الإخوان تحت ضغط الرقابة الغربية.. المال والجمعيات والتعليم في دائرة الاستهداف

الإخوان تحت ضغط الرقابة الغربية.. المال والجمعيات والتعليم في دائرة الاستهداف

الإخوان تحت ضغط الرقابة الغربية.. المال والجمعيات والتعليم في دائرة الاستهداف


07/10/2026

لم تعد جماعة الإخوان تواجه في الغرب نقاشًا سياسيًا محصورًا في طبيعة نشاطها أو حضورها العام، إذ اتسعت دائرة التدقيق لتشمل البيئة التي تتحرك داخلها، من مصادر التمويل والجمعيات إلى المؤسسات التعليمية والخيرية والعلاقات التي تربط هذه الهياكل ببعضها. وتتناول دراسة حديثة للمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات هذا التحول، مركزة على تصاعد الرقابة وتشدد الإجراءات في الولايات المتحدة وأوروبا تجاه الجماعة وشبكات يُشتبه في ارتباطها بها.

وتكمن أهمية هذا التحول في أن الرقابة لم تعد تتوقف عند اسم التنظيم أو الأشخاص المعروفين داخله، بل تتجه بصورة أكبر إلى الأدوات التي تسمح ببقاء النفوذ وتوسعه، فحين تصبح الأموال والجمعيات والمدارس والعقود والمؤسسات الخيرية جزءًا من دائرة التدقيق، فإن السلطات لا تبحث فقط عن نشاط تنظيمي مباشر، وإنما تحاول تتبع البنية التي يمكن أن تمنح الإسلام السياسي حضورًا مستمرًا داخل المجتمع.

 

المال يدخل دائرة الحساب

 

يضع المركز الأوروبي التمويل في مقدمة الملفات التي شهدت تشددًا متزايدًا، ويستشهد في هذا السياق بالإجراءات التي اتخذتها ولاية فلوريدا في الولايات المتحدة. 

وفي 29 أيلول / سبتمبر 2026، صنفت الولاية جماعة الإخوان المسلمين ومجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية «كير» ومنظمة أخرى ضمن قائمة المنظمات التي صنفتها الولاية إرهابية، إلى جانب أكثر من 90 منظمة سبق أن صنفتها الحكومة الفيدرالية الأمريكية منظمات إرهابية أجنبية.

وتبرز الدراسة أن أهمية القرار لا تتعلق بالتصنيف وحده، وإنما بالنتائج المالية والمؤسساتية المترتبة عليه، إذ يشمل منع الجهات المدرجة من تلقي الدعم المالي من حكومات الولاية والحكومات المحلية، فضلًا عن وقف بعض المنح الدراسية المرتبطة بمدارس تابعة لها. وبهذا تنتقل الرقابة من مراقبة النشاط إلى مراقبة الموارد التي يمكن أن تمنح المؤسسات قدرة على الاستمرار.

ويشير المركز الأوروبي إلى تصريحات حاكم فلوريدا رون ديسانتيس ومستشاره جيمس أوثماير، اللذين ربطا الإجراءات الجديدة برفض استخدام أموال دافعي الضرائب لصالح الجهات المستهدفة، بينما رفض مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية الاتهامات الموجهة إليه واعتبر الإجراءات انتهاكًا للحقوق الدستورية. 

وهنا يصبح المال أكثر من مجرد مورد مالي، فالدراسة تنظر إلى التمويل باعتباره أحد المفاتيح التي تساعد على فهم امتداد النفوذ، لأن المؤسسة التي تمتلك موارد ثابتة تستطيع بناء هياكلها، وتوسيع نشاطها، وتمويل برامجها، والحفاظ على حضورها حتى مع تغير الظروف السياسية. لذلك يبدو تشديد الرقابة على الأموال جزءًا من محاولة الوصول إلى البنية التي تقف خلف النفوذ، وليس مجرد إجراء مالي منفصل.

 

التعليم يدخل دائرة التدقيق

 

وتنتقل الدراسة من التمويل إلى التعليم باعتباره مجالًا آخر بات يحظى باهتمام السلطات، فيما يشير المركز الأوروبي إلى أن الإجراءات في فلوريدا لم تقتصر على الدعم المالي، بل شملت أيضًا المنح والعقود والمساحات داخل الجامعات، في خطوة تعكس اتساع دائرة التدقيق لتشمل المؤسسات التي يمكن أن تتحول إلى ساحات للتأثير الاجتماعي والفكري.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن المؤسسة التعليمية لا تعمل فقط بوصفها مكانًا للتدريس، بل تمثل مساحة لتكوين العلاقات وصناعة النخب وتشكيل الأفكار. ولهذا فإن المخاوف التي يوردها التقرير لا تتعلق بالعملية التعليمية في حد ذاتها، وإنما بالجهات التي يمكن أن تستخدم المؤسسات التعليمية لبناء حضور مؤسسي طويل الأمد.

في هذا السياق، ينقل المركز الأوروبي عن أوثماير موقفًا متشددًا تجاه ما وصفه بالسماح بوجود «غسل الإرهاب» داخل المؤسسات التعليمية. وتبقى هذه العبارة توصيفًا صادرًا عن مسؤول أمريكي، لا حكمًا عامًا على المؤسسات التعليمية أو الجاليات المسلمة، غير أنها تكشف مستوى التصعيد في الخطاب الرسمي بفلوريدا.

ويشير التقرير في الوقت نفسه إلى أن هذا النوع من الإجراءات يفتح نقاشًا قانونيًا وسياسيًا حساسًا، لأن وجود مؤسسة دينية أو تعليمية مرتبطة بجالية مسلمة لا يعني تلقائيًا ارتباطها بالإخوان. ولذلك يصبح إثبات العلاقة التنظيمية أو المالية، وليس مجرد التشابه في النشاط أو الخطاب، عنصرًا أساسيًا في أي إجراء قانوني.

 

«كير» يعيد ملف العلاقات القديمة

 

ويخصص المركز الأوروبي جانبًا مهمًا من دراسته لقضية مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية «كير»، باعتبارها نموذجًا للتداخل بين التصنيف الأمني والملفات القضائية القديمة. فالمواجهة الحالية ليست وليدة سبتمبر 2026، وإنما سبقتها إجراءات وأوامر تنفيذية وطعون أمام القضاء، قبل أن تدخل فلوريدا في مسار تشريعي جديد منحها إطارًا قانونيًا لتصنيف المنظمات على مستوى الولاية.

وتستند سلطات فلوريدا إلى وثائق وسجلات تاريخية، من بينها إدراج «كير» باعتباره «متآمرًا مشاركًا غير متهم» في قضية مؤسسة الأرض المقدسة التي بدأت إجراءاتها القضائية في الولايات المتحدة عام 2007، إلى جانب حديث السلطات عن علاقات تاريخية مزعومة بين بعض مؤسسي المجلس وشخصيات مرتبطة بحماس. في المقابل، ينفي المجلس الاتهامات الموجهة إليه ويطعن في الأساس الذي تستند إليه الإجراءات.

ولا يتوقف حضور هذا الملف عند الولايات المتحدة، إذ يذكر المركز الأوروبي أن تكساس صنفت «كير» ضمن قائمتها الخاصة في 2025، بينما صنفته الإمارات منظمة إرهابية منذ 2014 على خلفية ما تعتبره ارتباطًا بجماعة الإخوان المسلمين.

وتكشف هذه التطورات عن تراكم ملف طويل من الشكوك والاتهامات والإجراءات، بحيث أصبحت العلاقات التاريخية والتمويل والارتباطات المؤسسية عناصر تدخل في تقييم السلطات لطبيعة بعض المنظمات. 

 

الرقابة الأوروبية تتحرك في الاتجاه نفسه

 

ولا يعزل المركز الأوروبي التطورات الأمريكية عن المسار الأوروبي، بل يضعها ضمن سياق أوسع من الاهتمام المتزايد بشبكات الإخوان والإسلام السياسي. وفي تقارير سابقة للمركز، برزت ملفات التمويل والمساجد والجمعيات والمدارس والمؤسسات الخيرية باعتبارها مجالات تراقبها أجهزة وجهات أوروبية على خلفية مخاوف من بناء شبكات نفوذ طويلة الأمد.

وتظهر ألمانيا وفرنسا في هذا السياق بوصفهما من أبرز الساحات التي تصاعد فيها النقاش حول طبيعة حضور الإخوان. ففي ألمانيا ارتبط الاهتمام الرسمي والأمني بمراقبة مؤسسات وجمعيات يُشتبه في صلاتها بالجماعة، بينما شهدت فرنسا نقاشًا حكوميًا وأمنيًا حول ما وُصف بتأثير الإخوان في بعض المجالات الاجتماعية والدينية والمؤسساتية.

ويضع المركز الأوروبي هذه التطورات ضمن تحول أوسع في طريقة النظر إلى الإسلام السياسي. فالمسألة، وفق ما يورده التقرير، لم تعد مرتبطة فقط باحتمال وجود نشاط متطرف مباشر، وإنما أصبحت تشمل القدرة على بناء نفوذ تدريجي عبر المؤسسات المدنية والدينية والتعليمية والخيرية.

 

من الأفراد إلى الشبكات

 

وتبرز هنا النقطة الأكثر أهمية في الدراسة: انتقال الرقابة من الأفراد والكيانات المنفردة إلى الشبكات والعلاقات، إذ لا تكشف متابعة شخصية قيادية أو مؤسسة واحدة بالضرورة الصورة كاملة إذا كان النشاط يتحرك عبر هياكل متعددة ومستقلة قانونيًا، لكنها قد تحمل روابط مالية أو مؤسساتية أو بشرية مشتركة.

ويشرح هذا المنظور سبب تركيز الدراسة على المال والتعليم والجمعيات في وقت واحد، لأن هذه المجالات، إذا اجتمعت داخل شبكة واحدة، يمكن أن تمنح أي تنظيم مساحة للحركة تتجاوز وجوده المباشر. المؤسسة قد توفر الحضور الاجتماعي، والتمويل يوفر الاستمرارية، والعمل الخيري يوسع دائرة العلاقات، والتعليم يفتح المجال أمام تأثير طويل الأمد.

ويفسر هذا التحول أيضًا تصاعد النقاش حول العقارات والمؤسسات الخيرية والاستثمارات والتمويل الخارجي، حيث لم لم يعد الاهتمام منصبًا فقط على الأموال التي تدخل حسابات تنظيمية مباشرة، وإنما على المسارات التي يمكن أن تتحول عبرها الأموال إلى أصول ومؤسسات ونفوذ اجتماعي.

 

مرحلة أكثر تشددًا مع الإسلام السياسي

 

ويخلص المسار الذي ترصده الدراسة إلى أن التعامل الغربي مع الإخوان والإسلام السياسي يتجه بصورة متزايدة نحو فحص البنية التي تنتج النفوذ، وليس الاكتفاء بمراقبة النشاط الظاهر. لذلك أصبحت الجمعيات والتمويل والتعليم والعمل الخيري والعلاقات المؤسسية ملفات متداخلة داخل النقاش الأمني والسياسي.

ولا تتبنى الولايات المتحدة وأوروبا سياسة واحدة تجاه الإخوان، كما أن التصنيفات والإجراءات تختلف من دولة إلى أخرى، فضلًا عن وجود طعون ومعارك قضائية تنفي خلالها منظمات مستهدفة الاتهامات الموجهة إليها. لكن الدراسة ترى أن اتجاه الرقابة نفسه أصبح أكثر وضوحًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمصادر التمويل والعلاقات بين المؤسسات والجهات التي يُشتبه في ارتباطها بالجماعة.

في هذا السياق، لم يعد تجفيف مصدر مالي واحد كافيًا لفهم طبيعة المواجهة. فالسلطات التي تراقب التمويل تنظر في الوقت نفسه إلى المؤسسات التي تستقبل الأموال، والأنشطة التي تمولها، والعلاقات التي تنتج عنها، وهو ما يجعل ملف النفوذ أكثر اتساعًا من مجرد الحسابات البنكية.

وبذلك تدخل جماعة الإخوان وشبكات الإسلام السياسي في الغرب مرحلة رقابية أكثر تعقيدًا؛ مرحلة لا تتوقف عند السؤال عن التنظيم الظاهر، وإنما تتتبع ما وراءه من تمويل ومؤسسات وعلاقات. ومع اتساع هذه الدائرة، يصبح المال والتعليم والعمل الخيري والجمعيات جزءًا من معركة أكبر حول حدود النفوذ السياسي والديني داخل المجتمعات الغربية.

 



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية