من يمننة الجنوب إلى أيرنة هرمز… الهويات التي تبتلعها الإمبراطوريات

من يمننة الجنوب إلى أيرنة هرمز… الهويات التي تبتلعها الإمبراطوريات

من يمننة الجنوب إلى أيرنة هرمز… الهويات التي تبتلعها الإمبراطوريات


29/06/2026

هاني سالم مسهور

تُستدعى من الموروث مقولة للخليفة الثاني عمر بن الخطاب، قال فيها: “وددتُ أنَّ بيننا وبين فارس جبلاً من نار، لا يصلون إلينا ولا نصل إليهم” فما يجري النقاش حوله، بعد أن اتخذت إيران مضيق هرمز رهينة، يشبه رهائن السفارة الأميركية عام 1979، الذين وضعتهم في مقايضات امتدت 444 يوماً. هرمز آخر الرهائن بعد بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء وعدن، وهذه عدن هي التي قطعت يد الحرس الثوري في عام 2015.

لطالما عاش العقل الفارسي في ذهنية السيطرة وفرض السطوة والنفوذ، وهذه واحدة من أعمق العقائد الفلسفية التاريخية التي حاول شاه إيران توظيفها مع جلاء بريطانيا عن مستعمراتها شرق قناة السويس، ففيما كان الصعود اليساري يصل إلى ذروته، كان شاه إيران، محمد رضا بهلوي، يندفع متسلحاً بمبدأ نيكسون، معتقداً أنه “شرطي الخليج”، وفي الذهنية الفارسية اختمرت هذه الأفكار، وسُكبت في كأس واحدة؛ فمؤتمر طهران عام 1943 أسس لهذا المفهوم الذي افترض أنه الشرطي، وأنه الأقوى، وأنه الدولة الإمبراطورية الوصيّة على المنطقة.

في اليمن، الذي لم يكن دولةً سياسية حتى عام 1918 مع إعلان الإمام يحيى حميد الدين قيام المملكة المتوكلية اليمنية، كان حلم الزيدية إنشاء (اليمن الكبير)، الذي يشتمل على نصف شبه الجزيرة العربية، من مكة المكرمة إلى حضرموت، بلاد الأحقاف، وقد اختمر هذا الحلم التاريخي في كؤوس القوميين العرب الذين آمنوا بالوحدة العربية، فتشكل تيار جارف، لم تكن الجبهة القومية في جنوب اليمن سوى إحدى روافعه، ومع الجلاء البريطاني عن المستعمرات شرق قناة السويس، أزاحت الجبهة القومية تيار رابطة الجنوب العربي، الذي كان قد ألقى ممثلها المناضل الجسور شيخان الحبشي، كلمةً تاريخية تُعد الوثيقة التأسيسية للبلاد أمام لجنة تصفية الاستعمار.

في 30 تشرين الثاني/نوفمبر 1967 تحقق الاستقلال لجنوب الجزيرة العربية، كانت بريطانيا تستعمر عدن، وتفرض الحماية على السلطنات والمشيخات على امتداد الساحل البحري حتى ظفار سابقاً، ثلاث وعشرون سلطنةً ومشيخةً توحدت تحت سلطة دولة واحدة هي جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وللمرة الأولى عبر العصور والأزمنة، نُسبت هذه الجغرافيا إلى اليمن، ومنها تشكلت اليمننة السياسية للجنوب.

هكذا كانت “يمننة الجنوب” مشروعاً سياسياً بامتياز، لم يولد من رحم التاريخ بقدر ما وُلد من رحم المشاريع الأيديولوجية التي سعت إلى طمس الهوية الجنوبية المستقلة، وهي هوية ظلت عصية على الانصهار طوال أربعة عقود من الوحدة القسرية، فالمشروع اليمني الموحد، الذي روّجت له صنعاء باعتباره حلماً قومياً، لم يكن سوى امتداد للحلم الإمامي القديم بمد النفوذ إلى مناطق حكمتها السلطنات والمشيخات المستقلة، وتشكلت فيها هوية شافعية ذات امتداد حضرمي ارتبط بإرث أحمد بن عيسى المهاجر، وعاشت تاريخاً سياسياً مختلفاً تحت الحماية البريطانية، وحين انهارت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية عام 1990، وفُرضت الوحدة الاندماجية، لم تكن تلك سوى “يمننة” جديدة، هذه المرة بوجه عسكري وسياسي، قضى على حلم الجنوب في دولة مستقلة أو في اتحاد فيدرالي يحفظ خصوصيته.

كانت حرب صيف 1994 نقطةً حاسمة في التاريخ، إذ صهرت مزيجاً من الأفكار التكفيرية والقومية المتطرفة في إطار سياسي واحد، فأعمت الأبصار وكرّست احتلالاً سياسياً، وفتحت المجال أمام حضورٍ طارئ لأفكار السلفية الجهادية القادمة من ساحات أفغانستان، لتجد بيئة غير مسبوقة مكّنت تنظيم القاعدة في جزيرة العرب من ترسيخ وجوده، بالتزامن مع إعلان أسامة بن لادن الحرب على الولايات المتحدة، وتنفيذ أولى عملياته في الرياض عام 1996.

لكن المدهش في المشهد هو التناظر بين مشروع “يمننة الجنوب” ومشروع “أيرنة هرمز” والمنطقة، فكلا المشروعين يقوم على فكرة التوسع الجغرافي والسياسي، وإخضاع الجغرافيات الأخرى لهيمنة مركزية تتمسك بفكرة “الكبرى”، اليمن الكبير، وإيران الكبرى، والولاية الفقيه التي تمتد إلى أربع عواصم عربية أو خمس أو عشرة، لكن الفارق الجوهري أن اليمننة جاءت من داخل النسيج العربي ذاته، بينما الأيرنة جاءت من خارج هذا النسيج، معتمدة على أدوات الميليشيات والتهديد بالحرب، وعلى استغلال الأزمات الإقليمية لتثبيت أقدامها في الممرات المائية الحيوية.

ما يجمع بين هذين المشروعين، رغم اختلاف مصادرهما وأدواتهما، هو ميل كل منهما إلى انتزاع الحقوق التاريخية للشعوب الأخرى باسم مشروع أيديولوجي أو ديني أو قومي، فكما أن مشروع “اليمن الكبير” تجاهل هوية الجنوب العربي وخصوصيته، كذلك مشروع إيران في هرمز والخليج يتجاهل حقوق الدول العربية السيادية في مياهها الإقليمية، ويراهن على القوة العسكرية بديلاً عن الشرعية الدوليةـ وكما قاوم الجنوبيون اليمننة وتمسكوا بحقهم في تقرير المصير، في 2015 أطلقت السعودية عاصفة الحزم تحت شعار الأمن حماية الأمن القومي العربي الذي للمفارقة استعدته في قصفها للقوات الجنوبية في حضرموت والضالع 2026 .. هذه مفارقة جديرة للتأمل.

يتقاطع المساران في نقطة محورية  فكلا المشروعين، اليمننة والأيرنة، يقوم على فكرة الوصاية على الآخرين، وكلاهما يواجه اليوم مقاومة حقيقية من أصحاب الأرض الذين يرفضون أن يكونوا رهائن في لعبة الكبار، إن عدن التي قطعت يد إيران عام 2015، هي ذاتها التي قطعت يد صنعاء عندما رفضت الخضوع، وإن غُيبت إرادتها بالقوة عام 1994ـ وما يجري اليوم في هرمز ليس سوى امتداد لهذه المعادلة  فإما أن ينتهي عصر الرهائن، وتعود حرية الملاحة والممرات البحرية إلى أصحابها وفق القانون الدولي، أو تستمر دوامة الابتزاز التي لم تورث المنطقة سوى الخراب، ولم تورث إيران سوى مزيد من العزلة، وكما قال عمر بن الخطاب قديماً، فإن على العرب أن يدركوا أن الخطر القادم من هناك لا يتبدل بتبدل الأسماء والأنظمة، وأن الجبل الناري الذي تمناه الفاروق قد يتمثل اليوم في إرادة الشعوب التي قررت ألا تكون رهينة، وألا تخضع ليمننة أو أيرنة، وإنما تكون عربيةً حرةً تملك قرارها ومضيقها ومستقبلها.

إن من يمننة الجنوب إلى أيرنة هرمز، طريق طويل من الرهائن المتساقطة، لكن في نهايته يبقى السؤال الأهم هل سيتعلم العرب من تقاطعات تاريخهم، أم سيظلون يدفعون ثمن أحلام غيرهم؟

المعركة في مضيق هرمز وحتى في الخليج هي حرب وجودية حتى وإن انتهت جولة الحرب بتفاهمات إيرانية أميركية فلا يعني أن تمنح إيران حق أيرنة مضيق هرمز أو الخليج العربي، فللعرب وجودهم في الضفة الأخرى من الخليج وعليهم أن يضعوا مخططاً لإقامة دولة الأحواز العربية في السنوات المقبلة لضمان الردع المتقدم ولإسقاط أطماع أيرنة الخليج العربي والمضيق.

تكشف تقاطعات “يمننة الجنوب” و”أيرنة هرمز” أن أخطر الصراعات في المنطقة لا تبدأ بالسلاح، وإنما بإعادة تعريف الجغرافيا والهوية والحقوق التاريخية، فمن ينجح في تغيير اسم المكان، يسعى لاحقاً إلى تغيير وظيفته، ثم إلى فرض الوصاية عليه.

ولهذا فإن المعركة حول مضيق هرمز والخليج العربي ليست خلافاً على ممر ملاحي أو رسوم عبور، وإنما صراع على هوية المنطقة ومستقبلها، فحتى لو أفضت التفاهمات الأميركية الإيرانية إلى تهدئة مؤقتة، فإن ذلك لا يمنح أي طرف حق إعادة تعريف الخليج العربي أو تحويل مضيق هرمز إلى أداة ابتزاز سياسي أو سيادة حصرية.

لقد أثبت تاريخ المنطقة أن مشاريع التوسع، مهما اختلفت شعاراتها، تنتهي عندما تصطدم بإرادة الجغرافيا وأصحابها، ومن يمننة الجنوب إلى أيرنة هرمز، يبقى الدرس واحداً لا يستقر الشرق الأوسط إلا عندما تُحترم الحدود، وتُصان الهويات، وتُدار الممرات الدولية وفق القانون الدولي، لا وفق موازين القوة أو أحلام الإمبراطوريات.

فمن يمننة الجنوب إلى أيرنة هرمز الطريق طويل، لكن الوجهة واحدة انتزاع القرار العربي من قبضة الوصاية، أياً كان مصدرها.

العرب



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية