باذنجان وكرنبة ومحراب... التدين العفوي العابر للشارع والمسجد

باذنجان وكرنبة ومحراب... التدين العفوي العابر للشارع والمسجد

باذنجان وكرنبة ومحراب... التدين العفوي العابر للشارع والمسجد


05/07/2026

في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي كان حيّ "السيدة زينب" العريق في القاهرة يمثّل لي موقعًا ميدانيًا اجتماعيًا حيًا ومفتوحًا على اتساعه. هناك كنت أمارس صعلكتي الشبابية والمعرفية وأتحرك مدفوعًا بشغف مشروع طموح يهدف إلى دراسة "التدين الشعبي" وفهمه عبر معايشة ميدانية خالصة. كان رصيف المقهى مرصدي الأول؛ أجلس عليه مستغرقًا في تفاصيل العابرين، أسترق السمع للبساطة الكامنة في أحاديثهم، وأختزن في ذاكرتي لغات أجسادهم، وحركاتهم، وإيماءاتهم العفوية من شيوخ وأطفال.

كان الميدان مصنعًا للحياة والحكايات؛ لا سيّما حين تدلق المدارس تلاميذها في الشوارع. فكنت أراقب صخب الأولاد، ومزاحهم الخشن، وشجاراتهم التي تطير فيها شتائم شعبية مطعمة بجرأة الطفولة. وعلى الجانب الآخر كانت مدارس البنات تمنحني مادة بصرية من نوع مختلف؛ أرقب تفاعلاتهن، وأحصي في سري نِسَب المحجبات وغير المحجبات، متأملًا طبيعة العلاقات الإنسانية التي تحكمهن. لقد كانت الشوارع بمثابة معمل إنساني صاخب ينتج المعنى بلا ادعاء ولا مواربة.

ومع حلول الظهيرة، وحين كان يدركني الملل من رتابة المراقبة الساكنة على مقعد المقهى، كنت أتحرك حاملًا حقيبتي بحثًا عن ملاذ في مساجد الحي القديمة التي كانت مشرعة الأبواب آنذاك، تفيض بالرحابة من صلاة الفجر حتى انتهاء صلاة العشاء. هناك، في جوف المسجد، أختار ركنًا هادئًا أفرد فيه جسدي، بعيدًا عن جلبة مراوح السقف المزعجة. أسند ظهري إلى جدار عتيق أو عمود رخامي، وأشرع في تفريغ الذاكرة على الورق، مدونًا مشاهدات اليوم الطازجة، قبل أن أختم جولتِي بفتح كتاب ينسجم مع جو الحي، وغالبًا ما يكون رواية لنجيب محفوظ.

من صخب الشارع إلى سكينة المسجد، بدأتُ أعيد اكتشاف أشياء طالما ألِفَتْها عيناي منذ الطفولة، لكنّها الآن، تحت مجهر البحث، باتت تكتسي بأبعاد ودلالات مغايرة تمامًا. لم يكن المسجد مجرد دار للعبادة، بل كان ساحة ممتدة تشبه باحة دار واسعة، أو حارة شعبية مسقوفة ومفروشة بالسجاد والحصير، تتدفق فيها الحياة اليومية ببساطة وهدوء. في تلك اللحظة دخلت امرأة تحمل حقيبة بلاستيكية ثقيلة تزدحم بخضار الموسم من باذنجان وكوسة وكل ما يصلح للحشو، بينما تحتضن بساعدها الآخر "كرنبة" ضخمة ناضرة الخضرة. كان يتشبث بذيل ثوبها طفل صغير يتعثر في خطوته، وفي اليد نفسها التي تسند الكرنبة، كانت تتأبط فردتي شبشبها البلاستيكي الأحمر، الذي بهتت وردته بفعل الزمن. كانت تمضي بخطوات هادئة واثقة، مستخدمة المسجد كطريق عبور يومي؛ فهو الجسر الرابط الذي يفتح بابه الآخر على مسكنها في حي "قلعة الكبش". لولا هذه الرحابة التي يمنحها الجامع، لكان عليها أن تقطع مسافة طويلة ملتفة وشاقة لتصل من سوق خضار السيدة إلى بيتها.

وعلى طول ممر المسجد كان يدور حوار ممتد وصاخب بين الأم وطفلها المتعثر في جلبابها؛ حوار يتأرجح بعفوية شديدة بين المداعبات الحانية والشتائم السريعة كلما أعاق حركتها أو توسل إليها لتَحمِله، فتجيبه بصوت عالٍ وعبارات متلاحقة تذكره بأنّ يديها مثقلتان ولا تتسعان له. وفي غمرة هذه المشادة الأليفة، لمحت المرأة شابًا مستلقيًا تحت طنين مروحة السقف بثياب سوداء كساها الشحم. ويبدو أنّه "صنايعي" في إحدى الورش المجاورة، يقتنص لحظات غالية شحّ فيها الزبائن ساعة الظهيرة؛ جاء إلى هنا ليستريح قليلًا من ضجيج العمل وإرهاقه، يصلي على عجل، ثم يمدد جسده المنهك لدقائق قبل أن تعود وتلتهمه طاحونة العمل اليومي. لم تتردد المرأة في إلقاء تحية حارة عليه، فهو جارها في "قلعة الكبش"؛ ولم تنسَ وهي تمر به أن تحمّله سلامات وافرة لأمه وأخته، مستفسرة باهتمام عن صحة والده، وداعية له بالشفاء العاجل من وعكته الصحية الأخيرة التي ألمّت به. لقد كان المسجد، في تلك الساعة، يختزل المفهوم الشعبي للملجأ والملاذ؛ فهو الممر، والمقيل، والمغتسل، ومساحة التواصل الإنساني التي تذوب فيها الحدود بين الديني والدنيوي.

هذا الملاذ الدافئ لم يكن سوى جامع الأميرين المملوكيين "سلار وسنجر الجاولي"، ذلك الصرح المعلق فوق رابية الكبش منذ عام 703 هـ (1303م). هناك، كانت العبقرية المعمارية تتجلى في مئذنته ذات القاعدة الحجرية المربعة التي تتصاعد لتشبه المبخرة، وفي قبتيه المتماثلتين شكلاً، والمتفاوتتين ارتفاعاً. ولم يكن اتخاذ العامة للمسجد معبرًا يوميًا وليد المصادفة، بل أملاه تصميمه الهندسي الذكي؛ إذ يربط بابه العمومي البحري، المطل على شارع عبد المجيد اللبان (مراسينة سابقاً)، ببابه الشرقي الآخر المنفتح مباشرة على نواحي قلعة الكبش، ليحتضن الأميرين في مرقدهما الأخير حركية الشارع اليومية وجلبته.

ولم تكن مشاهداتي لتلك الحركة اليومية العابرة داخل مسجد سلار وسنجر الجاولي بمعزل عن فلسفة معمارية أعمق شكلت وجدان القاهرة التاريخية وعلاقة المصريين بدور العبادة. فهذا النمط الفريد للمساجد ذات الأبواب المتعددة، الذي ازدهر عبر العصور الفاطمية والأيوبية والمملوكية، جسّد كفاءة هندسية استجابت بذكاء لنسيج العاصمة المكتظ وحياتها الصاخبة. والمتأمل في صروح كبرى كجامع أحمد بن طولون، والجامع الأزهر، ومسجد المؤيد شيخ، يدرك أنّ تعدد المداخل لم يكن ترفاً شكلياً، بل ضرورة أملاها تداخل المسجد مع مسارات الحياة العامة. لقد صُممت هذه الأبواب المتعددة بوعي عمراني وإنساني دقيق، لتستوعب حركة المرور المتدفقة من الحارات والأزقة المتباينة وتمنع التكدس، ولتخلق في الوقت ذاته فصلاً وظيفياً هادئاً بين ساحات الصلاة الخاشعة والمرافق التعليمية والخدمية. كما استجابت لضرورات سياسية وأمنية عبر تخصيص أبواب سرية للسلاطين والولاة تجنبهم الاحتكاك بالعامة في أوقات القلاقل، فضلاً عن دورها الهندسي الحيوي، بالتعاون مع النوافذ المفرغة، في تنظيم الحشود الكبيرة وتوليد تيارات هوائية طبيعية تلطف قيظ الصيف القاهري. هذه الفلسفة الهندسية النافعة هي ذاتها التي منحت مسجد سلار وسنجر الجاولي، تلك الصبغة الحياتية الأليفة، وجعلت هذه العمارة من المسجد امتداداً طبيعياً للشارع، وملاذاً رحباً تذوب فيه الحدود بين جلال الدين وبساطة الدنيا، ليحتضن خطوات الأم المثقلة بعبء اليوم، ويوفر ظلاً ظليلاً لعامل أرهقته طاحونة العمل. 

لقد استفدتُ كثيراً من ملاحظاتي التي دونتها مستنداً إلى أحد أعمدة المسجد، كما سبق وذكرت، غير أنّ المشهد الذي رأيته مراراً لحيوية العامة داخل المسجد، وتحركهم، وربطهم العفوي بين حياتهم الاجتماعية والدينية، كان مسيطراً على ذهني، ولعب دوراً مهماً في فهم آليات التدين الشعبي وملامحه. وبعد ذلك بأعوام، كنت أطالع كتب التراث بحثاً عن توصيفها للعامة وتدينهم، فوجدت كتاباً دونه المؤرخ والشاعر والرحالة نور الدين أبو الحسن علي بن موسى العنسي، المعروف بابن سعيد المغربي (1214-1286م)، يعكس ملامح فريدة من الحياة اليومية والتدين الشعبي في مصر خلال رحلته الطويلة، التي زار فيها مصر والعراق والشام، قبل أن يتوفى في تونس أو دمشق. وفي كتابه "المغرب في حلي المغرب"، يقدم ابن سعيد رصداً إثنوغرافيًا طريفًا لتعامل العامة والحرافيش مع الفضاءات الدينية، وتحديداً جامع عمرو بن العاص، محطمًا الصورة النمطية الصارمة للمسجد، وكاشفًا عن نمط من التدين العفوي واليومي الذي يدمج القدسي بالدنيوي دون حرج. والمدهش أنّ وصف ابن سعيد في القرن الثالث عشر الميلادي كان مطابقًا في جوهره مع ما رأيته في مسجد سلار في حي السيدة زينب في أواخر القرن العشرين.

يبدأ ابن سعيد بوصف مشاهداته عند دخوله إلى المسجد قائلًا: "(...) إلى أن انتهيت إلى المسجد الجامع (جامع عمرو بن العاص)؛ ثم دخلت إليه، فعاينت جامعًا كبيرًا قديم البناء غير مزخرف ولا محتفى في حصر... وأبصرت العامة رجالًا ونساءً، قد جعلوه معبرًا بأوطئة أقدامهم، يجوزون فيه من باب إلى باب ليقرب عليهم الطريق، والبياعون يبيعون أصناف المكسرات والكعك وما سوى ذلك، والناس يأكلون في عدة أماكن منه، غير محتشمين، لجري العادة عندهم بذلك، وعدة صبيان بأواني ماء يطوفون على كل من يأكل، وقد جعلوا ما يحصل لهم منه رزقًا، وفضلات مأكلهم مطروحة في صحن الجامع وفي زواياه... والصبيان يلعبون في صحنه، وحيطانه مكتوبة بالفحم وبالحمرة بخطوط قبيحة مختلفة، من كتب فقراء العامة".

هذا الانفتاح والتحلل من الرسمية داخل العالم الشعبي القاهري لم يكن معزولاً عن مناخ المدينة العام؛ إذ ينقل النص عن ابن سعيد اتساع حياة القاهرة اليومية المعيشية للفئات الهامشية والفقيرة، وتسامحها مع عفوية تصرفاتهم، وقلة الاعتراض عليهم فيما تذهب إليه نفوسهم، وهو ما انعكس بالتبعية على علاقتهم الحرة والمتحررة من القيود بالمسجد بوصفه جزءًا من جغرافيا المدينة الحية لا حيزًا دينيًا مغلقًا معزولًا عنها.

وتكشف هذه الملاحظات التاريخية بدقة كيف كان يتعامل حرافيش مصر المحروسة وعامتها مع الرموز والعوالم الدينية؛ فهم يعبرون من باب المسجد إلى بابه الآخر تقصيراً للمسافة، ودون أدنى شعور بأنّ هذا السلوك العفوي قد يناقض حرمة المكان، وخاصة إذا انتبهنا إلى أنّ المسجد المعني هنا هو جامع عمرو بن العاص، أول مسجد بُني في أفريقيا. لقد كان هؤلاء البسطاء يحيون في المسجد حياة شبه كاملة طوال اليوم؛ يأكلون، ويشربون، ويرمون بفضلات طعامهم في أرجائه وزواياه، بل نعتقد أنّ الكثيرين منهم، على الرغم من ذلك كله، كانوا يشاركون في الصلاة ويواظبون على أداء الشعائر بقلوب خاشعة، دون أن يروا في ممارساتهم اليومية تلك أيّ تناقض مع فهمهم الشعبي الخاص والرحب للإسلام الحنيف. وتُثبت المطابقة المدهشة بين شهادة ابن سعيد المغربي في القرن الثالث عشر ومشاهداتنا في أواخر القرن العشرين، أنّ التدين الشعبي المصري يمتلك جينات استمرارية عصية على الزمن، تستأنس بروح معمارية إنسانية فتحت أبواب المساجد للحياة ولم تغلقها دون الشارع. 



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية