
يتعين تقديم الفكرة، أيّة فكرة، في أوعية وأدوات (فنون) تعبّر عنها أو تقترب منها، وفق فلسفة تحكم هذا التعبير وتقوده. وفي ذلك، فإنها تنظر إلى التطبيق الديني (الخطاب) القائم اليوم، أو تستدل عليه من خلال محاولة تتبّع أدوات وأوعية تقديم الدين والتعبير عنه وتطبيقه وملاحظتها. ويمكن أن نلاحظ في عالم الإسلام نماذج من ذلك، مثل ترتيل القرآن وتجويده، من حيث إن الترتيل في ذاته أداء موسيقي أو غنائي يسعى إلى التأثير في المستمعين، والأذان (النداء إلى الصلاة)؛ ويُستحضر هنا الحديث النبوي عن الأذان، عندما قال الرسول لعبد الله بن زيد عنه: «علِّمْه بلالًا، فإنه أندى منك صوتًا». ومنها أيضًا الأناشيد والغناء الديني، والخطابة والوعظ والإرشاد، والكتابة والنشر والتدوين، والبث الإذاعي والتلفزيوني، وبناء المساجد وعمارتها، واللباس الديني أو المستمد من تعاليم وأفكار دينية. ويمكن الإشارة هنا إلى كيف جعل بليغ حمدي من النشيد الديني للنقشبندي قطعة فنية خالدة، يستمع إليها الناس على نحو متواصل بلا ملل.
يقول هيغل: «الفكرة الداخلية تصبغ الواقع الخارجي»؛ فالواقع المحسوس أو المتعيّن إنما يعكس فكرة داخلية شكّلته أو منحته هوية. وهكذا، فما من منتج أو سلعة أو لباس أو طعام أو بيت أو شارع أو مدينة... إلا ويعكس أفكار المنتجين.
لقد كانت الفنون على الدوام وسيلتنا لفهم الدين. ولذلك، فإننا، بالنظر إلى الحالة الدينية القائمة في عالم الإسلام والمسلمين، يمكن أن نستدل على أزمة فهم الإسلام وتطبيقه. ذلك أنه في غياب التعبير الفني عن الدين، أو قصور هذا التعبير أو تشوّهه أو عجزه، يمكن الاستدلال على القصور والفشل والتشوّه في الحالة الدينية. وليس غريبًا، في تشخيص حالة التطرف والكراهية، ردُّها إلى حال الفلسفة والفنون، وإلى عدم قدرة المتدينين على إدخالهما واستخدامهما وتطبيقهما في الشأن الديني؛ أو، بتعبير أصح، إلى التشوّه والفشل في استخدامهما وتطبيقهما. ذلك أنه لا يمكن، نظريًا وواقعيًا، أن يُفهم الدين أو يُطبّق من غير فلسفة وفنون. ففي غياب استيعاب التجارب الإنسانية والعلمية والتطبيقية في الفلسفة والفنون، تكون الحالة الدينية انعكاسًا لفلسفة خاطئة أو مشوّهة، وتحلّ في أوعية مشوّهة من التطبيق والممارسة، تعجز عن استيعاب مقاصد الفكرة الأساسية أو تمثّلها تمثّلًا يرتقي بأصحابها، بل تسوقهم إلى الهاوية.
في تعبير الجمال عن الفكرة، يقول هيغل: «ثمة واقع خارجي له، بما هو كذلك، طابع محدد، ولكن داخله يبقى في حالة تجريد وعدم تعيين، وتتجلى هذه الداخلية، من حيث هي فكرة، في امتلاك الحياة النفسية في ذاتها ولذاتها، وفي صبغها الواقع الخارجي بداخليتها، ما يجعل الواقع الخارجي تظاهرًا صريحًا للداخل». وفي محاولة اقتباس المقولة في المجال الديني، يمكن الاستدلال على الخواء والأزمة الروحية في عالم تطبيق الدين، عندما يتحول هذا التطبيق إلى كراهية وتدمير للحياة والناس، أو كما يقول تعالى في سورة البقرة، الآية 204: «ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام. وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد».
صحيح أن المقولة مثالية، بمعنى أننا، نحن البشر، لم نتوصل بعد إلى تحقيق هذه الوحدة بين الجمال والفكرة؛ أي إن الفن لم يصل بعد إلى مرحلة يعكس فيها الفكرة بدقة. لكنها تظل مقولة صالحة للتحليل والمراجعة. وإذا كان الجمال يُقاس بالتناغم والتناظر والتناسق، فيمكننا اليوم تطبيق هذه المبادئ على التطبيقات الدينية أيضًا، وملاحظة العلاقات المنطقية والجمالية في الفكر والأداء والممارسات، وكذلك في المؤسسات والعلاقات. «فالفكرة، بما هي الجوهري والعام وفهم العالم، هي الجمال الكامل بذاته». وعند تقديمها إلى الواقع، نسعى دائمًا، أو يُفترض بنا أن نسعى، إلى أن يكون الواقع والفكرة متطابقين. وهما غالبًا لن يتطابقا، لكن الواقع يحاول الاقتراب من الفكرة.
وعلى الرغم من صحة المقولة، نظريًا، في أن الفكرة (وهي هنا الدين) مستقلة عن المتدينين، فإنه لا يمكن فهمها والنظر إليها إلا من خلال المؤمنين بها. فالفكرة المجردة تكاد تكون غير موجودة أو غير مفهومة إلا من خلال تلقيها في الواقع، وهو ما لا يمكن إلا بالمطابقة بين الواقع والمفهوم. فالحياة، كما يقول هيغل: «لا توجد إلا في شكل كائنات حية فردية، والخير لا يتحقق إلا عن طريق بشر أفراد، وكل حقيقة لا تكون حقيقية إلا بالنسبة إلى وعي يعرف، وإلى روح يوجد بالنسبة إلى ذاته».
وإذا كنا لا نرى أو نلاحظ سوى الواقع المُعايَن أو الظاهر، فإن ثمة عللًا باطنة للأفعال والأحداث، وإن لم تظهر على الدوام إلى السطح، وظلت في المنطقة الدفينة التي تقيم فيها، فإنها، في الوقت نفسه، هي التي تنشئ هذا الواقع الظاهر. وهنا تساعدنا الفلسفة والفنون في إدراك حقائق الأشياء، ثم تطبيقها في الحياة، وفي تصوراتنا للكون والحياة والذات، وللعلاقة مع الله ومع الوجود والكائنات.
يمكن توضيح المسألة ببساطة كما يلي: ما من فكرة إلا ويُراد التعبير عنها على نحو تصوّري، وفهمها بأدوات تعبيرية من اللغة والرسم والموسيقى وسائر الفنون. فلا يمكن فهم فكرة أو استيعابها من غير تعبير، ولا يمكن التعبير إلا بالأدوات التي نملكها ونعرفها.
التعبير عن الفكرة ليس الفكرة نفسها، بل هو تقديم لها أو تعبير عنها. ودائمًا ما يكون هناك فرق بين الفكرة في أصلها، كما هي، وبين وجودها أو تقديمها في وسيلة تعبيرية. ويعتمد ذلك على مسألتين: الفكرة نفسها، وفنون التعبير عنها وأدواته. فاللغة والفنون تعكسان الفكرة ومدى وضوحها وقوتها، كما تعكسان قدرات أصحاب المواهب الذين يقدّمونها. وفي ذلك، فإننا أمام مأزق كبير ومعقّد!
فإن لم تنجح هذه القاعدة في تفسير العلاقة بين الفكرة والواقع، أو في ملاحظة الفرق والفجوة بينهما، أو في تفسير كيفية تطبيق الفكرة وظهورها على السطح في صورة من التطرف والكراهية والعنف والتعصب، فإننا نكون أمام مجموعة من الافتراضات التي يجب اختبارها، ومن ثم إعادة تشخيص الحالة واقتراح إعادة تصميمها وتنفيذها وتطويرها على النحو الذي نقدّره «جميلًا»، بمعنى تحقيق الانسجام بين الفكرة في أصلها وتجليها في الواقع.
ومن هذه الافتراضات:
1- الفكرة الدينية لا تساعد أصحابها على رؤية أنفسهم وحياتهم كما يجب أن تكونا.
2- لا يملك أصحاب الفكرة والمؤمنون بها «الجمال»، بما هو مهارات وأدوات ومواهب وذائقة، اللازمة لاستيعاب الفكرة وتجليتها وتحويلها إلى واقع عياني ملموس يتفق مع جمالها المفترض.
ببساطة ووضوح، إذا كان لا يمكن فهم الإيمان أو تقديمه من غير اللغة والفنون والآداب، فإن هذه الوسائل تمثّل ضرورة قصوى للإيمان والدين. وسيكون من أوجه القصور في الدين والإيمان أن تكون اللغة والفنون والآداب عاجزة أو قاصرة عن استيعابهما، أو أن يكون الدين والإيمان عصيَّين على اللغة والفنون.
عن صفحة الكاتب الشخصية في فيسبوك

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%85%D8%A8_60_0_6_0.jpg.webp?itok=NWpqw6Ge)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%86%D9%8A_5.jpg.webp?itok=hiudUKUv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_13.jpeg.webp?itok=wpNqtjFn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D8%A7%D8%A7%D9%86_0.jpg.webp?itok=ukUw4hBj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_13.jpg.webp?itok=arz_8IEA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_10.jpg.webp?itok=juFN7Frc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_6.jpg.webp?itok=EGVPSMny)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_4.jpg.webp?itok=LHsUweHp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_76_1_4.jpg.webp?itok=-rgP1Nox)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_10.jpg.webp?itok=t1OOJdBi)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D8%A7%D9%8A_0.jpg.webp?itok=SXMpXSdR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_2_0.jpg.webp?itok=C_C1sOk9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_19.jpg.webp?itok=tsPUuxGM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86-1_0_4_2_0_1.png.webp?itok=x3fAIRPk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84_7.jpg.webp?itok=FnBd4vBz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%88%D8%B1%D8%AA%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_0_2.jpg.webp?itok=7gL8ZSNa)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%88%D8%B2%D9%8A_1.png.webp?itok=c6CKq9bt)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%BA%D9%88%D9%84_1.png.webp?itok=ZFOKd2kH)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%88%D9%83%D8%B3%D9%84.jpeg.webp?itok=GEMUsrl5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132.jpg.webp?itok=XtB3llMF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84%200.jpg.webp?itok=wkrtYvi9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_7.jpg.webp?itok=I6xdJcur)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_14.jpg.webp?itok=aSKivHsG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)
