"الإخوان وإيران": الدولة الوطنية في مواجهة الأجندة الخارجية

"الإخوان وإيران": الدولة الوطنية في مواجهة الأجندة الخارجية

"الإخوان وإيران": الدولة الوطنية في مواجهة الأجندة الخارجية


08/07/2026

كشفت الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، جانبًا لافتًا من مواقف جماعة الإخوان المسلمين، وأعادت إلى الواجهة تساؤلات قديمة حول أولويات الجماعة وطبيعة تحالفاتها السياسية. فقد أظهرت مواقفها خلال الأزمة أنّ اعتبارات التنظيم والإيديولوجيا ما زالت تتقدم، ولها الأولوية على المصالح الوطنية للدول التي تنشط فيها، وهو ما يعيد إلى الأذهان محطات سابقة من تاريخ الجماعة وعلاقاتها الإقليمية. وقد أصدر القائم بأعمال المرشد العام للجماعة، صلاح عبد الحق، بيانًا أدان فيه الضربات التي استهدفت إيران، داعيًا الدول العربية إلى الاصطفاف في مواجهة ما وصفه بـ "المشروع الإسرائيلي". وانتقد ما اعتبره غيابًا للاستقلال الاستراتيجي والعسكري والاقتصادي لدى بعض الدول العربية، مطالبًا بتنسيق الجهود لمواجهة التحديات التي تشهدها المنطقة.

تقاطعات إيديولوجية ومواقف سياسية

هذه المواقف تعكس استمرار التقاطعات الفكرية والسياسية بينها وبين التيارات الإسلاموية المرتبطة بإيران. ويشير مركز "تريندز" إلى أنّ هذه الجماعة، بصرف النظر عن أيّ تهديد وجودي للدول والشعوب، لها أولوياتها الخاصة التي ستستخدمها بكل الوسائل لتحقيقها، متجاهلة المصالح، أو حتى الهويات الوطنية. وقد بات واضحًا أنّ هذه الجماعة، باستغلالها اسم القضية الفلسطينية وعدائها الزائف لإسرائيل، لا تجد غضاضة في تدمير الدول التي تعيش فيها، وأنّها قادرة، عن علم أو غير علم، على التحالف مع أيّ عدو يمنحها السلطة في أيّ وقت من أجل الوصول إليها.

ولذلك، لم تختلف مواقف الإخوان من إيران منذ عام 1979 حتى الآن؛ فبرغم الخلافات المذهبية، فإنّها كانت في تحالف مُتخفٍ طوال السنوات الماضية، وكان موقفها الواضح أنّهما معًا طوال الوقت. وخلال هذه الحرب اختارت الجماعة أن تسير في سياسة التخفي نفسها، واختارت فروعها الصمت، مثل حماس. وفي بيان صلاح عبد الحق، ممثل الجماعة وتنظيمها الدولي، طالب الدول العربية بالوقوف صفًا واحدًا ضد "ما سمّاه" المشروع الإسرائيلي، بل اتهم الدول العربية بفقدان الاستقلال الاستراتيجي والعسكري والاقتصادي، وذلك من خلال دعوته قادة الدول العربية والإسلامية إلى "تقدير اللحظة الراهنة والتحديات التي تواجه شعوبهم، بالتنسيق بينها لمواجهة خطط مشروع الاحتلال القائم على التوسع وتقويض أمن واستقرار المنطقة وتهديد سيادة ووحدة دولها"، في محاولة يائسة لتشويه الوضع وتشتيت انتباه الرأي العام عن المخاطر الحقيقية لإيران وعدوانها المتكرر والصارخ على دول الخليج العربي.

وفي التطبيق العملي للإيديولوجيات المشتركة بينهم وبين الإسلامويين الشيعة "الحرس الثوري"، من منظور "مفهوم السياسة الدينية" و"مفهوم فقه الاجتهاد"، وفي ضوء العلاقات التاريخية بينهما، ظهر جليًا أنّ إيديولوجية جماعة الإخوان المسلمين تُمثل تهديدًا خطيرًا للوحدة الوطنية للدول، وللحياة السلمية، وللتنمية الاقتصادية، بحسب "تريندز"، بل تمثل تهديدًا خطيرًا للدولة الوطنية؛ لأنّ هذه الجماعة، في مغالطة واضحة، اعتبرت دول الخليج العربي متورطة في هذه الحرب، خلافًا للواقع الذي يعرفه العالم أجمع، بل عدّت عدوان إيران على هذه الدول حقًا من حقوق الدفاع عن النفس؛ فقد جاء في بيان الجماعة: "إنّ إيران في هذه الحرب دولة معتدى عليها، ولها ـ شرعًا وقانونًا ـ حق الدفاع عن النفس، كما أنّ صدها لهذا العدوان المخالف لكل القوانين والمواثيق الدولية هو حق وواجب يستحق التأييد". وعلى الرغم من أنّهم، في ازدواجية مضللة، أشاروا إلى جهود الدول العربية وتركيا لمنع الحرب في المنطقة، ومحاولة الجماعة أن تمسك العصا من المنتصف، فإنّهم، في البيان نفسه، وفي تناقض واضح، قالوا: "إننا نؤكد بكل جلاء ووضوح رفضنا التام لكل مشاريع الهيمنة والسيطرة على منطقتنا، وبذل الجهود كافة لإعلاء قيم المشروع الإسلامي الذي نحمله لنهضة الأمة".

الدولة الوطنية في مواجهة المشروع الإيديولوجي

لهذا، لا يمكن النظر إلى مواقف جماعة الإخوان خلال الحرب الأخيرة باعتبارها مجرد ردود فعل مرتبطة بظرف سياسي عابر، بل تبدو امتدادًا لمسار فكري وسياسي تشكل على مدى عقود، يقوم على أولوية المشروع الإيديولوجي على حساب اعتبارات الدولة الوطنية وحدودها السياسية. فمنذ نجاح الثورة الإيرانية عام 1979، ورغم التباينات العقائدية العميقة بين الإخوان والإسلامويين الشيعة، ظلت نقاط الالتقاء المرتبطة بمفهوم "الحاكمية"، وتسييس الدين، والسعي إلى إعادة تشكيل المجال السياسي وفق مرجعية إيديولوجية مشتركة، عاملًا مهمًا في بناء مساحات من التقارب والتفاهم بين الطرفين.

وقد تجلت هذه التقاطعات في أكثر من محطة تاريخية، سواء في مواقف شخصيات إخوانية بارزة من الثورة الإيرانية، أو في العلاقات التي نسجتها بعض فروع الجماعة مع طهران وحلفائها الإقليميين، وصولًا إلى المواقف المتقاربة تجاه عدد من أزمات المنطقة. وبرزت خلال السنوات الأخيرة نماذج معاصرة أظهرت استعداد بعض التيارات الإسلاموية لتقديم التحالفات الإيديولوجية على مقتضيات التوافق الوطني، وهو ما انعكس في مواقفها من أزمات دول، مثل سوريا والعراق واليمن ولبنان، حيث تداخلت الحسابات العقائدية مع الصراعات السياسية والأمنية بصورة معقدة.

وفي هذا السياق، أعادت الحرب الأخيرة طرح أسئلة جوهرية حول حدود الولاء للدولة الوطنية لدى الحركات الأصولية والإسلاموية في تبنيها مفاهيم الأمة والأممية، ومدى قدرتها على الفصل بين الأجندة التنظيمية والمصلحة الوطنية.  وكشفت أنّ الخطاب الذي يرفع شعارات مقاومة الهيمنة أو نصرة القضايا الكبرى قد يتحول، في بعض الأحيان، إلى أداة لتبرير مواقف سياسية تتجاوز الحسابات الوطنية المباشرة. ومن ثم، فإنّ الجدل الذي أثارته مواقف الإخوان خلال هذه الحرب يتصل، في الواقع، بمستقبل الحركات الإيديولوجية في المنطقة، التي تبدو أنّها حلقة منبتة الصلة بالتاريخ، وفي عداء مع حركته، طالما لا تتصالح في علاقتها مع الدولة الوطنية، وتقف في خصومة، وعلى النقيض، من مبادئها وقيمها. فثمة ضرورة للتكيف مع التحولات التي تشهدها المنطقة في مرحلة تتزايد فيها أهمية مفاهيم السيادة والاستقرار والتنمية والأمن الوطني.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية