قومي ومساءلة انتخابية مباشرة تفرض التحرك العاجل.

السيناريوهات المتوقعة للعلاقة بين أوروبا والتنظيم

تتوزع مآلات الصراع بين العواصم الأوروبية وشبكات الإسلام الحركي في المرحلة المقبلة بين ثلاثة مسارات استشرافية رئيسية.

المسار الأول، وهو سيناريو الاستنزاف والتجفيف المالي المتدرج، ويمثل المسار الأكثر واقعية وترجيحاً؛ ففي هذا السيناريو لا تلجأ أوروبا بالضرورة إلى حظر أمني شامل للجماعة دفعة واحدة، بل تعتمد استراتيجية "الخنق الإداري والمالي".  ويقوم هذا التوجه على سد قنوات التمويل العام، وإخضاع المعاملات المصرفية للهيئة الأوروبية لمكافحة غسل الأموال (AMLA)، وفرض شروط تعجيزية على تسجيل الجمعيات، وإلغاء صفة النفع العام عن المؤسسات المثيرة للشبهات.  

ويقود هذا المسار إلى تآكل تدريجي في الملاءة المالية للتنظيم، وشلّ قدرته على إدامة كوادره ومراكزه، وتحويل وجوده إلى خلايا منكمشة ومطاردة بيروقراطياً.

أمّا المسار الثاني، فهو سيناريو الحظر الشامل والتجريم الجنائي؛ ويتحقق هذا المسار في حال استجابة المجلس الأوروبي للضغوط البرلمانية بتصنيف الإخوان كمنظمة إرهابية، أو تبنّي دول مركزية كفرنسا وألمانيا تشريعات تقتدي بالنموذج النمساوي الذي حظر شعارات الجماعة ورموزها.

وسيعني هذا السيناريو ملاحقة الانتماء للتنظيم قضائياً، وتجميد كافة أصوله، وإغلاق واجهاته بصورة حاسمة؛ بيد أنّ هذا الخيار يواجه عقبات قانونية ودستورية مرتبطة باشتراط تقديم أدلة مادية تربط التنظيم بالعنف المسلح المباشر، وهو ما قد يقصر الحظر على أجنحة أو شخصيات محددة بدلاً من المظلة بأكملها.

ويتمثل المسار الثالث في سيناريو التكيف والتمويه الشبكي؛ وفيه تسعى الجماعة لامتصاص الصدمة عبر ممارسة "التشظي الذاتي"، بحلّ الواجهات الكبرى المعروفة، وإعادة إنتاج حضورها في صور كيانات محلية متناهية الصغر تعمل في مجالات غير قابلة للشك، كحماية البيئة، والعمل الخيري المناطقي، والتكافل الاجتماعي، مع التمترس خلف التحالفات مع قوى أقصى اليسار ورفع دعاوى قضائية متواصلة أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لتعطيل قرارات الإغلاق.

محك الفاعلية... هل تنجح الجهود الأوروبية في تفكيك الظاهرة؟

الإجابة عن فرص نجاح الإجراءات الأوروبية ترتبط بقدرة صانع القرار على خوض معركة مُركّبة تتجاوز الأدوات البوليسية؛ فثمة عوامل قوة واضحة تسند الاندفاعة الأوروبية الراهنة، من بينها وجود إجماع عابر للأحزاب على خطورة التغلغل، والتركيز الدقيق على سلاح التمويل والشفافية المحاسبية بوصفه نقطة الضعف القاتلة للجماعة، إلى جانب تنامي التنسيق الاستخباراتي بين الدول الأوروبية وتطوير آليات التدقيق في المستفيدين النهائيين.

إلا أنّ هذه الجهود تصطدم بتحديات بنيوية بالغة التعقيد، في مقدمتها طبيعة البنية الديمقراطية الأوروبية ذاتها؛ فاحترام مبادئ الحريات الفردية، وحرية المعتقد، وتأسيس الجمعيات، تمنح شبكات الإخوان هوامش مناورة قانونية واسعة لتعطيل القرارات التنفيذية وإغراق المحاكم في نزاعات إجرائية طويلة الأمد.

ويبرز تحدي التمايز الدقيق بين ملاحقة التنظيم السياسي وصيانة الحقوق الدينية للمسلمين الأوروبيين؛ فإذا تحولت الإجراءات الرقابية إلى وصم عشوائي للجاليات المسلمة، أو عطلت عمل الجمعيات الأهلية المستقلة، فإنّ ذلك سيعيد إنتاج البيئة نفسها التي يستثمر فيها الإخوان لتكريس خطاب المظلومية، وتقديم أنفسهم مجدداً كضحايا للعنصرية وكحماة وحيدين للإسلام في أوروبا.

نقطة اللاعودة ونهاية عصر الاستثناء

تؤكد المؤشرات المتراكمة لعام 2026 أنّ أوروبا قد عبرت نقطة اللاعودة في علاقتها بالإخوان المسلمين؛ فالمرحلة التي كان يُنظر فيها إلى التنظيم كشريك في الحوار، أو كفاعل مدني غير ضار، قد طُويت بلا رجعة.

ورغم أنّ تفكيك هذه الشبكات لن يكون عملية سريعة أو حاسمة بضربة واحدة، بالنظر إلى براعة التنظيم في التكيف والمراوغة، إلا أنّ رفع الغطاء السياسي والشرعية المؤسسية عن واجهاته، وتجفيف منابعه في المال العام، يضع الجماعة في مسار انحدار تاريخي محتوم؛ لتفقد القارة التي مثلت لعقود طويلة ملاذها الاستراتيجي الأكثر أماناً، وتجد نفسها محاصرة بين يقظة تشريعية غربية ترفض مشروعها الموازي، وعزلة سياسية شاملة تقطع خطوط رجعتها في الشرق والغرب على حد سواء.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية