
هاني مسهور
في السادس عشر من يوليو/تموز 2015 لم تكن عدن تحرر مدينة فقط، كانت توقف مساراً إيرانياً بدا في تلك السنوات وكأنه قدر عربي لا يمكن كسره.
كانت طهران قد راكمت نفوذها في بغداد، وأمسكت بمفاصل بيروت عبر حزب الله، وثبتت حضورها العسكري في دمشق، ثم سقطت صنعاء في الحادي والعشرين من سبتمبر 2014 أمام جماعة الحوثي، أحجار الدومينو العربية كانت تتساقط واحدة تلو الأخرى، وكانت إيران تتقدم داخل فراغ الدولة الوطنية مستفيدة من الطائفية والجماعات العقائدية وضعف المؤسسات وانقسام المجتمعات، حتى وصلت إلى عدن، هناك حدث شيء مختلف.
توقفت أحجار الدومينو، لم يكن ذلك ببيان عربي ولا بقرار دولي ولا بمعاهدة دفاع مشترك، وإنما برجال جنوبيين عرفوا لماذا يقاتلون، ودولة عربية اسمها الإمارات قررت أن تضع إيمانها وقوتها وإمكاناتها ودم أبنائها خلف معركة رأت فيها دفاعاً عن مفهوم الدولة قبل أن تكون دفاعاً عن مدينة وعن اعتبار عن عدن آخر الحوائط التي تبقي الأمن القومي العربي، لهذا لا يمكن قراءة عملية "السهم الذهبي" كواقعة عسكرية مضى عليها أحد عشر عاماً، في ذاكرتي عنها مشهد أكثر كثافة من كل البيانات العسكرية، استشهاد الملازم أول عبدالعزيز الكعبي في معركة تحرير مطار عدن، أول شهيد إماراتي في العملية، والمعلومة التي تستحق أن توثق في سجل تلك الحرب أن الشيخ محمد بن زايد آل نهيان قام بنفسه بمهمة تغسيل الشهيد وتكفينه بعد وصول جثمانه إلى قاعدة عصب العسكرية، قبل نقله إلى أبوظبي.
لا نستدعي هذا المشهد بحثاً عن العاطفة، فالحروب أكبر من العواطف، وإنما لأنه يشرح معنى كاملاً للقيادة والتحالف والعقيدة، قائد يرسل أبناء وطنه إلى الحرب، ثم يقف أمام جسد أول شهيد عائد منها ويشارك في تغسيله وتكفينه، لا يتعامل مع المعركة كملف سياسي على مكتب، لقد حمل مسؤوليتها الأخلاقية قبل العسكرية، هناك يصبح الدم عهداً، ويصبح التحالف شيئاً أكبر من اتفاقية مكتوبة، هذا ليس تحالفاً بالمفهوم البروتوكولي الذي تعرفه المنطقة، هذه عقيدة، والإمارات في أصل تجربتها السياسية دولة عقيدة وطنية واضحة، لم تحتج يوماً إلى استعارة الدين لتمنح تحالفاتها مهابة، ولا إلى رفع راية مذهبية لتبرر خصوماتها، ولا إلى الأماكن الروحية كي تمنح اتفاقاً سياسياً قيمة لا يملكها في الواقع.
الدولة الواثقة تعرف وطنها وتعرف مصالحها وتعرف أصدقاءها، وعندما تحالف تصدق بالأفعال لا الأقوال، لهذا كانت الإمارات واضحة كالشمس في تعريف الخطر الذي مثله الإسلام السياسي على الدولة الوطنية العربية، الإخوان والحوثيون والفصائل الولائية والجماعات المتطرفة تختلف في المذهب والشعار والمرجع، لكنها تلتقي عند نقطة شديدة الخطورة وهي جعل التنظيم أو العقيدة السياسية أو المرجعية الخارجية سلطة تنافس الدولة على قرارها وسيادتها، ومن هنا جاءت المواجهة الإماراتية مبكرة وواضحة.
لم تكن المسألة خصومة مع الدين، فالدين جزء أصيل من المجتمع وهويته وقيمه، وإنما رفض تحويل الإسلام إلى مشروع للاستيلاء على الدولة، وتحويل المساجد والمعابد إلى منصات سياسية، والمذهب إلى جسر للنفوذ الخارجي، والعقيدة إلى جيش موازٍ، والجماعة إلى وطن بديل.
الإمارات لم تنتظر الإرهاب حتى يصل إلى مدنها وشعبها ثم تبحث عن طريقة لإدارته، وإنما تقدمت إلى مواجهته، عسكرياً عندما استدعت الضرورة، وفكرياً عبر تجفيف منابعه، وسياسياً عبر الدفاع عن الدولة الوطنية باعتبارها الحصن الذي يمنع التنظيمات العقائدية من ابتلاع المجتمعات، لهذا كانت عدن بالنسبة للإمارات أكثر من جبهة يمنية أو جنوبية ضمن شبه الجزيرة العربية، كانت اختباراً لفكرة كاملة.
الحوثي لم يكن مجرد جماعة خرجت من صعدة واستولت على صنعاء ثم تحركت جنوباً، كان الحلقة اليمنية من نموذج إقليمي جرى اختباره في أكثر من دولة، إضعاف الدولة، بناء قوة عقائدية مسلحة، السيطرة على القرار، ثم ربط الجغرافيا الوطنية بمحور خارجي، لو سقطت عدن لاكتملت السيطرة على اليمن من صنعاء إلى باب المندب، ولأصبح الجنوب العربي مساحة إضافية في المشروع الإيراني، لكن عدن لم تسقط، هناك وجد الحوثي رجالاً جنوبيين يعتبرون الأرض وطناً لا غنيمة، ووجدت إيران الإمارات كدرع وسيف بتار.
ولهذا كان السادس عشر من يوليو يوماً عربياً قبل أن يكون يوماً جنوبياً، للمرة الأولى انكسر المسار الذي كان يتقدم من عاصمة إلى أخرى، في عدن لم تنجح إيران في إضافة حجر جديد إلى الدومينو، كانت العقيدة الوطنية الجنوبية حاضرة، وكانت القوة الإماراتية إلى جوارها، والتقت الإرادتان على مفهوم شديد البساطة أن هذه الأرض لن تذهب إلى مشروع عقائدي يأتي قراره من الخارج.
وبعد عدن جاءت المكلا لتقدم الدرس نفسه في مواجهة تنظيم القاعدة، اختلفت الراية، واختلف المذهب، واختلفت المرجعية، لكن الخطر على الدولة كان واحداً، الحوثي يريد دولة داخل عقيدته، والقاعدة تريد إزالة الدولة لصالح عقيدتها، والإخوان حين يضعون التنظيم فوق الوطن يجعلون الدولة أداة في مشروع أوسع منها، الإمارات قرأت هذه الظاهرة من أصلها فلا دولة حديثة يمكن أن تستقر وفي داخلها تنظيم يعتبر ولاءه الفكري أو الحركي أعلى من ولائه الوطني.
لهذا كان تجفيف منابع التطرف الفكري جزءاً من معركة الأمن، لأن المسيرة والصاروخ والعبوة الناسفة تأتي متأخرة، الفكرة التي تمنح حاملها شرعية قتل الدولة تسبقها جميعاً، والجنوبيون دفعوا أثماناً هائلة لأنهم وقفوا في الجهة نفسها من هذه المعركة، تعرضوا للتشويه والغدر والخديعة، وانهالت عليهم اتهامات تكفي لكتابة تاريخ كامل من الحملات الإعلامية، قيل إنهم أدوات وإن قضيتهم وهم وإن الإمارات تستخدمهم وإن عدن ستنهار وإن المكلا ستعود إلى الإرهاب، مرت السنوات وسقط كثير من الكلام، بقيت عدن، وبقيت المكلا، وبقي الجنوب، وبقيت قوات جنوبية تحمل عقيدة وطنية أثبتت أنها أقوى من الحملات التي حاولت كسرها.
في ذكرى تحرير عدن الحادية عشرة نعيد قراءة العقيدة الوطنية الإماراتية ونقف مع مشهدية الصمود لشعب الجنوب العربي.
العين

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_17_2_0.jpg.webp?itok=OJHiLu6x)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_0_0_1.jpeg.webp?itok=xGkcco37)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/2025_10_18_18_31_31_0_0_1_0.jpg.webp?itok=SkXCybmu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D9%88%D9%85_0_0_0_0_0.jpg.webp?itok=R9aTMdTp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86%D9%8A%D8%A9_5_0.jpg.webp?itok=CQ1Rgb7y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%20%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9333_1_0.jpg.webp?itok=jfpte7TE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7_3_8_4.jpg.webp?itok=6NTbdxV3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%86_6_2_0_4_2.jpg.webp?itok=HDOykwKF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%82_1.jpg.webp?itok=z9nR16Au)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/imkU1lEaIhWv6KjKI6A08QBTT-wkIgWNabNKMf3CoBZajwmmUf05S8CcJZ0F3cS48ZztE7bScTKicQfsJ05BheuH7W8vT-vNZtzdvfl_yfIn5Voq2MeF3YMSYBNlGqXbcZtibKq0DDDzJ3s1Om6TkgVpw_CTqwzJKG8LyWkGwMone3TNjFi4j6UBT4G2o1DC%20%281%29.jpg.webp?itok=4jHlYVhu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/4_14_0.jpg.webp?itok=87RfWcU8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/research1691816762-scaled_1_0.jpg.webp?itok=zJaW43iV)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_1_0_0_0_1_0_0_0_0_0_0_2_0_1_2.jpg.webp?itok=Eub_WwrE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%8A%D8%A8%D8%A7%D9%84%20%281%29.jpg.webp?itok=l5QIZWVA)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ttrf_4_1_0_0.jpg.webp?itok=eGM7A27D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/TJyYoaIPWCb1i5d30Gjrpw7fLXt0iCSz_exnQwWgbxq2nakNU1YgtKTMSrnLWGV6oejqsbylYy6kBo9aS7uXz6CvVnoHqfbzqkKbxmBNv48pdva8BItkBRhoHzHFsEo5ZxvOtzRo1hiYjMV05u-j7a9mdc0d_lyaHWz4cAvTjyne5JUgmZKNBw6oKSbXUweF.jpg.webp?itok=lutg-h0E)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D8%A9_0_0_0.jpg.webp?itok=ZdFIrzY9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%AA.png.webp?itok=VbHyzx0h)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/EgfuTZjn4Z5LmUdgOi9iC7_LqDTQiCe5sGrcdhQG4oOCUqB9DIKJoy07EmCIi7i-EUFRamvItNPmjhAqo3XonOdcpEfWjXE30wohoqjIudISrFrtCEbLmY-x1jEWRA91iKb2f1XEZu5Pvi-nINfN4vuQhkdQXVSpQN0ZQ-mQ6T-oRvP3XB4avr-b-ifO4ZK2.jpg.webp?itok=UehYwX-M)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_93.png.webp?itok=wop19a6T)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/900_0.png.webp?itok=FYTtVJ5O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_9_0_0.jpg.webp?itok=wQUJCmfX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D9%85%D9%8A%D8%A7%D8%B7.jpg.webp?itok=Q8py6cl-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85_56_1_0_0.jpg.webp?itok=rfODfedt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

