تكرار الكلمات ـ Echolalia .. "لغة العقل الباطن"

تكرار الكلمات ـ Echolalia .. "لغة العقل الباطن"

تكرار الكلمات ـ Echolalia .. "لغة العقل الباطن"


05/07/2026

قلّما يخلو حديثُ الإنسانِ من ترديدِ كلمةٍ أو عبارةٍ اعتادَ عليها دونَ وعيٍ، حتى تصبحَ جزءًا من أسلوبِهِ وطريقةِ كلامِهِ. وقد لاحظتُ أنني غالبًا ما أستخدمُ عبارةَ "هل عرفت؟" في محادثاتي مع الأصدقاءِ وأفرادِ العائلةِ، وهو ما أثارَ فضولي لأفهمَ أصلَ هذهِ العادةِ وما إذا كانت مجردَ تكرارٍ لغويٍّ أو ترتبطُ بدلالاتٍ أعمقَ. ومن خلالِ البحثِ اكتشفتُ أن تكرارَ الكلماتِ والعباراتِ ليس مجردَ ظاهرةٍ عابرةٍ، بل هو سلوكٌ لغويٌّ شائعٌ تُشكِّلُهُ عواملٌ نفسيةٌ واجتماعيةٌ وعصبيةٌ، وقد يكونُ لهُ وظائفُ تواصليةٌ مهمةٌ مثلَ الكلامِ التلقائيِّ.

تُعرَفُ هذهِ الظاهرةُ في الدراساتِ اللغويةِ والطبيةِ باسمِ "التكرارِ الكلاميِّ" أو Echolalia، وهي تتضمنُ إعادةَ إنتاجِ الأصواتِ أو الكلماتِ أو العباراتِ التي ينطقُ بها شخصٌ آخرُ، سواءٌ كانَ ذلكَ مباشرةً بعدَ سماعِها أو بعدَ فترةٍ زمنيةٍ تطولُ أو تقصرُ. ويُعتبَرُ هذا السلوكُ جزءًا من عمليةِ اكتسابِ اللغةِ الطبيعيةِ عندَ الأطفالِ، حيثُ يبدأُ الأطفالُ بتقليدِ الصوتياتِ قبلَ أن يُطوِّروا وسائلَ التعبيرِ الخاصةَ بهم. إلا أنَّ التكرارَ الكلاميَّ قد يستمرُّ لدى بعضِ الأفرادِ، ويرتبطُ في هذهِ الحالةِ بمجموعةٍ من الاضطراباتِ أو الإصاباتِ العصبيةِ، مثلَ اضطرابِ طيفِ التوحدِ، والفصامِ، ومتلازمةِ توريت، وإصاباتِ الدماغِ.

ولم يكنِ الفهمُ السائدُ دائمًا على هذه الحالِ؛ فقد كانَ التكرارُ الكلاميُّ لفترةٍ طويلةٍ سلوكًا يجبُ التحكمُ فيهِ أو التخلصُ منهُ. لكنَّ الدراساتِ الحديثةَ أعادتْ تقييمَ هذا الفهمِ، حيثُ توصلتْ إلى أنَّ التكرارَ الذي يبدو بلا معنىً قد يكونُ في الواقعِ محاولاتٍ حقيقيةً للتواصلِ أو لإظهارِ حاجةٍ أو شعورٍ أو فكرةٍ يصعبُ التعبيرُ عنها بلغةٍ مباشرةٍ. لذلكَ أصبحَ التكرارُ الكلاميُّ في الوقتِ الحاليِّ علامةً على وجودِ نيةٍ للتواصلِ يمكنُ الاستفادةُ منها في تطويرِ المهاراتِ اللغويةِ، بدلًا من اعتبارِهِ عقبةً.

توضِّحُ أصولُ المصطلحِ جوهرَهُ، إذ يرجعُ إلى الأسطورةِ اليونانيةِ عن الحوريةِ "إيكو" التي كانتْ تُلهي الإلهةَ "هيرا" بالحديثِ بينما كانَ "زيوسُ" منشغلًا بمغامراتِهِ، وعندما تمَّ اكتشافُ حيلتِها، عاقبتها "هيرا" بحرمانِها من القدرةِ على إتقانِ الكلامِ، فلم يبقَ لها سوى تكرارِ ما يُقالُ لها. وهكذا أصبحَ الصدى معنىً لكلمةِ Echo، وامتدَّ معناها ليصبحَ جزءًا من اللغةِ. ويلعبُ التكرارُ اللغويُّ دورًا أساسيًا في السنواتِ الأولى لاكتسابِ اللغةِ، فالطفلُ لا يفهمُ الكلماتِ كعناصرَ منفصلةٍ، بل يستوعبُ الجملةَ بكاملِها كمعنىً واحدٍ. فعندما يسألُ أحدُ الوالدينِ: "هل تريدُ قطعةَ بسكويتٍ؟"، ربما يكتفي الطفلُ بتكرارِ كلمةِ "بسكويت" أو جزءٍ آخرَ من الجملةِ، رغمَ أنَّ قصدَهُ الحقيقيَّ هو "نعم، أريدُ قطعةَ بسكويتٍ". فالكلمةُ المكررةُ هنا تحملُ فكرةً كاملةً.

وقد يربطُ الطفلُ كلمةَ "السيارةِ" بالخروجِ والنزهاتِ إذا اعتادَ سماعَها في هذا السياقِ، ومع تطورِ مهاراتِهِ اللغويةِ تدريجيًا، يصبحُ قادرًا على تفكيكِ هذهِ العلاقاتِ الأوليةِ، ليميِّزَ بينَ الكلمةِ وسياقاتِ استخدامِها المختلفةِ. ومع بلوغِ الطفلِ حوالي الشهرِ الثلاثين، يكونُ معظمُ الأطفالِ قد اجتازوا هذهِ المرحلةَ وأدركوا أنَّ السيارةَ قد تكونُ مجردَ موضوعٍ للحديثِ وليسَ بالضرورةِ إشارةً إلى رحلةٍ قادمةٍ.

ورغمَ أنَّ هذا النمطَ من التكرارِ اللفظيِّ يمكنُ أن يستمرَّ لدى بعضِ الأطفالِ الذينَ لديهم تأخرٌ نمائيٌّ أو إعاقاتٌ لغويةٌ وعصبيةٌ، خاصةً أولئكَ المصابينَ بالتوحدِ، حيثُ يستمرُّ هؤلاءِ في تكرارِ ما يسمعونَهُ من آبائِهم، أو من برامجِ التلفزيونِ، أو الأفلامِ، أو الأغاني، أو حتى الأصواتِ المحيطةِ بهم.

وقديمًا، كانَ يُنظرُ إلى هذا السلوكِ بشكلٍ سلبيٍّ، وتركَّزتْ محاولاتُ علاجِهِ على قمعِهِ، غيرَ أنَّ المختصينَ المعاصرينَ يرونَهُ وسيلةً للتواصلِ يعتمدُ عليها الطفلُ عندما تعجزُهُ اللغةُ الحرةُ. لذلكَ باتتِ الجهودُ العلاجيةُ تتوجهُ نحو استثمارِ هذا السلوكِ وتطويرِهِ بدلًا من محاربتِهِ. ويُصنِّفُ اختصاصيو علاجِ النطقِ التكرارَ الكلاميَّ إلى نوعينِ أساسيينِ؛ النوعُ الأولُ هو التكرارُ الفوريُّ، حيثُ يعيدُ الشخصُ ما سمعَهُ أثناءَ المحادثةِ نفسِها أو بعدَ قليلٍ من الوقتِ. على سبيلِ المثالِ، إذا قالَ المعلمُ: "هذا كتابُكَ"، قد يردُّ الطفلُ بقولِهِ: "كتابُكَ". قد يبدو ذلكَ كأنَّهُ تقليدٌ فقط، لكنهُ قد يكونُ وسيلةً لفهمِ الرسالةِ أو تثبيتِها أو الإشارةِ إلى استيعابِها.

أمّا النوعُ الثانيُ، فهو التكرارُ المتأخرُ، الذي يتمثلُ في استدعاءِ عباراتٍ سبقَ للشخصِ أن خزنَها في ذاكرتِهِ ليستخدمَها في موقفٍ جديدٍ ذي صلةٍ معنويةٍ، وقد يقومُ طفلٌ بترديدِ إعلانِ مطعمٍ للوجباتِ السريعةِ في التعبيرِ عن رغبتِهِ بالذهابِ إلى ذلكَ المطعمِ، حيثُ تكونُ العبارةُ رمزًا لمعنىً أوسعَ ارتبطَ بخبرتِهِ السابقةِ.

بالإضافةِ إلى ذلكَ، يمكنُ أن يؤديَ التكرارُ الكلاميُّ وظيفةً في تنظيمِ وضبطِ السلوكِ؛ فقد يعيدُ الشخصُ بشكلٍ مسموعٍ الخطواتِ التي يجبُ اتباعُها قبلَ النومِ أو إنجازِ مهمةٍ معينةٍ، ويواصلُ ترديدَها بصوتٍ منخفضٍ أثناءَ التنفيذِ، كأنَّهُ يستخدمُ اللغةَ لترتيبِ وتوجيهِ أفعالِهِ.

ويلعبُ هذا السلوكُ دورًا مميزًا لدى الأطفالِ المكفوفينَ، حيثُ يدفعُهم حرمانُهم من الإشاراتِ البصريةِ إلى الاعتمادِ بشكلٍ أكبرَ على المعلوماتِ السمعيةِ، وهو ما يجعلُهم يميلونَ إلى تكرارِ كلماتٍ أو عباراتٍ لجذبِ استجاباتٍ صوتيةٍ من المحيطينَ بهم، ممّا يساعدُهم في تحديدِ أماكنِهم وفهمِ البيئةِ المحيطةِ بشكلٍ أفضلَ.

وليسَ من المستغربِ أن يشعرَ الوالدانِ أو المعلمونَ بالارتباكِ أو الضيقِ تجاهَ هذا التكرارِ، خاصةً عندما يجهلونَ وظيفتَهُ الحقيقيةَ، فقد يتأخرُ الشخصُ في الاستجابةِ لأنَّهُ يعيدُ معالجةَ السؤالِ، أو ربما يرددُ حوارًا من فيلمٍ يحتوي على ألفاظٍ غيرِ مألوفةٍ، ليسَ رغبةً في استخدامِها، بل لأنَّهُ يشعرُ بأنَّ ذلكَ الحوارَ يُعبرُ عن حالتِهِ النفسيةِ بشكلٍ أوضحَ. الخطأُ هنا ليسَ في السلوكِ ذاتِهِ، بل في تفسيرِهِ على نحوٍ خاطئٍ.

ولهذا السببِ، تخلّى العديدُ من المختصينَ عن السعيِ للحدِّ من التكرارِ الكلاميِّ، وتغيرتْ رؤيتُهم لهُ بوصفِهِ نقطةَ انطلاقٍ نحوَ تواصلٍ أكثرَ نضجًا. وبدلًا من محاولةِ إيقافِهِ، يقومونَ بتوجيهِهِ ليصبحَ وسيلةً لبناءِ اللغةِ.

ومن أفضلِ الطرقِ في هذا المجالِ تعليمُ الشخصِ كيفيةَ الإجابةِ المناسبةِ للأسئلةِ المتكررةِ، وإعادةُ صياغةِ الأسئلةِ بطريقةٍ تسهلُ الإجابةَ عليها، وتقديمُ نماذجَ لغويةٍ جاهزةٍ يمكنُ تقليدُها، بالإضافةِ إلى استخدامِ الجملِ الافتتاحيةِ التي تشجعهُ على إكمالِ الجملةِ بنفسِهِ. فبدلًا من سؤالِهِ: "هل تريدُ ماءً؟"، يمكنُ أن يُقالَ: "فلانٌ يريدُ ماءً؟"، أو تقديمُ نموذجٍ للإجابةِ: "أريدُ ماءً"، ممّا يساعدُهُ تدريجيًا على تطويرِ الصيغةِ اللغويةِ المناسبةِ.

لذلكَ فإنَّ التكرارَ الكلاميَّ ليسَ مجردَ صدىً فارغٍ للكلماتِ كما كانَ يُعتقدُ سابقًا، بل هو في كثيرٍ من الأحيانِ لغةٌ داخليةٌ تبحثُ عن وسيلةٍ للظهورِ. وكلما كانتْ قدرتُنا على الاستماعِ إلى هذا الصدى وفهمِ ما وراءَهُ من رغبةٍ في الفهمِ والتعبيرِ أفضلَ، زادتْ قدرتُنا على تعزيزِ التواصلِ مع هؤلاءِ الأشخاصِ. بالتالي، فإنَّ فهمَ هذهِ الظاهرةِ لا يثرينا علميًا فقط، بل يُعززُ أيضًا قيمَ الاحتواءِ والتفهمِ ويمنحُ الأطفالَ والبالغينَ الذينَ يعتمدونَ هذا النمطَ من التعبيرِ فرصةً أكبرَ للتفاعلِ والاندماجِ مع العالمِ المحيطِ بهم.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية