
لم تقتصر تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران على الخسائر العسكرية والاقتصادية المباشرة، بل امتدت إلى البنية السياسية والأمنية للنظام الإيراني ذاته؛ فإلى جانب الأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية، كشفت الحرب عن تحولات عميقة في منظومة القيادة واتخاذ القرار داخل الدولة الإيرانية، خصوصاً مع استهداف الحلقة الضيقة المحيطة بالقائد الأعلى، والصف الأول من القيادات العسكرية والأمنية. وفي هذا السياق، تبدو آثار الحرب أبعد من مجرد مواجهة عسكرية عابرة، لتلامس توازنات النظام السياسي الإيراني، وبُنيته الداخلية.
تغييب الصف الأول
تركت الغارات الأمريكية الإسرائيلية التي استمرت لنحو أربعين يوماً، آثاراً جوهرية في البنية التحتية للاقتصاد الإيراني؛ إذ ستكون إيران بحاجة إلى أعوام طويلة، ومئات مليارات الدولارات للعودة إلى الموقع الذي كانت عليه قبل بدء الهجمات. لكنَّها، في تطور أعمق، تركت أثراً كبيراً في مؤسسة القيادة، وآلية اتخاذ القرار في النظام السياسي الإيراني، سواء عبر تغييب القائد الإيراني الأعلى، أو تحييد الصف الأول من القيادات العسكرية التي تتمتع بسطوة داخل مطبخ القرار التقليدي في النظام.
في عُمق البنية السياسية، ترك مقتل القائد الأعلى علي خامنئي، نتيجة الغارة التي نفذتها القوات الإسرائيلية في اليوم الأول من حرب الأربعين يوماً، هزة لا يمكن تجاوز آثارها بسهولة؛ فعلى مرّ ما يقارب أربعة عقود، عمل علي خامنئي على تحويل منصب "الولي الفقيه" من مجرد مرشد روحي لإضفاء الشرعية الدينية على القرار السياسي إلى مركز اتخاذ القرار. ومعه تحولت مؤسسة القيادة إلى إمبراطورية، تضم منظمات اقتصادية، وسياسية، وتمتلك من الصلاحيات السياسية والعسكرية والتشريعية ما يجعل الدولة الإيرانية برمّتها تابعة لها، وتُبقي القرارات السياسية رهينة بالبتّ الصادر عن هذه المؤسسة على مختلف الأصعدة، بما فيها الاقتصاد، والسياسة الداخلية، والسياسة الخارجية، والعسكرة، والاجتماع.
وبينما كانت الدولة الإيرانية تُدار عبر منظومة من المؤسسات التابعة مباشرة للقائد الأعلى (على غرار مجمع تشخيص مصلحة النظام، والمجلس الأعلى للأمن القومي، والمجلس الأعلى للدفاع، والمجلس الأعلى للثورة الثقافية، ومجلس صيانة الدستور، ومنظومة أئمة الجمعة، والمجلس الاستراتيجي العلاقات الخارجية، ومقرّ خاتم الأنبياء، وقيادة الأركان المسلحة)، فإنّ طبيعة العلاقات بين القائد، وكل تلك المؤسسات التي تُناط بالقائد مسؤولية تعيين رؤسائها، كانت مرتبطة بشخصية علي خامنئي، وخطوط التحالف السياسي التي كان قد رسمها على مر تلك العقود. ومن هنا يبدو طبيعياً أن يؤدي تغييب علي خامنئي عن الساحة إلى هزة في بنيان النظام السياسي، لا من حيث أنَّه يؤدي إلى أزمة شرعية لهذه المؤسسات (التي تستقي شرعيتها وفق الدستور من القائد الأعلى)، ورؤسائها (المنسوبين إلى القائد ذاته بالولاء)، وإنما أيضاً لأنه يؤدي إلى انفكاك خيوط الربط بين مختلف المؤسسات السياسية والعسكرية التي تحكم إيران تحت إمرة القائد.
ومن الطبيعي أن يؤدي اختيار القائد الجديد (خصوصاً إذا كان نجل القائد السابق) إلى تذليل هذه القطيعة، واختصار مسافتها، وإعادة ربط الحلقات المتفككة. لكن ذلك، إن حدث، سيحتاج إلى مدة زمنية، تستتب في خلالها الهيمنة للقائد الجديد؛ ما يعني أن النظام السياسي الإيراني، الذي يخوض حرباً، سيكون أمام مرحلة مخاض سمتها الأساسية الانفكاك البنيوي، وتغييب بعض المؤسسات عن خريطة القرار السياسي في إيران.
وستكون التداعيات أشد وطأة إذا أخذنا بالحسبان أن تغييب القائد، ترافَق مع تغييب الحلقة الأولى من رجال السياسة الذين كان يعوّل عليهم القائد في اتخاذ القرارات، خصوصاً بعد حرب الإثني عشر يوماً؛ فالضربات الإسرائيلية/الأمريكية أدت إلى تحييد علي لاريجاني (أمين المجلس الأعلى للأمن القومي)، وعلي شمخاني (جنرال ذو نجمتين؛ أمين المجلس الأعلى للدفاع) اللذين عدَّهما المراقبون ذراعي سلطة القائد الأعلى. كما أخرجت عن المشهد الجنرال محمد شيرازي (جنرال ذو نجمتين كان يدير الشؤون العسكرية لمؤسسة القائد)، وكمال خرازي (أمين المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، الذي كان يشرف على ملفات السياسة الخارجية بإيعاز من علي خامنئي)، وإسماعيل خطيب (الذي كان يؤدي دوراً لافتاً في التنسيق بين المؤسستين الأمنيتين الأبرز في إيران) وثلاثة من مساعديه.
ويعني كلّ ذلك، تغييب القيادة السياسية للدولة العميقة المعروفة بسطوتها على القرار السياسي والملفات السيادية، وليس تغييب القائد الأعلى فحسب.
ولعلّ النتيجة الأهم التي حققتها الغارات الأمريكية والإسرائيلية في خلال حرب الإثني عشر يوماً، ثمّ حرب الأربعين يوماً، كانت تغييب الصف الأول من القيادات العسكرية التي كانت تدير الشأن العسكري، وتشرف على السياسة الخارجية (من طريق التأثير على مصير ملفات استراتيجية مثل البرنامج النووي والصاروخي والتوسع للإقليمي)، والسياسة الداخلية (بواسطة منظومة من المؤسسات الأمنية والعسكرية)، والاقتصاد (عبر قيادتها مؤسسة اقتصادية لا تقل أهمية عن المؤسسات الاقتصادية الرسمية).
وإلى جانب علي شمخاني الذي يبدو أن خامنئي منحه الإشراف على الملف العسكري، أقصت الغارات قيادات الأركان المسلحة. إذ قتلت في خلال حرب الإثني عشر يوماً، الجنرال محمد باقري، قائد الأركان المسلحة، ثم قتلت الجنرال عبدالرحيم موسوي، قائد الجيش الإيراني السابق وقائد الأركان المسلحة، إلى جانب أربعة من مساعديه؛ ما أدى إلى تغييب هذه المؤسسة إلى حد بعيد، خصوصاً إذا أخذنا بالحسبان أنها أقصت عن المشهد أيضاً الجنرال نصير زاده، وزير الدفاع الإيراني المكلف بالتنسيق بين الحكومة والمؤسسة العسكرية وإدارة ملف الميزانية العسكرية في الموازنة العامة.
وركزت الغارات كذلك على مقر خاتم الأنبياء، الذي أسسه علي خامنئي للتنسيق الميداني بين القوات العسكرية الإيرانية بمختلف مؤسساتها؛ إذ قتلت الجنرال غلام علي رشيد، قائد مقر خاتم الأنبياء، والجنرال علي شادماني، قائد المقر بعد رشيد، ونائبه الجنرال صالح أسدي. وعلى صعيد قيادات الحرس الثوري، عملت الغارات على تغييب عشرات القيادات الميدانية، على رأسها الجنرال حسين سلامي، القائد العام للحرس الثوري، الذي قتل أثناء حرب الإثني عشر يوماً، والجنرال محمد باكبور، القائد العام للحرس، الذي قتل في حرب الأربعين يوماً. كما قضت على الجنرال أمير علي حاجي زاده، قائد القوات الجوية والصاروخية، والجنرال علي رضا تنغسيري، قائد القوات البحرية، والجنرال غلام رضا سليماني، قائد قوات البسيج، إلى جانب نائبه.
وبينما يمكن وضع مقتل الجنرال محمد كاظمي، قائد استخبارات الحرس الثوري، في خلال حرب الإثني عشر يوماً، ومقتل الجنرال مجيد خادمي، قائد استخبارات الحرس الثوري، ونائبه المقرب من علي، ومجتبى خامنئي، والجنرال حسن محقق، في خلال حرب الأربعين يوماً، في سياق تغييب قيادات الحرس الثوري، فإنه يمكن أيضاً وضع ذلك في إطار تفريغ قيادات الاستخبارات العسكرية، خصوصا إذا ما أُخذ إلى جانب مقتل وزير المخابرات ومساعديه، ومقتل قائد استخبارات الشرطة الإيرانية الجنرال غلام رضا رضائيان.
إنّها بالفعل عملية تحييد شاملة للصف الأول من قادة المؤسسات العسكرية المؤثرة. وإذا كان ذلك لا يعني انهيار هذه المؤسسات التي يَحول نظامها الإداري دون انهيارها بغياب القادة، لكنّه يعني أموراً عدَّة لا تقل أهمية عن الانهيار، من بينها الآتي:
- غياب الخبرة الميدانية؛ فكما أدى تغييب قيادات الصف الأول في فيلق القدس إلى انخفاض تماسك هذا الفيلق ونفوذه، وتراجع فاعلية الميليشيات الموالية للنظام الإيراني ومستوى تناغمها، فمن المرجح أن يؤدي غياب قيادات الصف الأول في المؤسسة العسكرية إلى نقص في الخبرة الميدانية. وهذه الخبرة لا تعني التعامل مع قطاعات المؤسسة العسكرية فحسب، وإنما تشمل أيضاً التعامل مع الشارع، ومع المؤسسة السياسية، وإدارة الملف الاقتصادي الشائك والمعقد الذي يشتغل في داخل الحرس الثوري.
- غياب جيل من القادة العسكريين الذين يتمتعون بالشرعية، والكاريزما بفعل أسبقيتهم التاريخية. وكانت هذه الكاريزما تمنحهم القوة الكافية للتعالي على التناقضات، وإدارة المؤسسة العسكرية والأمنية الإيرانية، المتسمة أصلاً بالتناقضات.
تداعيات تغييب الصف الأول
أدت عملية التغييب، التي نفذتها إسرائيل والولايات المتحدة بوعي، إلى تداعيات لافتة على صعيد طبيعة القيادة في المؤسسة السياسية والمؤسسة العسكرية، كما انعكست على طبيعة عملية اتخاذ القرار وانسجامها، في مرحلة يمكن اعتبارها مرحلة المخاض داخل النظام الإيراني، وذلك على النحو الآتي:
- بينما كانت مؤسسة القرار السيادي في إيران تتمتع بطبيعة هرمية حكمت آلية اتخاذ القرار لعقود، فإنّ هذه القيادة الهرمية التراتبية (Hierarchical Leadership System)، التي اعتادت إدارة القرار السيادي السياسي والعسكري لمدة طويلة، تحولت إلى نظام قيادة مسطحة (Flat Leadership System). ولم يقتصر ذلك على النظام السياسي الإيراني، الذي تحول إلى نظام بلا رأس بفعل غياب القائد الأعلى، الذي كان يمثل قائد أوركسترا يدير عدداً كبيراً من الآليات المستقلة، وإنما انعكس أيضاً على المؤسسة العسكرية، التي شكلت لبّ الدولة العميقة في إيران؛ إذ أدى غياب قادة الصف الأول وصعود العشرات من قادة الصف الوسط إلى انهيار النظام الهرمي، وميلاد نظام واسع من القيادات المتقاربة في المكانة والنفوذ.
- تَعزَّز ذلك بتحول آخر لا يقل أهمية، نتج عن غياب القائد وانهيار مؤسسة القيادة بمفهومها التقليدي؛ ففي حين أدت هيمنة مؤسسة القائد الأعلى على القرار إلى تكريس النظام الشجري للقيادة (Tree Type of Leadership)، حيث تستقي المؤسسات الفرعية شرعيتها، وفاعليتها من جذر واحد فإنّ تغييب هذا الجذر أدى إلى انبثاق نمط غير متمركز من القيادة يمكن وصفه بالقيادة الجذمورية (Rhizomic Type of Leadership)، وهي صيغة تتسم بعدم الارتباط العضوي بجذر واحد، وبقدر كبير من الاستقلالية لدى كل جزء من أجزاء عملية اتخاذ القرار.
وبينما أدى غياب القائد الأعلى إلى تغييب مؤسسات كانت تستمد شرعيتها الإدارية من القائد، فقد أدى التحول من القيادة الهرمية إلى القيادة المسطحة، ومن القيادة الشجرية إلى القيادة الجذمورية، إلى عدة نتائج ميدانية لافتة شكلت طبيعة القرار السياسي في إيران، أهمها الآتي:
1. صعود العديد من المؤسسات الرديفة المتساوية نسبياً في القوة والتأثير بدلاً من المؤسسة السياسية الواحدة؛ فبينما كانت المؤسسة السياسية الإيرانية، في ظل حكم الولي الفقيه، مؤسسة موحدة تتسم بدرجة عالية من الترابط، تحولت بعد غياب القائد إلى مجموعة من المؤسسات الرديفة ذات الترابط المحدود. ولم يكن هذا التحول حكراً على المؤسسة السياسية، بل انعكس أيضاً على المؤسسة العسكرية التي كانت تتصف بقيادة متماسكة، لكنها بعد تغييب الصف الأول من القيادات تحولت إلى قطاعات تتمتع بنسبة مرتفعة من الاستقلال مقابل تراجُع مستوى التماسك. وقد أظهرت التطورات الميدانية، وتصريحات مسؤولين إيرانيين هذا التحول؛ فقد أشار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في خلال الأيام الأولى من الحرب، إلى أن القيادات المحلية في الحرس الثوري باتت تتمتع باستقلالية أكبر في القرار، وتتصرف وفق مبدأ الإطلاق الحر للنيران استناداً إلى تعليمات مسبقة.
2. صعود ظاهرة تشظّي مسارات القرار، وظهور قرارات يحكمها عدم الانسجام والتناقض. وبينما تجلت هذه الظاهرة في غياب التناغم بين موقف وزير الخارجية الإيراني والموقف الصادر عن الحرس الثوري بشأن مضيق هرمز؛ فقد دفعت المؤسسة السياسية إلى تشكيل فريق تفاوضي يضم عشرات الأشخاص، يمثل كل منهم واحدة من المؤسسات المترادفة داخل النظام. وقد أشار رئيس البرلمان ورئيس الوفد المفاوض، محمد باقر قاليباف، إلى ذلك حين أكد أن العدد الكبير للوفد المشارك في المفاوضات جاء بهدف تغطية مختلف التوجهات الموجودة داخل المشهد الإيراني، "وإجراء المشاورات اللازمة". وفي حين عقَّد ذلك آلية التواصل مع الجانب الإيراني، خصوصاً في ضوء غياب القائد والتعقيدات التي تحول دون التواصل السريع معه، ودفع بالرئيس ترمب إلى التأكيد على أنه لا يعرف مَنْ يقود إيران، "ولا مع مَن نتعامل"، فإنَّه في الحين ذاته حال حتى الآن دون التوصل إلى "القرار النهائي" بشأن أي ملف.
3. عسكرة القرار الإيراني، وتعاظُم سطوة العسكر بوصفهم المؤسسة التي تحمل السلاح وتتمتع بأوسع انتشار داخل الساحة الإيرانية. ولا يتعلق الأمر هنا بالجيش الإيراني(الذي أكد المسؤولون الأمريكيون استثناءه من الضربات والاغتيالات، لكنَّه على رغم ذلك بقي غائباً إلى حد بعيد عن مشهد القرار)، بقدر ما يتعلق بالحرس الثوري والمؤسسات العسكرية التابعة له. فإذا كانت سطوة الحرس الثوري على المشهد السياسي قد لجمتها شخصية القائد الإيراني الأعلى، الذي يوضع فوق المؤسسة بحكم الدستور، وبحكم التاريخ فإن غيابه يعني فكّ هذا القيد والقضاء على القيود التي كانت تمنع سطوة الحرس الثوري على المشهد السياسي. وقد سعت المؤسسة العسكرية، في سبيل تكريس الهيمنة إلى إقرار حالة الطوارئ لمنع انعقاد اجتماعات المؤسسات التي يمكن أن تحدد سلطاتها وتتدخل في عملية صنع القرار بما فيها البرلمان، ومجمع تشخيص مصلحة النظام، والمجلس الأعلى للأمن القومي. وقد أدت هيمنة الحرس الثوري على القرار إلى إجهاض الجهود باتخاذ القرار النهائي أكثر من مرة، وفشل الأجهزة الدبلوماسية في التوصل إلى حلول مع الأمريكيين. ويمكن الإشارة هنا إلى العقبات التي واجهها رئيس البرلمان، على رغم انتسابه للحرس الثوري، في بلورة الحل في ضوء الرفض الذي واجهه من الحرس الثوري، كما يمكن أن يشار إلى رفض الحرس الثوري لموقف وزير الخارجية عباس عراقجي الذي كان قد أكَّد، في تغريدة له على منصة "إكس"، أن مضيق هرمز بات مفتوحاً أمام الملاحة؛ لكن قادة الحرس أكدوا من جانبهم أن المضيق سيظل مغلقاً، واستطاعوا فرض كلمتهم على الطاولة.
وهكذا، وفي ظل تحول مؤسسة اتخاذ القرار في إيران إلى مؤسسة مسطحة (Flat Organization)، وجذمورية (Rhizomic Organization) نتيجة غياب القائد الأعلى وقيادات الصف الأول في الدولة العميقة، فإن انشطار المؤسسة المتماسكة الموحدة إلى عدة مؤسسات رديفة أدى إلى صدور قرارات غير متماسكة، وصلت أحياناً إلى حد التناقض، كما أدى إلى استحالة التوصل إلى قرار موحد ونهائي، واستحالة تحديد الجهة التي تمسك فعلياً بزمام الأمور للوصول إلى اتفاق معها. لكن هذا الغياب، من جهة أخرى، أدى إلى تكريس سطوة الحرس الثوري وتحويله إلى المؤسسة المهيمنة على القرار، بحكم حملها السلاح وانتشارها الميداني ولا يمكن صنع القرار إلا من خلالها أو بمباركتها.
الحصيلة على صعيد الميدان والعمليات
من المفترض ألّا تستمر حالة المخاض التي يمر بها النظام السياسي الإيراني لمدة طويلة، إذ يُتوقع أن تؤدي هيمنة القائد الجديد إلى استتباب الأمر والعودة إلى النظام القديم أو تجاوزه نحو نظام جديد. لكن من المفترض كذلك أن تشهد مرحلة المخاض منطقاً مختلفاً عن منطق استقرار النظام، تكون سمته الأولى غياب بعض المؤسسات، إما بسبب غياب القائد الذي كانت تستمد منه شرعيتها، أو نتيجة الظروف الطارئة التي فرضتها الحرب المستمرة، بما يؤدي إلى تراجع نشاط بعض المؤسسات مقابل صعود أدوار مؤسسات أخرى. أما السمة الثانية فتتمثل في هشاشة القرارات، وصعوبة التوصل إلى القرار النهائي داخل مؤسسات الدولة.
ومع أن هذه المرحلة تبدو انتقالية وعابرة، فإن دراسة سماتها والتداعيات التي تتركها على طبيعة اتخاذ القرار ومؤسساته تظل ذات أهمية كبيرة لأنها المرحلة نفسها التي يخوض فيها النظام السياسي نزاعاً وجودياً يستلزم من مؤسساته اتخاذ قرارات حاسمة، ستترك آثارها، بكل تأكيد، على مستقبل النظام واحتمالات بقائه وتحوله، وذلك في عدة نواحي:
- ميدانياً، تعني تطورات فترة المخاض تغييب بعض مؤسسات عن مسار اتخاذ القرار على حساب استمرار مؤسسات أخرى. وستكون أغلب المؤسسات التي يتم تغييبها عن المسار بعد أن كانت مؤثرة فيه تلك التي يرتبط وجودها وشرعيتها بالقائد الأعلى؛ إذ سيؤدي غيابه إلى تغييبها. ومن ضمن هذه المؤسسات التي غُيِّبَت عن المشهد يمكن الإشارة إلى "مجمع تشخيص مصلحة النظام"، و"المجلس الأعلى للدفاع الوطني"، و"المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية". وفي حين كان من المفترض أن يطال التغييب مؤسسة سيادية أخرى مثل "المجلس الأعلى للأمن القومي"، فإن طبيعة المؤسسات التي غُيِّبَت تشير إلى أنها تلك المؤسسات السيادية التي استحدثها القائد الأعلى لإحكام السيطرة على القرار السيادي وتعزيز القبضة على المسار العسكري.
- وعلى الصعيد العسكري، يبدو جلياً أن دور "قيادة الأركان المسلحة" يشهد انخفاضاً بعد مقتل قيادات صفه الأول، وباعتباره مؤسسة أُنشئت للتنسيق بين مختلف المؤسسات العسكرية. وثمة مؤسسات أخرى سيشهد المجال السياسي الإيراني انخفاض دورها مثل البرلمان (الذي يتعثر انعقاده بسبب استمرار ظروف الحرب، وبات يُختزَل في شخصية رئيسه وبعض حاشيته)، والحكومة (التي يُختزل دورها في إدارة الاقتصاد، ويتم عزلها عن اتخاذ القرار في الملفات السيادية). وبينما كانت مؤسسة "بيت القائد"، متمثلة في مسؤولي مكتبه ومجموعة مستشاريه، من أهم القنوات المؤثرة في صنع القرار السيادي في عهد علي خامنئي، فإن غياب الرجل أدى إلى عزل هذه الحاشية بما تحمل من جنرالات ووجوه سياسية.
- تعمل ظروف مرحلة المخاض على استمرار دور بعض المؤسسات، وعلى رأسها مؤسسة الحرس الثوري، التي يبدو أنها تمسك بمقاليد الأمور وتهيمن على مسار اتخاذ القرار في الملفات السيادية. وفي المشهد الداخلي، تشير التطورات إلى استمرار دور منظمة استخبارات الحرس الثوري باعتبارها محور العمل الاستخباراتي والأمني. وعلى حساب مؤسسات عسكرية أهملت مثل المجلس الأعلى للدفاع وقيادة الأركان المسلحة، فإن المرحلة الراهنة تشهد استمرار دور مقر خاتم الأنبياء للتنسيق بين المكونات العسكرية بوصفه مجلساً يهيمن عليه جنرالات الحرس الثوري. وأخيراً، وفي ظل تراجع دور الحكومة، يظل دور الخارجية الإيرانية، بوصفها قناة التواصل المعترف بها دولياً، دوراً إجرائياً بصلاحيات أقل مما كانت تتمتع به سابقاً.
- انخفاض درجات التماسك والتنسيق بين قطاعات الحرس الثوري إلى مستويات متدنية. وبطبيعة الحال، لا يعني ذلك انعدام الترابط أو التحول إلى جزر منفصلة أو إلى مجموعة من أمراء الحرب، لكن طبيعة الحرس الثوري، المستوحاة من المنطق الميليشياوي، تدفع المؤسسة في أوقات الأزمات إلى التحول إلى قطاعات تتمتع بقدر كبير من الاستقلالية في اتخاذ القرار وإدارة المشهد. وبينما يمنح هذا المنطق المؤسسة مناعة في مواجهة الانهيار عند القضاء على القيادات المركزية، وقدرة على الصمود حتى اللحظات الأخيرة، فإن غياب قيادات الصف الأول يعزز في الوقت ذاته انخفاض مستويات التماسك؛ إذ تصبح إدارة المشهد بيد قيادات الصف الوسط التي تتقارب في الخبرة والتاريخ والمكانة. وعلى رغم وجود جهود لتوحيد صفوف الحرس الثوري تحت إمرة القيادات الجديدة، فإن مستوى التماسك سيظل منخفضاً إلى حين استتباب الأمر للقيادة الصاعدة.
وبصفة عامة، يمكن القول إن دائرة اتخاذ القرار السيادي في إيران في هذه المرحلة الحرجة باتت أضيق مما كانت عليه سابقاً، وذلك نتيجة تحييد مؤسسات سيادية كان لها دور في صنع هذا القرار خلال المرحلة الماضية، قبل أن تفقد تأثيرها في المرحلة الراهنة. غير أن مطبخ القرار الضيق هذا يشهد، في الوقت نفسه، حالة من الانقسام والتشظي بفعل غياب رأس الهرم، وقيادات الصف الأول، بما يرجح احتمالات التعثر في التوصل إلى القرار النهائي.
ومن المرجح أن يقتصر مطبخ اتخاذ القرار، في اللحظة الراهنة، على المربع التالي، مع هيمنة واضحة للجناح العسكري:
- الحكومة، التي يكاد يقتصر دورها على تسيير الشؤون الداخلية، خصوصاً على الصعيدين اللوجستي والاقتصادي، ويبقى دورها في صناعة القرار السيادي محصوراً في المهام الإجرائية التي يقوم بها وزير الخارجية بالدرجة الأولى، ورئيس الجمهورية بالدرجة الثانية.
- البرلمان الإيراني، الذي يقتصر دوره في شخصية رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف (الذي يقود وفد المفاوضات لكن صلاحياته محدودة)، وجزء من حاشيته من نواب البرلمان. أما التكتلات النيابية، بما فيها الكتل المتشددة، فإنها تبقى قليلة التأثير بسبب عدم انعقاد جلسات البرلمان في ظل حالة الحرب.
- مقرّ خاتم الأنبياء، الذي يهيمن عليه الحرس الثوري، ويقوده الجنرال عبداللهي (جنرال ذو نجمتين، وهي أعلى الرتب العسكرية المتوافرة في المؤسسة العسكرية الإيرانية)، وتندرج فيه شخصيات مؤثرة مثل الجنرال مصطفى إيزدي (جنرال ذو نجمتين)، والجنرال محمد جعفر أسدي (قائد القوات الإيرانية في سورية قبل الإطاحة بنظام الأسد).
- الحرس الثوري، باعتباره المؤسسة العسكرية المهيمنة على الساحة الداخلية وعلى مشهد النزاع مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ويقود المؤسسة في الوقت الراهن الجنرال أحمد وحيدي (جنرال ذو نجمتين)، ونائبه الجنرال حجت الله قريشي، بينما يقود قواتها البحرية الجنرال علي عظمائي (جنرال بنجمة واحدة)، ويقود قواتها الجوية والصاروخية الجنرال مجيد موسوي.
وفي حين أدت موجة الاغتيالات إلى إنهاك البنية القيادية للحرس الثوري، فإن ثمة جنرالات، وقادة للحرس يمكن اعتبارهم مؤثرين في عملية صنع القرار في المرحلة الراهنة. ومن هؤلاء القادة العامين للحرس الثوري: محسن رضائي، ويحيي صفوي، ومحمد علي جعفري (جنرالات بنجمتين)، إلى جانب حسين طائب، القائد الأسبق لمنظمة استخبارات الحرس الثوري.
السيناريوهات المحتملة لمستقبل نظام الحكم وقيادته
السيناريو الأول: استتباب الهيمنة للقائد الأعلى الجديد؛ سواء كان نجل القائد القتيل أو كان شخصية أخرى في ضوء الشكوك التي لا تزال تُطرح بشأن مصير مجتبى خامنئي. ويعني ذلك أننا أمام مرحلة مخاض قصيرة نسبياً، يعود بعدها القرار إلى طبيعته السابقة أو إلى صيغة قريبة منها؛ إذ سيكون القائد الجديد مخولاً بصلاحيات دستورية واسعة تُمكِّنه من إعادة رسم ملامح مراكز اتخاذ القرار وترتيب مطبخ القرار من جديد. لكن هذا الاحتمال، حتى وإن بدا ممكناً، تقلل من فرصه هيمنة الحرس الثوري على المشهد، واحتمال رفضه لأي سيناريو يُعيده إلى موقع خاضع لإشراف مؤسسة أخرى. كما أن تحقق هذا المسار سيحتاج، على الأرجح، إلى وقت لا يقل عن عدة أشهر، وقد يمتد إلى أعوام؛ ما يعني أن التعامل مع مرحلة المخاض والتشظي سيظل قائماً في خلال السجال الجاري مع إيران.
السيناريو الثاني: إعادة فترة المخاض والتشظي إنتاج ذاتها؛ بسبب عدم التوصل إلى إجماع بشأن قائد أعلى يمتلك الهيمنة والسطوة، ويملك القدرة على إعادة ترتيب مطبخ القرار. ويظل هذا الاحتمال وارداً في حال فشلت الأطراف المختلفة في تكريس هيمنتها وفرض كلمتها داخل المشهد الإيراني. ويعني ذلك استمرار استعصاء التوصل إلى القرار النهائي، كما يعني صعوبة التواصل مع الجهة التي تُمسِك فعلياً بزمام القرار. ويُنذر استمرار هذه المرحلة بأن تتحول الدولة الإيرانية إلى مجموعة من الجزر المنعزلة، ذات القرارات المنفصلة والمتعارضة أحياناً، بما يضع الدولة على مشارف التحول إلى دولة هشة أو فاشلة.
السيناريو الثالث: تمكُّن مؤسسة الحرس الثوري من إعادة ترتيب نفسها، وصولاً إلى إعادة ترتيب البيت السياسي في إيران. تشير المعطيات الميدانية إلى أن مستوى الانسجام داخل الحرس الثوري بات أعلى مما كان عليه في بداية الحرب، بما يعني أنه قد ينجح في إعادة تنظيم صفوفه، الأمر الذي يمنحه قدرة أكبر على إعادة ترتيب مطبخ القرار وإخضاع المؤسسات الأخرى، مثل الحكومة والبرلمان. ويمكن للحرس الثوري أن يفعل ذلك إما عبر قائد أعلى خاضع لنفوذه، أو من طريق الانفراد بالحكم وتغييب موقع القائد الأعلى عملياً. وفي الحالتين تكون النتيجة واحدة: انتهاء مرحلة المخاض وترسيخ سطوة الحرس الثوري على مقاليد القرار. ومع أن هذا السيناريو لا يبدو أسوأ من مسار انفراط العقد، إذ سيكون العالم حينها على معرفة بالجهة التي ينبغي التفاهم والتفاوض معها، فإنه لا يعني، بأي حال، أن تحقق هذا المسار سيكون سريعاً. ففي النهاية، لن يستتب الأمر للحرس الثوري إلا بعد مرحلة مخاض قد تستمر عدة أشهر.
وفي جميع الاحتمالات، تبدو إيران أمام مرحلة مخاض صعبة قد تطول أو تقصر تبعاً للمتغيرات، لكنها على الأرجح لن تكون قصيرة. وهذا يعني أن المفاوضات الجارية مع إيران تتم في ظل حالة من التشظي السياسي والمؤسسي، تتسم بصعوبة التوصل إلى القرار النهائي، وتعقيد التواصل السلس مع القيادات المؤثرة داخل المشهد الإيراني.
مركز الإمارات للسياسات





![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%A8%D8%B1_42_1_0_1_0_1_1.jpg.webp?itok=IvOR4doP)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%B1_7_1.jpg.webp?itok=kdFB2ubR)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/204-185210-boxing-matches-gaza-wounds-war-4.jpeg.webp?itok=QQVudo4t)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_0.png.webp?itok=HSIdIJei)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%88%D8%BA%D8%A7%D9%86_176_0_0_1.jpg.webp?itok=n6Qpa7V6)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1d9ba75c-7c8b-42d9-bf3a-44b242d3c72c.png.webp?itok=Wf0tJNUG)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D9%85%D8%A7%D8%B3_67_1_4_0_0.jpg.webp?itok=wrd_MIbW)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-06-06%20113817.png.webp?itok=lnva2KMR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0068f-41_0_4.jpg.webp?itok=45UKeSnt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1-1275570_0_0.jpg.webp?itok=bXm4MTnr)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0.jpg.webp?itok=FehfOz8l)