التصنيف الأمريكي لإخوان السودان وارتباطه بتصاعد النفوذ الإيراني

التصنيف الأمريكي لإخوان السودان وارتباطه بتصاعد النفوذ الإيراني

التصنيف الأمريكي لإخوان السودان وارتباطه بتصاعد النفوذ الإيراني


20/05/2026

القرار الأمريكي بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان، التي تعمل تحت مظلة الحركة الإسلامية، منظمة إرهابية أجنبية، يمثل تحوّلاَ لافتاً في مقاربة واشنطن للصراع السوداني، ليس فقط من زاوية مكافحة الإرهاب، وإنّما أيضاً في إطار إعادة رسم توازنات النفوذ الإقليمي المرتبطة بالحرب المستمرة في السودان منذ نيسان/أبريل 2023. فالقرار، الذي صدر في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تزامن مع تصاعد النفوذ الإيراني في الساحة السودانية، وتزايد الاتهامات بشأن تمدد التيارات الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية، وهو ما يعكس توجهاً أمريكياً متنامياً لربط الأزمة السودانية بمسار أوسع يتعلق باحتواء الشبكات المتحالفة مع طهران في المنطقة.

تصاعد حرب المسيّرات وتنامي النفوذ الإيراني

إلى ذلك، يقول الباحث الأمريكي المختص في العلوم السياسية إرك لوب: إنّ تقارير ميدانية وتحليلات أمنية كشفت أنّ الحرب في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع دخلت مرحلة جديدة من التصعيد العسكري، تحديداً في الفترة بين عامي 2024 و2025، مع تحول الطائرات المسيّرة إلى أحد أبرز أدوات القتال وأكثرها تأثيراً في مسار العمليات، وهو ما أسفر عن ارتفاع كبير في أعداد الضحايا واتساع رقعة الاستهداف لتشمل معظم ولايات البلاد، وذلك بفعل النفوذ الإيراني وتزويد الحرس الثوري للجيش بالمسيّرات لقلب المعادلة أمام قوات الدعم السريع.

ويشير لوب، في حديثه لـ (حفريات)، إلى أنّ المعطيات والتحقيقات المختلفة تبرز أنّ الطائرات المسيّرة باتت تُستخدم على نطاق واسع في مختلف جبهات القتال، حيث جرى توظيفها في استهداف تجمعات عسكرية وبنية تحتية ومواقع استراتيجية، فضلاً عن عمليات قصف طالت مناطق سكنية ومدنية. ويعتمد الجيش السوداني على طائرات مسيّرة إيرانية من طراز "مهاجر-6"، إلى جانب نماذج صينية وتركية متقدمة. وأصبحت الطائرات الانتحارية صغيرة الحجم، المعروفة باسم FPV  أو "الكاميكاز"، جزءاً أساسياً من تكتيكات الحرب، نظراً لقدرتها على تنفيذ ضربات دقيقة ومنخفضة التكلفة، وهو ما أسهم في تغيير طبيعة الاشتباك العسكري داخل المدن.

وفي ما يتعلق بالخسائر البشرية، تشير بيانات مشاريع رصد النزاعات إلى أنّ الهجمات الجوية بالمسيّرات تسببت في مقتل أكثر من 2000 شخص منذ بدء الحرب، مع تركز معظم هذه الحصيلة خلال عام 2025، في ظل تصاعد كثافة الاستخدام العسكري لهذه التكنولوجيا. ووثقت تقارير حقوقية وأممية سلسلة من الهجمات التي استهدفت مخيمات نازحين ومدارس ومرافق ومنشآت مدنية صحية.

وألمح لوب إلى أنّ حرب المسيّرات في السودان لم تعد مجرد تطور تكتيكي، بل تحولت إلى عنصر حاسم في إعادة تشكيل موازين القوى الميدانية، مع اعتماد متزايد على شبكات إمداد خارجية معقدة تشمل مسارات لوجستية إقليمية ودولية، الأمر الذي يعقد احتمالات الوصول إلى تسوية سياسية، في ظل تحول المسيّرات إلى أداة رئيسية في إدارة الحرب بدلاً من كونها مجرد وسيلة دعم تكتيكي.

واشنطن تربط الأزمة السودانية بالصراع مع طهران

ورغم أنّ السودان تراجع نسبياً عن أولويات السياسة الخارجية الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، فإنّ التطورات الميدانية الأخيرة أعادته إلى دائرة الاهتمام الأمني والاستراتيجي في واشنطن، خصوصاً مع تنامي المخاوف من تحوله إلى منصة إقليمية مفتوحة أمام النفوذ الإيراني والجماعات العقائدية المسلحة، حسبما يوضح معهد واشنطن. وعليه، بدا لافتاً الربط الذي أجراه مسعد بولس، كبير مستشاري الشؤون العربية والأفريقية في الولايات المتحدة، بين قرار التصنيف وضرورة مواجهة "التأثير الخبيث لإيران"، وهو توصيف يضع السودان ضمن معادلة الصراع الإقليمي بين واشنطن وطهران، وليس فقط ضمن إطار الحرب الداخلية السودانية.

وقال بولس: إنّه في إطار سياسة الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب، أعلنت واشنطن تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان أنّها "منظمة إرهابية أجنبية" وكيان "إرهابي عالمي مصنف بشكل خاص"، مؤكداً أنّ الإدارة الأمريكية ستواصل استخدام جميع الأدوات المتاحة في إطار مكافحة الإرهاب والتصدي لما وصفته بـ "التأثيرات المزعزعة للاستقرار المرتبطة بإيران"، إلى جانب العمل على محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات والجرائم المرتكبة بحق المدنيين في السودان.

دعوات أمريكية لوقف إطلاق النار وإنهاء الأزمة الإنسانية

ويأتي هذا الموقف في ظل استمرار الحرب الدائرة في السودان، وما خلفته من أزمة إنسانية واسعة النطاق، حيث تشير التقديرات إلى أنّ ملايين المدنيين تأثروا بشكل مباشر جراء القتال، سواء عبر النزوح أو فقدان مصادر الدخل أو تدهور الخدمات الأساسية، بحسب بولس، موضحاً في بيان أنّ الشعب السوداني تكبد معاناة إنسانية كبيرة نتيجة استمرار الصراع، بما في ذلك ما وصفه بتأثير "أطراف خبيثة"، إلى جانب الانتهاكات الموثقة، الأمر الذي أسهم في تعميق الأزمة الإنسانية وتوسيع نطاقها.

ودعا البيان جميع الأطراف المتحاربة إلى القبول الفوري بوقف إنساني لإطلاق النار، بما يتيح وصول المساعدات الإغاثية بشكل عاجل إلى المدنيين المحتاجين، ويفتح المجال أمام استئناف مسار سياسي جاد يهدف إلى إنهاء الحرب ووضع حد لمعاناة المدنيين في السودان.

وتشير هذه الرسائل السياسية إلى أنّ الولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى الحركة الإسلامية السودانية باعتبارها مجرد تيار سياسي محلي، بل باعتبارها جزءاً من شبكة نفوذ أوسع ترتبط بمصالح إقليمية وأمنية معقدة. ويصعب فهم القرار الأمريكي من دون العودة إلى البنية التي أسسها نظام عمر البشير طوال ثلاثة عقود من الحكم، حين تحولت الحركة الإسلامية إلى العمود الفقري للدولة السودانية، سياسياً وأمنياً وعسكرياً.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية