فرنسا وقيم الجمهورية: صراع جديد مع الإخوان

فرنسا وقيم الجمهورية: صراع جديد مع الإخوان

فرنسا وقيم الجمهورية: صراع جديد مع الإخوان


01/06/2026

في إطار مواصلة فرنسا سياساتها المعادية للتوظيف السياسي للدين، ومنع نفوذ الإخوان وتفكيك شبكاته، خصوصاً داخل المجتمع المدني، أيّدت قبل فترة وجيزة السلطات القضائية الفرنسية قرار حظر تجمع سنوي تنظمه جمعية "مسلمي فرنسا"، التي تُصنَّف على نطاق واسع باعتبارها الواجهة الفرنسية لجماعة الإخوان الإرهابية، في خطوة تعكس تصاعد المواجهة الرسمية مع ما تصفه باريس بـ "التغلغل الإسلاموي" داخل المجتمع الفرنسي، فضلاً عن ضرورة منع استغلال المجال العام لأهداف تعبوية يختلط فيها السياسي بالديني والدعوي من خلال الاستفادة من القوانين الليبرالية والتغطية بخطاب مزدوج عن خبيئة مشروعهم ومصالحهم وأهدافهم. إذ كان من المقرر تنظيم الفعالية، المعروفة باسم "لقاء مسلمي غرب فرنسا"، يومي 23 و24 أيار/مايو الماضي في مدينة نانت غربي البلاد، قبل أن تصدر محافظة لوار أتلانتيك قراراً بمنعها، بناءً على طلب من وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز.

وبرّرت السلطات الفرنسية قرار الحظر بمشاركة شخصيات مرتبطة بجماعة الإخوان، وسط مخاوف من صدور تصريحات قد "تشكل جرائم جنائية وتمس مبادئ الجمهورية والتماسك الوطني والكرامة الإنسانية"، وفق ما ورد في القرار الإداري الذي صادق عليه القضاء الفرنسي لاحقاً. وقد ثمّن رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو القرار، معتبراً أنّه يمثل "خطوة مهمة في مكافحة تغلغل جماعة الإخوان".

وقال لوكورنو، في تدوينة عبر منصة التواصل الاجتماعي (إكس): إنّ "الجمهورية يجب أن تكون حازمة ودقيقة، وألّا تترك أيّ ثغرة قانونية في مواجهة الإسلاموية السياسية"، موجهاً الشكر لفرق وزارة الداخلية على ما وصفه بـ "التعبئة المستمرة والأساسية".

قيم الجمهورية خط أحمر

بدوره، أكد وزير الداخلية لوران نونيز أنّ القضاء صادق على قرار المنع بسبب المخاوف المرتبطة بالمضامين المحتملة للتجمع، مضيفاً أنّ "التصريحات التي قد تُطلق خلال الفعالية من شأنها المساس بقيم الجمهورية والتماسك الوطني والكرامة الإنسانية". ثم شدد نونيز على أنّ "هذا التجمع لن يُقام"، داعياً الجميع إلى احترام قرار الحظر. وأعلن محافظ منطقة بايي دو لا لوار ومحافظة لوار أتلانتيك، عبر منصة (إكس)، إصدار مرسوم رسمي يمنع انعقاد الفعالية خلال عطلة نهاية الأسبوع.

وخلال الأشهر الماضية كثّفت باريس إجراءاتها ضد مؤسسات وجمعيات تُتهم بالارتباط الفكري أو التنظيمي بالإخوان، سواء عبر قرارات الحل الإداري أو تشديد الرقابة على التمويل والأنشطة الدعوية والتعليمية. ففي كانون الثاني/يناير 2026، تحرك نواب داخل الجمعية الوطنية الفرنسية للدفع باتجاه مطالبة الاتحاد الأوروبي بتصنيف جماعة الإخوان تنظيماً إرهابياً، في مؤشر كبير على اتساع التوافق السياسي داخل فرنسا حول تشديد المقاربة تجاه الجماعة. واعتمد مجلس الشيوخ الفرنسي، في السادس من أيار/مايو الماضي، مشروع قانون لمكافحة "تغلغل الإسلام السياسي"، بأغلبية 208 أصوات مقابل 124. 

ويقف وراء المشروع زعيم حزب الجمهوريين ووزير الداخلية الفرنسي السابق برونو ريتايو، الذي دعا إلى اعتماد سياسة "حازمة للغاية، بلا أيّ تهاون" تجاه التيارات التي تتهمها الدولة بالسعي إلى "تقويض التماسك الاجتماعي والشكل الجمهوري للمؤسسات". ويتضمن مشروع القانون إجراءات مشددة تشمل تسهيل حل الجمعيات، وتشديد العقوبات على الأفعال أو الخطابات التي تُعتبر مناقضة لـ "مبادئ الجمهورية"، إلى جانب فرض رقابة أوسع على دور العبادة والتمويلات المرتبطة بالتيارات المتشددة، فضلاً عن آليات لتجميد الأصول المالية للجماعات المصنفة "انفصالية".

ويستند المشروع إلى تقرير أعده ريتايو عام 2025 خلال توليه وزارة الداخلية، تناول "التغلغل المرتبط بجماعة الإخوان" داخل مؤسسات المجتمع الفرنسي وتأثيره على القيم الجمهورية.

مواجهة صارمة

وتعمل الحكومة الفرنسية على إعداد مشروع قانون موازٍ أكثر صرامة، كان وزير الداخلية لوران نونيز قد أعلن عنه مطلع نيسان/أبريل الماضي، ويخضع حالياً للدراسة داخل مجلس الدولة الفرنسي. ويتضمن المشروع الحكومي توسيع صلاحيات الرقابة على ما تصفه باريس بـ "كلّ أشكال التغلغل الإسلاموي"، بما يشمل مراقبة المحتوى والمنشورات الرقمية، وتعزيز آليات حذف المواد التحريضية على الإنترنت، وتشديد الرقابة على الجمعيات ومصادر التمويل المرتبطة بالتيارات المتشددة.

وترى السلطات الفرنسية أنّ بعض الشبكات المرتبطة بالإخوان اعتمدت خلال العقود الماضية استراتيجية "التمدد الهادئ" عبر الجمعيات والفضاءات الاجتماعية والثقافية، مستفيدة من القوانين التي تضمن حرية التنظيم والعمل الأهلي، وفق ما يشير الكاتب والمحلل السياسي المختص في شؤون الإسلام السياسي والمقيم في باريس شيار خليل، مضيفاً لـ (حفريات) أنّ ذلك قد دفع الدولة الفرنسية إلى الانتقال تدريجياً من سياسة الاحتواء إلى سياسة التفكيك والرقابة المشددة.

ويقول خليل إنّ قرار السلطات الفرنسية حظر تجمع "مسلمي فرنسا" لا يمكن فصله عن التحول العميق الذي طرأ على مقاربة الدولة تجاه الإسلام السياسي خلال السنوات الأخيرة، موضحاً أنّ باريس "لم تعد تنظر إلى جماعة الإخوان فقط من زاوية النشاط الدعوي أو الجمعياتي، بل باعتبارها بنية نفوذ إيديولوجية تعمل على المدى الطويل داخل المجتمع الفرنسي".

فالدولة الفرنسية باتت تعتبر أنّ الخطر لا يرتبط حصراً بالعنف المباشر أو العمليات الإرهابية، وإنّما أيضاً بوجود شبكات تسعى إلى إعادة تشكيل المجال الاجتماعي والثقافي والديني بصورة تدريجية، عبر بناء دوائر تأثير داخل الجمعيات، وبعض المؤسسات التعليمية، والفضاءات الدعوية، وحتى داخل قطاعات شبابية ورياضية وخيرية.

وأوضح أنّ حظر التجمع هو "رسالة سياسية وأمنية مزدوجة"، إذ تسعى الحكومة الفرنسية من خلاله إلى "إظهار أنّها لن تسمح بتحول الفضاءات الدينية أو الجمعياتية إلى منصات لتوسيع النفوذ الإخواني أو نشر خطاب تعتبره الدولة مناقضاً لمبادئ العلمانية والاندماج الجمهوري".

وخلف هذا المستوى الإجرائي، هناك نقاشات عنيفة حول معضلة الإسلام السياسي بفرنسا، وارتباطها مؤخراً بقوى إقليمية، مثل إيران، خصوصاً مع اندلاع الحرب في نهاية شباط/فبراير الماضي. 

وعليه يؤكد خليل أنّ الغرب بات ينظر إلى ما هو أبعد من فكرة اختزال الجدل والاستقطاب حول الإسلام السياسي في ثنائية "أمن مقابل حرية". فالمشهد بات أكثر تعقيدًا. ويضيف أنّ الجهود العديدة في فرنسا تحديدًا، وفي الغرب عموماً، وتصاعد الخطاب المعادي للإسلام السياسي وانكشاف أدواره المشبوهة، بات له صدى في الرأي العام.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية