
لم يعد الزواج في قطاع غزة مناسبة اجتماعية يترقبها الشباب بشغف، بل تحول لدى كثيرين إلى حلم مؤجل تصطدم طريقه بالحرب، وارتفاع تكاليف المعيشة، وانعدام فرص العمل، وتراجع الدخل، إلى جانب الدمار الذي طال المنازل والبنية التحتية، فأصبح تأسيس أسرة جديدة تحدياً يومياً يفوق قدرة آلاف الشباب.
وفي الأزقة المكتظة، وبين البيوت التي أنهكتها سنوات الحرب، يعيش كثير من الشبان حالة من القلق وهم يحاولون التوفيق بين رغبتهم الطبيعية في الزواج وبين واقع اقتصادي وإنساني يزداد تعقيداً، فكل خطوة نحو بناء بيت جديد تحتاج إلى نفقات يصعب توفيرها، في وقت باتت فيه الأولويات تنحصر في تأمين الغذاء والمأوى والاحتياجات الأساسية.
وقد شنت إسرائيل في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023 حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة بدعم أمريكي، وهو ما أسفر عن أكثر من 73 ألف قتيل وما يزيد على 173 ألف جريح، إضافة إلى دمار هائل طال نحو 90% من البنى التحتية المدنية.
ورغم اتفاق لوقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025، فإنّ الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة لم تشهد تحسناً؛ بسبب تنصل إسرائيل من الالتزامات التي نص عليها الاتفاق، بما في ذلك فتح المعابر وإدخال الكميات المتفق عليها من المساعدات الإنسانية والإغاثية والطبية ومواد الإيواء.
الزواج رهينة الحرب
يقول الشاب إسماعيل شراب (25 عاماً) من حي النصر بمدينة غزة، وهو مقبل على الزواج منذ أكثر من عامين: إنّ "الحرب لم تؤجل موعد زفافه مرة واحدة فحسب، بل غيرت كافة تفاصيل حياته".
ويضيف شراب في حديثه: "عندما خطبت كنت أظن أنّ الأمر لن يستغرق سوى أشهر قليلة، فقد كنت أعمل وأدخر جزءاً من راتبي استعداداً للزواج، مشيراً إلى أنّ "أكثر ما يؤلمه ليس تأجيل الزواج بحد ذاته، وإنّما شعوره بأنّه عاجز عن الوفاء بالوعود التي قطعها لخطيبته".
ويوضح: "كنت قد وضعت خطة واضحة لتجهيز منزل متواضع، وشراء بعض الأثاث الضروري، وإقامة حفل عائلي بسيط يجمع الأقارب والأصدقاء، لكنّ الحرب جاءت لتقلب كل الحسابات رأساً على عقب".
ويتابع قائلاً: "فقدت عملي بعد أشهر قليلة من اندلاع الحرب، ثم اضطررنا إلى النزوح أكثر من مرة، ولم يعد لدينا منزل صالح للسكن كما كان في السابق، وأصبحت أفكر كل صباح في كيفية تأمين احتياجات أسرتي الحالية قبل أن أفكر في تكوين أسرة جديدة، حتى الأموال التي كنت أدخرها أنفقتها على متطلبات الحياة اليومية، ولم يبقَ منها شيء".
ويتابع شراب: "أشعر بالحزن كلما تحدثت معي خطيبتي عن المستقبل، فهي كانت تحلم ببيت صغير يجمعنا، ولم تكن تطلب الكثير، لكن حتى هذا الحلم البسيط أصبح بعيد المنال، وغالباً أشعر بالحرج لأنني لا أستطيع تحديد موعد جديد للزفاف، وكل ما أستطيع قوله لها هو: عندما تتحسن الظروف".
ويرى أنّ المجتمع الغزي بات أكثر تفهماً لهذه الظروف، إلا أنّ الضغوط النفسية ما زالت كبيرة، ويكمل: "أقاربنا وأصدقاؤنا يعرفون أننا لسنا السبب، لكنّ الإنسان بطبيعته يريد أن يبدأ حياته، وأن يشعر بالاستقرار، فالعمر يمضي، والخطط تتغير، وكل يوم يمر يجعل المستقبل أكثر غموضاً".
الأمل رغم الحرب
ولا تقف التحديات عند فقدان الدخل، بل تمتد إلى الارتفاع الكبير في أسعار السلع الأساسية ومستلزمات الزواج. ويشرح شراب: "حتى لو توفر المال، فإنّ الأسعار تضاعفت بشكل كبير، الأثاث، وأدوات المنزل، وكل ما يحتاجه أيّ بيت جديد أصبح مرتفع الثمن، وبعض السلع غير متوفرة أصلاً، وما يتوفر منها يباع بأسعار تفوق قدرة معظم الشباب".
ويستطرد قائلاً: "كنا سابقاً نختلف حول نوع الأثاث أو تصميم المنزل، أمّا اليوم فقد أصبح السؤال، هل سنجد خيمة أساساً؟ وهل سنستطيع شراء الحد الأدنى من الاحتياجات؟ فتغيرت أولوياتنا بالكامل".
ويؤكد أنّ خطيبته كانت شريكته في تحمل هذه الظروف الصعبة، ويواصل: "كانت دائماً تخبرني أنّ الأهم هو أن نبقى بخير، وأنّ الزواج يمكن أن ينتظر، كلماتها تمنحني القوة، لكنّها في الوقت نفسه تجعلني أشعر بحجم المسؤولية".
ويشير إلى أنّ كثيراً من أصدقائه يعيشون الظروف ذاتها، ويضيف: "هناك من ألغى خطبته بسبب الظروف الاقتصادية، وهناك من أجّل الزواج إلى أجل غير معلوم، وآخرون اضطروا إلى إقامة حفلات بسيطة جداً أو الاكتفاء بعقد القران دون أيّ مراسم، ولم يعد أحد يفكر في المظاهر، فالناس تبحث عن بداية مستقرة فقط".
ويرى شراب أنّ الحرب لم تؤثر في الجوانب المادية وحدها، وإنّما تركت آثاراً نفسية عميقة، ويؤكد: "من الصعب أن تخطط للمستقبل وأنت لا تعرف ماذا سيحدث غداً، حتى التفكير في الإنجاب أصبح يرافقه خوف من المستقبل ومن استمرار الأوضاع الحالية، ومع ذلك، ما زلت أؤمن بأنّ الحياة يجب أن تستمر، وأنّ الزواج يمنح الإنسان أملاً رغم كل شيء".
ويختم شراب حديثه برسالة إلى كل شاب يعيش التجربة نفسها: "لا أحد اختار هذه الظروف، لكننا نحاول أن نتمسك بالأمل، وأتمنى أن يأتي اليوم الذي نستطيع فيه الاحتفال بزفافنا دون خوف أو قلق، وأن يعود الاستقرار إلى غزة، لأنّ الشباب يستحقون فرصة لبناء حياتهم مثل أيّ شباب في العالم".
زواج مؤجل
هذه الحال لا تختلف لدى الشاب أحمد نسمان (28 عاماً) من مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، الذي يروي تفاصيل رحلته مع حلم الزواج الذي تحول إلى مشروع مؤجل، ويقول: "خطبت قبل نحو عام، وكنا قد اتفقنا مع العائلتين على أن يكون الزواج بسيطاً، لأننا ندرك منذ البداية أنّ الظروف الاقتصادية ليست سهلة.
ويضيف نسمان: "لم نكن نفكر في إقامة حفل كبير أو شراء أثاث فاخر، بل كان هدفنا أن نبدأ حياتنا في منزل متواضع أو حتى خيمة، وأن نبني مستقبلنا خطوة بخطوة، لكنّ الأحداث المتلاحقة جعلت كل ما خططنا له يتوقف".
ويضيف أنّ فقدانه لعمله شكل نقطة التحول الكبرى في حياته، ويتابع: "كنت أعتمد على راتبي في الادخار، وكنت أشعر بأنني أقترب تدريجياً من تحقيق حلمي، وفجأة توقفت المؤسسة التي أعمل بها عن العمل، وأصبحت بلا دخل ثابت".
ويتابع: "لم يعد بإمكاني الادخار، بل أصبحت أبحث عن أيّ فرصة عمل مؤقتة تساعدني في توفير احتياجات أسرتي الحالية".
ويشير نسمان إلى أنّ الضغوط النفسية لا تقلّ صعوبة عن الضغوط المالية، ويواصل: "أصعب ما أعيشه ليس نقص المال فقط، وإنّما الإحساس بأنّ الزمن يمر دون أن أستطيع الوفاء بالتزاماتي، وأنتظر وخطيبتي اليوم الذي نجتمع فيه تحت سقف واحد، وهذا الانتظار الطويل يرهقنا بشكل كبير".
تكاليف تتجاوز الحلم
ويؤكد أنّ تغير الأسعار جعل حتى أبسط المتطلبات بعيدة المنال، ويواصل: "في السابق كنت أستطيع أن أضع ميزانية تقريبية لتجهيز المنزل، أمّا اليوم فلا يمكن توقع التكلفة، فالأسعار تتغير باستمرار، وبعض المستلزمات يصعب العثور عليها، لذلك أصبح من الصعب وضع خطة واضحة أو تحديد موعد للزواج".
ويتابع نسمان حديثه: "في كل مرة أجلس مع والدي نتحدث عن المستقبل ينتهي بنا الحديث إلى السؤال نفسه: هل الأولوية الآن للزواج أم لتأمين الاحتياجات الأساسية؟ الجميع يدرك أنّ الظروف استثنائية، لكنّ ذلك لا يخفف من شعور الشاب الذي يرى حلمه يبتعد".
ويكمل أنّ التضامن الأسري لعب دوراً مهماً في التخفيف من الأعباء قائلاً: "العائلة أصبحت تحاول مساعدة الشباب بما تستطيع، سواء بتوفير جزء من الأثاث، أو تأجيل بعض الالتزامات، أو تقديم الدعم المعنوي، وهذه المبادرات تمنح الإنسان شعوراً بأنّ المجتمع ما يزال متماسكاً رغم كل الظروف".
وعن نظرته للمستقبل يقول نسمان: "أنا لا أبحث عن حياة مثالية، بل عن فرصة أبدأ منها، وأريد بيتاً بسيطاً، وعملاً مستقراً، وأن أشعر بأنني قادر على تحمل مسؤولية أسرة، وأؤمن أنّ الأوضاع لن تبقى على حالها، ولذلك أحاول ألّا أفقد الأمل".
الحرب تُعقد الزواج
يقول أستاذ علم الاجتماع بجامعة القدس ناجي شحادة: إنّ "الحرب أثرت بشكل كبير على قرارات الشباب المقبلين على الزواج، إذ أصبح كثير منهم يؤجلون زواجهم بسبب فقدان مصادر الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة توفير مسكن مناسب، وباتت الأولويات تتجه نحو تأمين الاحتياجات الأساسية، وهو ما جعل الإقدام على الزواج قراراً أكثر تعقيداً من السابق".
ويضيف شحادة: "تأجيل الزواج سبب ضغوطاً نفسية متراكمة لدى الشباب، تتمثل في القلق والإحباط والشعور بعدم الاستقرار، وأثر في ثقتهم وبقدرتهم على التخطيط للمستقبل، بينما على المستوى الاجتماعي، يفرض التأجيل تغييرات في الخطط الأسرية ويزيد من الضغوط الواقعة على الشباب وأسرهم".
ويتابع: "يتجه الكثير من الأسر حالياً إلى تبسيط مراسم الزواج، وتقليل عدد المدعوين، والاستغناء عن بعض المظاهر المكلفة، مع وجود وعي متزايد بأهمية تخفيف الأعباء المالية عن الشباب بما يتناسب مع الظروف الحالية".
ويؤكد الأكاديمي الفلسطيني على ضرورة تعزيز ثقافة الزواج المُيسّر، وتشجيع الأسر على تخفيف التكاليف، إلى جانب دعم المبادرات المجتمعية التي تقدم مساعدات للشباب المقبلين على الزواج، وأنّ تحسين الأوضاع الاقتصادية وتوفير فرص العمل يظل العامل الأهم في تمكين الشباب من بناء أسر مستقرة".






![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_1_0_0_0_0_3_0_1_0.jpg.webp?itok=2QgRc-Y1)






![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_5_1_0_2.jpg.webp?itok=6xnH0ImP)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1mpDtUyNuppx5wA4RLM50kLzs-N3DVqtOFyLTsKQNOfdoNI0SXRL41L4TalauhrWnJzqNeiqiO19JLllbIww_gs_Xbex6oxfXqqIunFxOaVjs5bblfAvwHVGIYs2GvUiK1Vlz9__xWFQ-OlxXYWNN2bh4KIE6hZR9C1VX4TG5UdHmS6xMn0k_qyTLoEXU6Io.jpg.webp?itok=4u-QQL8o)






![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5YTmzoxRDC9d4MmYVdeZ-s961mAllXxIWexH58DYTH4Ca3CxJ6td92-OSRFfcrckM8hdtTRYBcBBT4-tCjfiME-tN5gPkmrXuI1OqpSZ0LPQ8PFVl4jcBbjYdjDU-Qr27B7zbOY2bLjYpebK6gUD8qkAbEZtt6C33eqQHvE46uuyhlw75mD0pHUEeP-wPT7W.jpg.webp?itok=I39PCZfU)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_17.png.webp?itok=d_X72sea)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_3_5.jpg.webp?itok=Ci8Js3Fa)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)