نقد ولاية الفقيه وإعادة تعريف العلاقة بين الدين والدولة

نقد ولاية الفقيه وإعادة تعريف العلاقة بين الدين والدولة

نقد ولاية الفقيه وإعادة تعريف العلاقة بين الدين والدولة


28/07/2026

يُعدّ المفكر الإيراني عبد الكريم سروش أحد أبرز الأسماء في تيار الإصلاح الديني في إيران، وقد انتقل في مسيرته الفكرية من دعم الثورة الإيرانية في بداياتها إلى تبنّي موقف نقدي معارض من مشروعها السياسي القائم على دمج الدين بالسلطة، معتبرًا أنّ هذا الدمج أنتج إشكالات عميقة في فهم الدين ووظائفه الاجتماعية، تنتهي إلى العنف حتمًا.

وعزا سروش، في كتابه: "نقد القراءة الرسمية للدين"، التضييق بحق المرأة إلى تأويلات بشرية، الغرض منها فرض الهيمنة السياسية والمجتمعية، وتقوية السلطة في قبضة فئة لا يمكن مزاحمتها أو معارضتها.

وينتقد سروش ربط الحجاب بمفاهيم العفة بصورة حصرية، معتبرًا أنّ العفة مفهوم أخلاقي عام لا يقتصر على المرأة وحدها، بل يشمل المجتمع بأسره.

ورفض سروش الحكم الديني، وقدّم مفاهيم مغايرة حول العلمانية وضرورة فض النزاع بين الأخيرة والدين، وبين المجالين الديني والعام. ومن ثمّ عدّ بعض الأحكام الفقهية ذات الطابع الاجتماعي أو السياسي لا تحمل طابعًا أبديًا، بل هي قابلة للتغير تبعًا لتغير الظروف التاريخية والمعرفية للمجتمعات. ويؤكد أنّ الفقه الإسلامي، في جزء كبير منه، تفاعل مع الواقع الاجتماعي وشروطه التاريخية، لتحقيق العدالة في زمن محدد، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنّ هذه الأحكام تمثل الصيغة النهائية أو الوحيدة الممكنة للتشريع عبر العصور.

ويميز بين الدين، بوصفه منظومة قيمية وأخلاقية، وبين الفقه، بوصفه إنتاجًا بشريًا تاريخيًا قابلًا للتطور والتغيير، أو حتى الإلغاء. ويرى أنّ القوانين، في جوهرها، هي أدوات تنظيم اجتماعي تهدف إلى تحقيق حد أدنى من الأخلاق العامة، وأنّ صلاحيتها ترتبط بقدرتها على الاستجابة لتحولات المجتمع، وإلا فإنّها تفقد وظيفتها التنظيمية.

وبحسب صاحب "نقد القراءة الرسمية للدين"، فإنّ نظرية تولّي الحكومة للثقافة (أي ولاية الفقيه) تنتهي إلى تبرير وشرعنة ممارسات العنف.

القبانجي... الدولة المدنية باعتبارها بديلًا عن ولاية الفقيه

وقد عاود المفكر العراقي أحمد القبانجي النظر في العلاقة بين الدين والدولة، ونقد الأسس الفكرية التي قامت عليها نظرية ولاية الفقيه في إيران، في حين تبنّى مقولات نظرية لأعمال المفكرين الإيرانيين عبد الكريم سروش ومصطفى ملكيان.

ويتفق القبانجي مع سروش في فكرة مركزية مفادها أنّ الدين هو منظومة قيم روحية وأخلاقية، بينما تمثل الدولة مؤسسة بشرية متغيرة تخضع لمقتضيات الواقع والمصلحة العامة. ولذلك يرفض تحويل التفسيرات الفقهية إلى سلطة سياسية مطلقة، ويرى أنّ الفقه يمثل اجتهادًا بشريًا تاريخيًا لا يمكن اعتباره معادلًا للدين نفسه.

وفي كتابه: "الإسلام المدني"، يطرح القبانجي مفهومًا بديلًا للعلاقة بين الدين والسياسة، يقوم على التوفيق بين القيم الإسلامية ومبادئ الدولة الحديثة، مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية السياسية. ويرى أنّ الشرعية السياسية لا تستمد من التفويض الإلهي أو الوصاية الدينية، بل من إرادة المواطنين عبر المؤسسات الدستورية والانتخابات الحرة. ويعتبر أنّ الدولة المدنية لا تعني إقصاء الدين من المجتمع، بل منع احتكار السلطة باسمه.

وفي نقده لولاية الفقيه، يرفض القبانجي تبنّي فكرة أنّ هذه النظرية ضمن الأصول العقدية للمذهب الشيعي، وإنّما هي اجتهاد سياسي حديث جرى تطويره في القرن العشرين على يد الخميني. ويعتبر أنّ التجربة العملية لولاية الفقيه كشفت عن إشكاليات تتعلق بتركيز السلطة، وتقييد الحريات، وإخضاع المجال السياسي لرقابة المؤسسة الدينية.

ويرتبط هذا النقد برؤية معرفية أوسع لدى القبانجي، تقوم على التمييز بين "الدين"، باعتباره حقيقة متعالية ومفارقة، و"الفكر الديني"، بوصفه فهمًا بشريًا نسبيًا ومتغيرًا. ومن هنا يدعو إلى مراجعة التراث الفقهي والكلامي في ضوء معايير العقل والخبرة الإنسانية الحديثة، ويرى أنّ الجمود على التفسيرات التقليدية يحول الدين إلى عائق أمام التطور، بدلًا من أن يكون مصدرًا للقيم والمعنى.

وقد أثارت هذه المواقف جدلًا محتدمًا في الأوساط الدينية الشيعية، ووصل الأمر إلى تعرضه للاعتقال والاستجواب في إيران عام 2013، بتهم كان من بينها الطعن في ولاية الفقيه وإنكار الثوابت الدينية.

مخاوف دولة الملالي من تصاعد التيارات الحداثية

وليس خافيًا أنّ هذه المقاربات تنظر إليها طهران بتوجس وتشكك كبيرين، وقد سبق أن أبدى محمد تقي مصباح يزدي، مؤسس مؤسسة الإمام الخميني للتعليم والبحث العلمي، وعضو مجلس خبراء القيادة في إيران، تخوفه من تنامي الاتجاهات الحداثية التي تُفضي إلى علمنة الحوزة العلمية، من خلال انحسار تأييد نظرية "ولاية الفقيه" وتصاعد معارضتها، خصوصًا داخل المؤسسات الدينية.

وبخلاف انعطافة ملالي إيران إلى الرموز القومية والتاريخية التي تبدو اضطرارية، فإنّ مصباح يزدي تخوّف، قبل أعوام، من تبنّي نزعة قومية إيرانية إلى جانب مفاهيم العلمانية، في إشارة إلى استدعاء وتبنّي مفهوم الدولة الوطنية والحنين إلى النموذج القومي الذي طبع مرحلة حكم الشاه، بما في ذلك بين مسؤولين إيرانيين.

وأضاف أنّ اتساع دائرة التشكيك في ولاية الفقيه داخل بعض المؤسسات الدينية والسياسية يهدد، على حد تعبيره، "الهوية الثورية" للنظام، ويعكس تراجعًا في حضور الفكر الإسلامي السياسي داخل قطاعات من النخبة الدينية والحاكمة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية