من “الحشد” إلى “التهيئة الفكرية”.. كيف تعيد جماعة الإخوان تشكيل نفوذها داخل الفضاء الرقمي؟

من “الحشد” إلى “التهيئة الفكرية”.. كيف تعيد جماعة الإخوان تشكيل نفوذها داخل الفضاء الرقمي؟

من “الحشد” إلى “التهيئة الفكرية”.. كيف تعيد جماعة الإخوان تشكيل نفوذها داخل الفضاء الرقمي؟


10/05/2026

لم تعد جماعة الإخوان تتحرك اليوم بالأدوات التقليدية نفسها التي اعتمدتها لعقود طويلة، حين كان الرهان قائماً على الحشد الجماهيري وبناء التنظيمات الهرمية والسيطرة على الشارع، فبعد سلسلة من الضربات السياسية والأمنية التي طالت حضورها في أكثر من بلد عربي، انتقلت الجماعة تدريجياً من منطق “الظهور الصاخب” إلى منطق “التموضع الصامت”، مع إعادة تعريف أدوات التأثير بما يتلاءم مع بيئة رقمية متغيرة وسريعة الإيقاع.

هذا التحول لم يكن مجرد تعديل تكتيكي عابر، بل يعكس إعادة هندسة كاملة لآليات الاشتغال التنظيمي والفكري، وبدلاً من التركيز على التعبئة المباشرة، برزت مقاربة جديدة تقوم على “التهيئة الفكرية” طويلة المدى، أي إعادة تشكيل الوعي تدريجياً عبر محتوى ناعم ومتشعب، يتداخل فيه الديني بالاجتماعي والثقافي، بما يسمح ببناء تأثير غير مرئي لكنه متراكم وفعّال.

في السياق، كشفت تقارير تحليلية أن التنظيم بات يعتمد على منصات رقمية وواجهات إعلامية متنوعة تستهدف بشكل خاص فئة الشباب، عبر محتوى يبدو في ظاهره دعوياً أو توعوياً أو اجتماعياً، لكنه يحمل في عمقه إعادة إنتاج لمفاهيم الجماعة التقليدية. 

 

الإعلام الرقمي.. السلاح الجديد للإخوان

 

أدركت الجماعة مبكراً أن خسارة المجال السياسي التقليدي لا تعني نهاية قدرتها على التأثير، بل مجرد انتقال لمسرح جديد أكثر اتساعاً وأقل رقابة: الفضاء الرقمي. 

ومع صعود منصات التواصل الاجتماعي، تحولت هذه البيئة إلى المجال الأكثر ملاءمة لإعادة إنتاج الخطاب الإخواني بصيغ مرنة ومجزأة، تتجنب المواجهة المباشرة وتستثمر في الرمزية والتأثير العاطفي.

وتشير تقارير إعلامية إلى أن التنظيم يوظف اليوم واجهات رقمية متعددة تتراوح بين صفحات دينية ومحتوى ثقافي ومبادرات اجتماعية، تعمل في ظاهرها بشكل مستقل، لكنها تتقاطع في الأهداف والمرجعيات الفكرية. كما برزت منصات رقمية تستثمر في قضايا الشباب والمظلومية الاجتماعية، مع توظيف سرديات نقدية للأنظمة والدول بهدف خلق حالة من التشكيك وإعادة بناء الثقة داخل قنوات موازية.

وتعتمد هذه الاستراتيجية على تجاوز الخطاب التنظيمي المباشر، واستبداله بلغة أكثر مرونة تقوم على مفردات مثل “الحرية” و”الهوية” و”العدالة”، بما يسمح بتوسيع قاعدة التأثير دون إثارة ردود فعل سياسية مباشرة؛ وبهذا تتحول الجماعة من فاعل سياسي ظاهر إلى شبكة تأثير ثقافي وإعلامي تعمل داخل المساحات الرمادية للإنترنت.

 

استهداف الشباب.. من التجنيد التنظيمي إلى هندسة القناعات

 

لم يعد الهدف الأساسي للإخوان هو إعادة إنتاج نموذج التجنيد التنظيمي الكلاسيكي، بل الانتقال إلى مرحلة أكثر تعقيداً تقوم على تشكيل القناعات قبل السلوك، فبدلاً من استقطاب أفراد داخل هياكل مغلقة، يتم العمل على خلق بيئة فكرية مهيأة تدريجياً لتقبل أطروحات التنظيم، حتى دون الوعي بمصدرها.

وبحسب تحليلات بحثية، تعتمد هذه المقاربة على أدوات متعددة، من بينها المحتوى الديني القصير، والمجموعات المغلقة، والدروس الرقمية التفاعلية، إضافة إلى مؤثرين يقدمون أنفسهم كخطاب مستقل بينما يعيدون إنتاج مضامين فكرية مرتبطة بالإطار الإخواني، فيما يجري تمرير هذه المضامين ضمن سياقات أخلاقية أو اجتماعية أو تنموية، ما يجعلها أقل إثارة للرفض وأكثر قابلية للتلقي.

وتتفاقم خطورة هذا المسار في ظل هشاشة الوعي الرقمي لدى شرائح واسعة من الشباب، حيث يختلط المحتوى الترفيهي بالديني والتوعوي دون فواصل واضحة، ما يسمح بتراكم التأثير ببطء شديد لكنه مستمر. وهنا يتحول التأثير من لحظة قرار إلى عملية تراكم طويلة الأمد تُعيد تشكيل الإدراك والسلوك تدريجياً.

 

اقتصاد المنصات الموازية.. تمويل النفوذ الناعم

 

إلى جانب البعد الفكري والإعلامي، برز خلال السنوات الأخيرة مسار موازٍ يتمثل في توظيف الاقتصاد الرقمي كأداة دعم غير مباشرة لاستمرارية النفوذ، فبدلاً من الاعتماد على قنوات تمويل تقليدية يمكن مراقبتها، اتجهت شبكات مرتبطة بالخطاب الإخواني إلى استثمار منصات المحتوى والإعلانات والتبرعات الإلكترونية كآليات تمويل مرنة وعابرة للرقابة.

ويقوم هذا النموذج على دمج المحتوى المؤثر مع آليات الربح الرقمي، سواء عبر المشاهدات أو الاشتراكات أو التبرعات الصغيرة، بما يخلق تدفقاً مالياً مستمراً يغذي إنتاج المحتوى ذاته؛ وهكذا تتشكل حلقة مغلقة بين الانتشار والتأثير والتمويل، يصعب تفكيكها لأنها لا تعتمد على مركز مالي واحد، بل على شبكة موزعة من الحسابات والمنصات.

وتكمن خطورة هذا النمط في أنه يمنح المشروع قدرة على الاستمرار حتى في ظل التضييق التنظيمي، كما يتيح إعادة توجيه الموارد بسرعة بين المنصات المختلفة عند الحاجة. وبهذا يتحول الاقتصاد الرقمي إلى جزء أساسي من بنية النفوذ، لا مجرد وسيلة دعم.

 

ما بعد 2030.. مشروع التغلغل البطيء

 

وتشير المؤشرات إلى أن الجماعة لا تراهن على عودة سريعة إلى المشهد السياسي، بل تعمل وفق استراتيجية طويلة المدى تقوم على التراكم البطيء داخل المجتمع والفضاء الرقمي، فبدلاً من الصدام المباشر، يتم الاستثمار في الزمن عبر بناء تأثير ممتد داخل الوعي العام، خاصة لدى الأجيال الجديدة.

هذا التوجه يعكس انتقالاً من منطق “التمكين السريع” إلى منطق “التغلغل التدريجي”، حيث تصبح الأولوية لبناء بيئات فكرية متعاطفة مع المشروع الإخواني دون الحاجة إلى إعلان الانتماء إليه، وتُطرح بعض التحليلات أن هذا المسار قد يمتد زمنياً إلى ما بعد عام 2030، باعتباره أفقاً لإعادة التموضع وليس مجرد مرحلة عابرة.

في المقابل، يفرض هذا الواقع تحديات مركبة على الدول والمجتمعات، لأن المواجهة لم تعد أمنية أو سياسية فقط، بل أصبحت مرتبطة ببناء وعي رقمي قادر على تفكيك أنماط التأثير الناعم وكشف آليات التوجيه غير المباشر داخل المنصات.

هذا وتبدو الجماعة اليوم في مرحلة إعادة تشكيل كاملة، تنتقل فيها من التنظيم الصلب إلى الشبكة المرنة، ومن الحشد إلى التهيئة، ومن المواجهة إلى التغلغل، في مسار طويل المدى يعتمد على الزمن بقدر اعتماده على الفضاء الرقمي.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية