
يحظى ملف تفكيك شبكات الإسلام السياسي في الغرب باهتمام متزايد من قِبل مراكز الأبحاث وصنّاع القرار، لا سيّما مع تساقط الأقنعة المدنية التي تمترست خلفها هذه الكيانات لعقود.
وفي هذا السياق، يبرز "مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية" (CAIR) كأحد أهم النماذج لدراسة ظاهرة "التقية الحقوقية"؛ وهي الاستراتيجية التي وظّفتها جماعة الإخوان المسلمين لاختراق المجتمعات الغربية تحت لافتة الدفاع عن الحقوق المدنية ومكافحة التمييز.
اليوم، يواجه المجلس منعرجاً وجودياً حاسماً في ضوء القرارات التنفيذية والأحكام القضائية الأخيرة بالولايات المتحدة، التي أيّدت تصنيفه ككيان مرتبط بالإرهاب وضيقّت الخناق على بنيته المالية والسياسية.
قناع الحقوق المدنية والجذور الإخوانية لـ "كير"
تأسس مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR) عام 1994 في واشنطن العاصمة، مقدّماً نفسه كمنظمة حقوقية تهدف إلى تمكين المسلمين الأمريكيين. إلا أنّ القراءة التفكيكية لمسار نشأة المنظمة تكشف عن هندسة تنظيمية دقيقة صممتها جماعة الإخوان المسلمين لتكون ذراعاً سياسية وإعلامية لها في قلب الولايات المتحدة.
وتعود الجذور العضوية للمنظمة إلى "اللجنة الفلسطينية" التابعة لجماعة الإخوان المسلمين في أمريكا الشمالية، التي شُكّلت في أوائل التسعينيات لدعم حركة حماس مالياً وسياسياً. ويُعدّ "اجتماع فيلادلفيا" السري عام 1993 محطة مفصلية؛ إذ التقى فيه قادة اللجنة، ومن بينهم مؤسسا "كير" (نهاد عوض وعمر أحمد)، لبحث سبل الالتفاف على الرقابة الأمنية الأمريكية بعد إدراج حماس على قوائم الإرهاب.
وكان المخرج الذي تم التوافق عليه هو تأسيس كيان يحمل طابعاً حقوقياً أمريكياً صرفاً، يتبنّى لغة "الحريات والدستور" كغطاء لتمرير أجندة الإسلام الحركي ودعم أذرعه العابرة للحدود.
مقصلة القضاء وتصاعد قرارات التصنيف
لم يدم التمويه الحقوقي طويلاً؛ إذ تلاحقت الضربات القانونية والقضائية التي رفعت الغطاء عن ارتباطات المجلس:
ـ الوصمة الفيدرالية وقضية "الأرض المقدسة": خلال المحاكمة الشهيرة لـ "مؤسسة الأرض المقدسة" عامي 2007 و2008، صنّفت وزارة العدل الأمريكية "كير" رسميًا كـ "متآمر غير متهم" (Unindicted Co-conspirator). في عام 2009 ثبّت القاضي الفيدرالي "خورخي سوليس" هذا الوصف في حكم تاريخي، مؤكداً وجود أدلة وافرة تربط المنظمة بشبكات تمويل حماس والإخوان المسلمين.
ـ التحول نحو التصنيف ككيان إرهابي بالولايات المتحدة (2025 - 2026) : شهد العامان الأخيران تحولاً حاسماً في استراتيجية التعامل مع "كير"؛ حيث تجاوزت السلطات في بعض الولايات صيغ الرقابة التقليدية إلى التصنيف المباشر.
وأصدر حاكم ولاية تكساس "غريغ أبوت" وحاكم ولاية فلوريدا "رون ديسانتيس" قرارات حازمة بإدراج المجلس ضمن الكيانات الداعمة للإرهاب. وفي مطلع تموز (يوليو) الجاري دخل هذا التصنيف حيز التنفيذ في فلوريدا بموجب إطار تشريعي جديد منحه البرلمان المحلّي لسلطات الولاية لتصنيف المنظمات الإرهابية المحلية.
ـ حكم الكشف المالي أيار (مايو) 2026: رغم محاولات المنظمة الطعن في هذه القرارات مستغلة حماية التعديل الدستوري الأول، تلقت "كير" صفعة قضائية كبرى في أيار (مايو) الماضي، عندما أصدرت محكمة فيدرالية في تكساس حكماً يلزم المنظمة بالخضوع لإجراءات "الكشف القانوني"(Discovery) .
وقضى الحكم بضرورة تسليم "كير" قوائم متبرعيها دون تشفير، وسجلات السفر المفصلة لمديرها التنفيذي نهاد عوض إلى بلدان ترتبط بجماعات متطرفة. ويمثل هذا القرار القضائي انتصاراً للدول والولايات التي تصنف المنظمة، كونه يجردها من درع السرية المالية الذي لطالما تدثرت به.
تصدع شبكات الاختراق الناعم "تداعيات القرار":
تتجاوز آثار هذه الأحكام القضائية والتصنيفات الحدود الجغرافية للولايات التي صدرت فيها، لتلقي بظلالها على شبكة الإخوان المسلمين محليًا وعالميًا:
ـ التداعيات داخل الولايات المتحدة: تجفيف المنابع تحت طائلة الانكشاف المالي: يُعدّ إجبار "كير" على كشف هويات المانحين بمثابة قطع لشريان الحياة المالي؛ فالشخصيات والشركات التي كانت تمول الأنشطة تحت غطاء "العمل الخيري المدني" ستتراجع فوراً لتجنب الملاحقات الأمنية والقانونية وتشويه السمعة التجارية.
ـ التعطيل المؤسسي والعقاري: يسلب التصنيف من "كير" القدرة على تملك الأراضي، أو الاستفادة من الإعفاءات الضريبية، أو التعاقد مع الجهات الحكومية، ممّا يعني شللاً شبه كامل لأفرعها النشطة في تلك الولايات.
ـ العزل السياسي ونهاية التمثيل الاحتكاري: تفقد المنظمة صفتها كممثل شرعي للمسلمين الأمريكيين أمام الدوائر الحكومية والشركاء السياسيين، وتتحول من جماعة ضغط مؤثرة إلى كيان منبوذ تبتعد عنه النخب السياسية خشية المحاسبة الانتخابية.
التداعيات خارج الولايات المتحدة:
ـ تفكيك المركز الاستراتيجي للإخوان في الغرب: كانت الساحة الأمريكية تمثل ملاذًا ماليًا وإعلاميًا آمنًا يغذي ما يُعرف بـ "التنظيم الدولي للإخوان". تضييق الخناق على "كير" يضعف من قدرة التنظيم على التأثير في السياسات الخارجية للقوى العظمى تجاه قضايا الشرق الأوسط.
ـ إلهام النموذج الغربي: تشكل هذه القرارات القضائية والتنفيذية سابقة قانونية ملهمة لدول أوروبية تعاني من تغلغل جماعات الإسلام السياسي، مما يمهد الطريق لإجراءات موازية في دول مثل بريطانيا، وفرنسا، والنمسا، لتفكيك "الإسلاموية المؤسساتية".
الحرباء التنظيمية والواجهات البديلة للإخوان:
تاريخيًا، تتميز جماعات الإسلام السياسي بمرونة هيكلية تمكنها من إعادة إنتاج نفسها تحت مسمّيات جديدة كلما اشتد عليها الحصار القانوني. وفي حال شلل "كير" أو حظره التام، تتوفر للجماعة بنية تحتية جاهزة من الكيانات البديلة التي تشاركها المنبت الفكري والتنظيمي ذاته، ومن أبرزها:
ـ الجمعية الإسلامية الأمريكية (MAS) : تأسست عام 1993 كجناح دعوي وتنظيمي مباشر للإخوان المسلمين في أمريكا. ورغم محاولاتها تجميل خطابها والادعاء بالاستقلالية، تظل "ماس" الحاضنة الفكرية البديلة التي يمكن أن ترث عباءة "كير" الدعوية والتربوية عبر فروعها الممتدة في عموم الولايات المتحدة.
ـ الجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية (ISNA): تُعدّ كبرى المظلات الإسلامية تاريخيًا في القارة الأمريكية، ولديها أصول مالية وعقارية ضخمة. وإلى جانب تصنيفها هي الأخرى كـ "متآمر غير متهم" في قضية مؤسسة الأرض المقدسة، تشكل "إسنا" ركيزة تمويلية واجتماعية مرنة قادرة على استيعاب تداعيات غياب "كير".
ـ منظمة "أمريكيون مسلمون من أجل فلسطين": (AMP) تأسست عام 2006 وتتبنّى خطاباً راديكالياً يركز على تسييس القضية الفلسطينية داخل الجامعات الأمريكية بالتعاون مع حركات طلابية يسارية وراديكالية مثل "SJP" . وتُعدّ "AMP" الواجهة الأكثر حيوية وجاذبية للجيل الجديد من الناشطين، وهي البديل الأنسب لقيادة النشاط الميداني والسياسي المباشر.
ـ المجلس الأمريكي للمنظمات الإسلامية (USCMO) : يمثل هذا التحالف المظلي، الذي تأسس بمبادرة مشتركة من "كير" و"AMP"، الصيغة "الكونفدرالية" التي تلجأ إليها الجماعة لحماية مكتسباتها السياسية. ومن خلال هذا المجلس تسعى المنظمات الإخوانية للتحدث بصوت واحد لتفادي استفراد القوانين الفيدرالية أو المحلية بكل منظمة على حدة.
نهاية حقبة "التمويه الحقوقي"
إنّ ما تواجهه منظمة "كير" اليوم ليس مجرد نزاع قانوني عابر، بل هو مؤشر على نهاية حقبة تاريخية بأكملها؛ حقبة تمكنت فيها تيارات الإسلام السياسي من استغلال هوامش الليبرالية والقيم الدستورية الغربية لبناء إمبراطوريات مالية وسياسية موازية.
ومع سقوط جدار السرية المالية عبر الأحكام القضائية الأخيرة، وتصاعد الجرأة التشريعية لدى الولايات الأمريكية، تبدو أدوات "التقية الحقوقية" عاجزة عن حماية هذه الكيانات، ممّا يضع جماعة الإخوان المسلمين أمام خيار التلاشي التدريجي أو البحث عن صيغ تمويهية جديدة في بيئة غربية باتت أكثر يقظة وحذرًا من ذي قبل.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%A8%D9%87%D8%A9%20%D9%85%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF%20%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_0_4_1_0_1_0_0_0.jpg.webp?itok=ELQ3hgoe)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8173.jpg.webp?itok=jaWGpYH-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%A7_0_0.jpg.webp?itok=bQLf8_1Y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%A8%D8%B1_42_1_0_1_0_1_1_1.jpg.webp?itok=8AyN_q77)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B7%D8%B1%D9%81_14_0_1_0.jpg.webp?itok=UNkP3UZG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/IMG_7553_1.jpeg.webp?itok=X_AwdKi9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9_1_3_0.jpg.webp?itok=WZWWB7QO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_9.jpg.webp?itok=EDC6YB0X)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AF%D9%84_1_0.jpg.webp?itok=bf6oyglv)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/GRmdKTfqqEzQRZ6pRJ-izH1XVWj2S32g7-mcjYo3ft6YYJLW77_7taf_AW-0tVSxUi0hRgtg4-TCaWbXrHvJSq8ALiFw26Cx33jwHdKfpw68A7IbfpoDJWEo21N_8cAkAdEnb7M9dk1dQORGryBoNcYkcjY4Fst75914ILGe4Y8OWWN_D2j-2anFKEDi6k9r.jpg.webp?itok=jMDUxeZY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_1_0_0_0_1_0_0_0_0_0_0_2_0_1_0.jpg.webp?itok=YTFJdfkl)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/o08NXWnhX8LXQKObPMjKW_UrziZ3_24w6J91pa9rNzIHw1IP6-Bp5ZMgj24OlT1zTMGWbcxkNnU-3ymh9-A_PZhT4VAE1qnfccAGbFVFkfuCiXZcepCwo6tz1b0qq427VCxkcn0mhFkobasxfd5oSS-srp-Lp_q53iTeGc8IVLkpVD9qZ2alEuXUxVBqvx8T.jpg.webp?itok=jDSlhmq1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_2_0_0.jpg.webp?itok=jR1Rtx0V)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/FBHf7y2Qdzov3SheKVLb0Ou3HHCM0sHgnMDVXmVIkRlTPW4TTaKzqZmhUc4IssIO8-jXAcGPeKmkk8M1cRfhqoYBFSBRGaxMY5pvsc5XOij16OvWR5cP-9lzuzW_vu3ciZ3qurHsHce6TPVrCzaaiLtfk9dvZhkDNgFoDfh0Hg151o2OLmiUu76dm9ScSTw6.jpg.webp?itok=aASdgbyC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1_0.jpg.webp?itok=R32ikT93)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/MENA-Q2-2015-1000x8001-1-780x470.jpg.webp?itok=GIKMaso_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/55_9.png.webp?itok=gQ-7AvcP)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_3.jpg.webp?itok=xVE89XIG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_2_0.jpg.webp?itok=KsUddOOW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1_3_1_3.jpg.webp?itok=KE0VCaW3)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_17.png.webp?itok=d_X72sea)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)