تآكل فرص السلام في السودان مع صعود الإسلاميين داخل الجيش

تآكل فرص السلام في السودان مع صعود الإسلاميين داخل الجيش

تآكل فرص السلام في السودان مع صعود الإسلاميين داخل الجيش


14/05/2026

يتجه السودان بصورة متسارعة نحو مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة مع استمرار الحرب الأهلية بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على تنامي نفوذ التيارات الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية، وهو تطور يثير مخاوف داخلية وإقليمية ودولية من انهيار فرص التسوية السياسية، وتحول البلاد إلى ساحة مفتوحة للتطرف والصراعات الممتدة.

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، بدا الصراع في بدايته وكأنه مواجهة على السلطة والنفوذ بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”، لكن مسار الأحداث خلال العامين الماضيين كشف تحولات أعمق داخل بنية الدولة السودانية، خصوصاً مع عودة التيارات الإسلامية إلى الواجهة مستفيدة من حالة الفوضى والانهيار الأمني التي خلفتها الحرب.

ومع تعرض الجيش السوداني لضغوط ميدانية وخسائر متكررة في بعض الجبهات، اتجه بشكل متزايد إلى إعادة ترتيب تحالفاته الداخلية، مستعيناً بفصائل وشخصيات ذات خلفيات إسلامية، بعضها مرتبط بجماعة الإخوان المسلمين السودانية أو بتنظيمات متشددة ظهرت خلال السنوات الأخيرة.

ويرى مراقبون أن هذه التحولات لم تعد مجرد ترتيبات ظرفية فرضتها ضرورات الحرب، بل تعكس توجهاً سياسياً وأمنياً نحو إعادة تمكين الإسلاميين داخل مؤسسات الدولة، بعد سنوات من تراجع نفوذهم عقب الإطاحة بنظام الرئيس السابق عمر البشير عام 2019.

وتحولت هذه المخاوف إلى قضية مطروحة بقوة على الأجندة الدولية بعدما أعلنت الولايات المتحدة في مارس الماضي تصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية والجناح المسلح المرتبط بها، المعروف باسم “كتيبة البراء بن مالك”، ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية العالمية.

 واعتبرت دوائر أميركية أن هذه الخطوة تعكس إدراكاً متزايداً لخطورة تنامي نفوذ الجماعات الإسلامية المسلحة داخل المشهد السوداني، ولما يمكن أن يشكله ذلك من تهديد للاستقرار الإقليمي والمصالح الغربية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

ويعتقد محللون أن الحرب الحالية وفرت بيئة مثالية لعودة الإسلاميين إلى المشهد السياسي والعسكري، بعدما كانوا قد فقدوا جزءاً كبيراً من نفوذهم عقب سقوط نظام البشير، الذي حكم السودان لثلاثة عقود بتحالف وثيق مع الحركة الإسلامية. فمع انهيار مؤسسات الدولة وتراجع سلطة القوى المدنية، برزت مجدداً شبكات الإسلاميين داخل الجيش والأجهزة الأمنية باعتبارها قوى منظمة تمتلك الخبرة والقدرة على الحشد والتعبئة.

وفي هذا السياق، برزت “كتيبة البراء بن مالك” كأحد أبرز الفصائل المسلحة ذات الخلفية الإسلامية التي انخرطت بشكل مباشر في الحرب إلى جانب الجيش السوداني.

وتتهم تقارير حقوقية ودولية هذه الكتيبة بالمشاركة في عمليات قتالية وانتهاكات واسعة ضد المدنيين، إلى جانب تبني خطاب تعبوي متشدد يستحضر شعارات دينية وأيديولوجية تعيد إلى الأذهان سنوات الحرب والتطرف خلال حكم البشير.

وتزايد القلق الدولي مع صعود شخصيات محسوبة على التيار الإسلامي إلى مواقع مؤثرة داخل المؤسسة العسكرية.

ومن أبرز هذه الشخصيات الفريق ياسر العطا، الذي يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز الداعمين لدمج الفصائل الإسلامية داخل الجيش.

 وقد أثارت مواقفه العلنية، بما في ذلك ظهوره في مناسبات وهو يردد شعارات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، مخاوف من أن يكون الجيش السوداني بصدد التحول التدريجي إلى مؤسسة أكثر التصاقاً بالمشروع الإسلامي السياسي.

ويرى مراقبون أن إعادة هيكلة الجيش خلال الحرب فتحت المجال أمام تمدد نفوذ الضباط الإسلاميين داخل مفاصل حساسة، سواء في القيادة العسكرية أو الأجهزة الاستخباراتية، وهو ما يهدد أي مسار مستقبلي لإعادة بناء الدولة على أسس مدنية أو توافقية.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية في ظل تصاعد الاتهامات بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات واسعة من جانب أطراف النزاع. فقد خلفت الحرب آلاف القتلى وملايين النازحين، بينما باتت مناطق واسعة من السودان تعاني من المجاعة والانهيار الكامل للخدمات الصحية والإنسانية. كما تتهم منظمات حقوقية القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع على حد سواء بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، تشمل القصف العشوائي، والإعدامات الميدانية، والتعذيب، والاعتقالات التعسفية.

غير أن تصاعد نفوذ الإسلاميين داخل الجيش يضيف بعداً أكثر خطورة إلى الأزمة، إذ تخشى أطراف دولية من أن يؤدي ذلك إلى تقويض أي عملية سلام محتملة. فالكثير من القوى المدنية السودانية، وكذلك العواصم الغربية، تنظر بقلق إلى احتمال أن تفضي أي تسوية سياسية إلى إعادة إنتاج النظام القديم بصيغة جديدة، يكون فيها الإسلاميون أكثر حضوراً داخل مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية.

كما تتزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار الحرب إلى دفع بعض الفصائل نحو مزيد من التشدد والراديكالية، خصوصاً مع تداول تصريحات لقيادات محسوبة على التيار الإسلامي تتحدث عن استخدام وسائل “أكثر حسماً” في الحرب.

 وقد أثارت هذه التصريحات قلقاً واسعاً بسبب ارتباط الجيش السوداني بسجل سابق في استخدام أسلحة محرمة أو غير تقليدية خلال الحروب الداخلية في عهد البشير.

وفي هذا الإطار، أشارت تقارير غربية إلى أن القوات المسلحة السودانية استخدمت في فترات سابقة أسلحة كيميائية خلال النزاعات الداخلية، كما تحدثت تقارير أخرى عن استخدام براميل متفجرة تحتوي على غاز الكلور خلال الحرب الحالية ضد قوات الدعم السريع.

 ورغم صعوبة التحقق الكامل من هذه الاتهامات، فإن مجرد تداولها يعكس حجم المخاوف من انزلاق السودان إلى مستويات أكثر خطورة من العنف.

ولا تبدو تداعيات الأزمة السودانية محصورة داخل حدود البلاد، إذ باتت الحرب تشكل تهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي. فقد تسببت المعارك في موجات نزوح ضخمة نحو دول الجوار، مثل تشاد وجنوب السودان وإثيوبيا، ما أدى إلى ضغوط إنسانية وأمنية متزايدة على تلك الدول. كما أن استمرار الفوضى في السودان يثير مخاوف مرتبطة بأمن البحر الأحمر وخطوط الملاحة الدولية، في ظل الموقع الاستراتيجي الذي يحتله السودان على الساحل الغربي للبحر.

وتخشى الولايات المتحدة وحلفاؤها من أن يتحول السودان إلى ساحة نفوذ جديدة للقوى الإقليمية والتنظيمات المرتبطة بإيران، خاصة مع الحديث عن علاقات تربط بعض الجماعات الإسلامية السودانية بشبكات إقليمية أوسع.

ويرى مسؤولون غربيون أن استمرار التردد الدولي في التعامل مع الأزمة قد يسمح بترسيخ واقع جديد تصبح فيه الجماعات المسلحة والإسلامية جزءاً أساسياً من معادلة الحكم في السودان.

وفي مواجهة هذه التطورات، تتزايد الدعوات داخل واشنطن لتبني سياسة أكثر حزماً تجاه القيادات العسكرية السودانية المرتبطة بالتيارات الإسلامية. ويشمل ذلك فرض عقوبات إضافية، وتوسيع الضغوط الدبلوماسية، والعمل على عزل الشخصيات المتهمة بدعم الجماعات المتشددة أو عرقلة جهود السلام.

كما تدعو أطراف دولية إلى إطلاق عملية سياسية شاملة تشارك فيها الأمم المتحدة والقوى الإقليمية الرئيسية، بهدف التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار وبدء مرحلة انتقالية تمنع احتكار السلطة من قبل أي تيار أيديولوجي أو عسكري.

لكن الوصول إلى مثل هذه التسوية يبدو بالغ الصعوبة في ظل تشابك المصالح الإقليمية والدولية، والانقسامات الداخلية الحادة، وتنامي نفوذ الجماعات المسلحة. فالحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين متنافسين، بل تحولت تدريجياً إلى صراع على هوية الدولة السودانية وطبيعة النظام السياسي الذي سيحكم البلاد في المستقبل.

وبينما تتعثر جهود الوساطة الدولية، يواصل المدنيون دفع الثمن الأكبر للحرب، مع تفاقم الأوضاع الإنسانية واتساع رقعة المجاعة والانهيار الاقتصادي.

وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين السودانيين باتوا بحاجة إلى مساعدات عاجلة، في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات كبيرة في الوصول إلى المناطق المتضررة بسبب استمرار المعارك.

وفي ظل هذه الصورة القاتمة، تبدو فرص السلام في السودان أكثر هشاشة من أي وقت مضى. فصعود الإسلاميين داخل المؤسسة العسكرية لا يهدد فقط بإطالة أمد الحرب، بل يثير أيضاً مخاوف من إعادة إنتاج نموذج سلطوي قائم على التحالف بين العسكر والتيارات الأيديولوجية، وهو النموذج الذي قاد السودان لعقود إلى العزلة والصراعات والانهيار.

ويبدو السودان اليوم أمام مفترق طرق بالغ الحساسية: إما نجاح الضغوط الدولية والإقليمية في فرض مسار سياسي يوقف الحرب ويعيد بناء الدولة على أسس مدنية وتوافقية، أو انزلاق البلاد نحو مرحلة أكثر تعقيداً تتحول فيها الحرب الأهلية إلى صراع مفتوح بين مشاريع أيديولوجية ومصالح إقليمية متشابكة، بما يهدد ليس فقط مستقبل السودان، بل استقرار منطقة القرن الأفريقي بأسرها.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية