إلغاء مشاركة جنوب أفريقيا في بينالي البندقية بسبب عمل فني عن ضحايا العنف والإبادة في فلسطين

إلغاء مشاركة جنوب أفريقيا في بينالي البندقية بسبب عمل فني عن ضحايا العنف والإبادة في فلسطين

إلغاء مشاركة جنوب أفريقيا في بينالي البندقية بسبب عمل فني عن ضحايا العنف والإبادة في فلسطين


14/10/2026

تحولت مشاركة جنوب أفريقيا في بينالي البندقية للفنون لعام 2026 إلى أزمة سياسية وثقافية، بعدما ألغت وزارة الرياضة والفنون والثقافة مشاركة الفنانة الجنوب أفريقية غابرييل غوليات، إثر خلاف بشأن عملها الفني إيليجي، الذي يتضمن تكريمًا للشاعرة الفلسطينية هبة أبو ندى، التي قُتلت في غارة جوية إسرائيلية على قطاع غزة في تشرين الأول (أكتوبر) 2023.

وكانت لجنة اختيار مستقلة قد اختارت غوليات لتمثيل بلادها في الدورة الحادية والستين من المعرض الدولي، من خلال مشروع فني يتناول العنف ضد النساء، وقتل أفراد من مجتمع الميم، وجرائم الاستعمار، والضحايا الفلسطينيين في غزة. لكن المشروع اصطدم باعتراض وزير الرياضة والفنون والثقافة غايتون ماكنزي، الذي وصف الجزء المخصص لغزة بأنه مثير للانقسام، وطالب بتعديله. وبعد رفض الفنانة حذف الجزء المتعلق بالشاعرة الفلسطينية، ألغت الوزارة إتاحة الجناح الجنوب أفريقي لعرض العمل، وانتهى الأمر ببقاء الجناح فارغًا طوال المعرض.

إيليجي، الذي بدأت غوليات تطويره عام 2015، مشروع أدائي وتركيبي متعدد الوسائط، يجمع بين الفيديو والصوت والأداء الحي، ويعتمد على مشهد متكرر تؤدي فيه نساء نغمة غنائية واحدة ممتدة، تتناوب المشاركات على حملها عندما تعجز إحداهن عن مواصلة أدائها، فلا ينقطع الصوت رغم إنهاك المؤديات.

ولا يقدم العمل مشاهد دموية أو صورًا مباشرة للقتل، بل يستند إلى قوة الصوت واستمراره، ليحول النحيب الجماعي إلى وسيلة لاستعادة ذاكرة الضحايا ومواجهة محاولات طمس معاناتهم. وفي النسخة التي كان مقررًا عرضها في البندقية، جمعت الفنانة بين ثلاث مجموعات من الأعمال المصورة، تتناول كل منها تجربة مختلفة من تجارب العنف والفقد.

تتمحور المجموعة الأولى حول إيبيلينغ كريستين موهولاني، وهي طالبة جنوب أفريقية قُتلت في التاسعة عشرة من عمرها عام 2015. وتخصص المجموعة الثانية لتكريم امرأتين من شعب ناما قُتلتا خلال الإبادة الجماعية التي ارتكبتها القوات الاستعمارية الألمانية بحق شعبي أوفاهيريرو وناما في ناميبيا، في مطلع القرن العشرين، فيما تتناول المجموعة الثالثة حياة الشاعرة الفلسطينية هبة أبو ندى ومقتلها في غزة.

وتوفيت أبو ندى، التي كانت تبلغ 32 عامًا، في غارة جوية إسرائيلية على خان يونس في 20 تشرين الأول (أكتوبر) 2023. ومن خلال إدراج قصتها إلى جانب ضحايا العنف في جنوب أفريقيا وناميبيا، سعت غوليات إلى وضع مآسي مختلفة ضمن إطار فني واحد، يركز على استعادة أصوات الضحايا والاعتراف بمعاناتهم، بعيدًا عن التفاوت في الاهتمام السياسي والإعلامي الذي تحظى به المآسي الإنسانية.

بدأت الأزمة تتبلور في كانون الأول (ديسمبر) 2025، عندما اعترض ماكنزي على الجزء المتعلق بغزة، وطلب إجراء تعديلات على العمل. وفي رسالته إلى الجهة المنظمة، وصف هذا الجزء بأنه مثير للانقسام، في إشارة إلى التكريم المخصص للشاعرة الفلسطينية. ورفضت غوليات تعديل العمل على النحو المطلوب، معتبرة أن حذف الجزء الفلسطيني سيقوض البناء الأخلاقي والفني للمشروع، الذي يقوم على إحياء ذكرى الضحايا دون انتقاء على أساس الجنسية أو الانتماء السياسي. وفي الثاني من يناير 2026، ألغى الوزير إتاحة الجناح الجنوب أفريقي لعرض المشروع.

ودافع ماكنزي عن قراره، نافيًا أن يكون قد استهدف الفنانة شخصيًا أو مارس رقابة على التعبير الفني. وقال إنه لم يشاهد العمل بنفسه، وإن اعتراضه يتعلق بغياب التنسيق بشأن طريقة اختيار المشروع، وعدم حصول الوزارة على الموافقات اللازمة، إلى جانب تساؤلات أثارها بشأن التمويل الأجنبي للعمل. وبذلك انتقل الخلاف من مضمون العمل الفني إلى مسألة سلطة الحكومة على المشاركة الوطنية في الفعاليات الثقافية الدولية.

لكن توقيت القرار، ومطالبته بتعديل الجزء الذي يكرم شاعرة فلسطينية قُتلت في غزة، جعلا الأزمة تُقرأ على نطاق واسع باعتبارها مواجهة حول حرية التعبير وحدود تدخل السلطة السياسية في مضمون الأعمال الفنية.

ولم تنجح المحاولات اللاحقة في التوصل إلى تسوية تضمن عرض المشروع داخل الجناح الرسمي. كما لم تعتمد الوزارة بديلًا يشارك باسم جنوب أفريقيا، ما أدى إلى بقاء الجناح فارغًا خلال دورة 2026، في تطور أثار انتقادات داخل الأوساط الفنية والثقافية في البلاد.

لجأت غوليات ومنسقة المعرض إنغريد ماسوندو إلى القضاء للطعن في إلغاء المشاركة، وطلبتا إعادة المشروع إلى الجناح الجنوب أفريقي، باعتبار أن القرار حال دون تنفيذ نتيجة عملية اختيار مستقلة، وأثار تساؤلات حول حرية التعبير الفني. لكن المحكمة العليا في جنوب أفريقيا رفضت الطلب العاجل في شباط (فبراير) 2026، وألزمت المتقدمتين بالمصاريف القضائية. وتناولت أسباب الحكم مسألة الصفة القانونية، معتبرة أن العلاقة التعاقدية المعنية كانت بين الوزارة والجهة المنظمة، أرت بيريوديك، التي كُلفت بإدارة الجناح وجمع التمويل وترتيب المعرض، ولم تكن الفنانة طرفًا مباشرًا في ذلك التعاقد.

ولم يحسم هذا المسار القضائي، في جوهره، الجدل الأوسع بشأن حدود تدخل الحكومة في مضمون العمل الفني، لكنه أبقى قرار الإلغاء قائمًا، وأغلق الطريق أمام إعادة المشروع إلى الجناح الرسمي في الوقت المتبقي قبل افتتاح البينالي. وأعلنت غوليات وفريقها عزمهم الطعن في الحكم، محذرين من أن القضية قد تمثل سابقة تؤثر في حرية الفنانين في جنوب أفريقيا وقدرتهم على تقديم أعمال تتناول موضوعات سياسية حساسة.

بدلًا من التخلي عن المشروع، مضت غوليات في عرضه بصورة مستقلة خارج الجناح الوطني. واستضافت كنيسة سانت أنتونين التاريخية في البندقية العمل بين أيّار (مايو) وتمّوز (يوليو) 2026، بدعم من مؤسسات ثقافية وجهات مانحة ومناصرين للمشروع، ليظهر بالتزامن مع البينالي، ولكن خارج المشاركة الرسمية لجنوب أفريقيا.

وفي الثامن من تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، انتقل إيليجي إلى لندن، حيث عُرض ضمن تركيب يضم ثماني شاشات سوداء طويلة تشبه النصب الجنائزية، تتوزع عليها الصور المتحركة وتنبعث منها أصوات المؤديات. ومن المقرر أن يستمر العرض حتى 17 يناير 2027، قبل انتقال المشروع إلى محطات فنية أخرى، بينها ميلانو والشارقة.

وأعاد عرض لندن إحياء الجدل حول العمل، بالتزامن مع انطلاقه في فضاء ثقافي مستقل، ما منح المشروع حضورًا دوليًا رغم إلغاء مشاركته الرسمية. كما أتاح للزوار تجربة تعتمد على الصوت والضوء وحضور المؤديات، بدلًا من تقديم سرد وثائقي تقليدي عن الضحايا.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية