
مختار الدبابي
لم يكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يضع في حسابه بشأن الحرب أن إيران يمكن أن تلعب ورقة مضيق هرمز. لكن الذي حصل أن إيران لعبت الورقة التي أربكت العالم بوضعها عراقيل أمام حركة النفط ومواد أخرى ضرورية لقطاعات حيوية مثل الزراعة أو إنتاج الرقائق. نتائج هذه المفاجأة/الصدمة لم تقف عند حدود ترامب أو حلفاء أميركا في الخليج، لقد شملت الجميع بما في ذلك النظام الإيراني.
إيران كانت تعتقد أن عرقلة التصدير في المضيق سيضغط على دول الخليج ويمنعها من شحن النفط والاستفادة من الثروة النفطية الهائلة في مشاريع كبرى بدأت تنفيذه في السنوات الأخيرة تحسبا لترجيحات بنهاية عصر النفط خلال نصف قرن، وهو وضع سيضغط على أميركا لتنفيذ ما تطلبه إيران من تعهدات وعلى رأسها عدم استئناف الهجمات.
لكن الذي حصل أن ترامب رد بسرعة على الحصار الإيراني الهادف لعرقلة نفط الخليج بحصار أشمل منع خلاله دخول وخروج النفط الإيراني سواء المعلن أو المخفي تحت مظلة ما يعرف بأسطول الظل. انقلب السحر على الساحر، وبدل توظيف مضيق هرمز كورقة ضغط بات الإيرانيون يعرضون مبادرات لفك الحصار، ومع كل مقترح جديد يتخلون عن شرط من الشروط التي كانوا يرفعونها.
ما لا يظهر في الصورة هو وجود ضغوط من دول تعتمد على النفط الإيراني الذي يباع بشكل سري، وخاصة من شرق آسيا، وعلى رأسها الصين لدفع طهران إلى التوصل إلى حل سريع مع واشنطن لفتح مضيق هرمز وخلق مناخ من الثقة يقود إلى سحب القوات الأميركية ورفع الحصار كليا والعودة إلى وضع ما قبل الحرب، وهو ما يتيح عودة “أسطول الظل” إلى العمل والإيفاء بالكميات التي تطلبها تلك الدول.
والمتتبع لمحتوى المقترحات الإيرانية المتدرجة يلاحظ حرصا على جعل فتح مضيق هرمز عنصرا قارا فيها مقابل “ضمانات” أميركية تريد إيران من خلال تحقيق أي منها الظهور بمظهر من حقق “النصر” ونفذ شروطه بما في ذلك وضع آليا دولية وإقليمية لإدارة المضيق.
لكن إدارة ترامب ترفض الفكرة مطلقا، فهي تريد أن يعود نشاط الملاحة الدولية إلى ما كان عليه قبل الحرب، وأن يكون المضيق منطقة عبور دولية حرة، أي إسقاط فكرة التحكم في حركة العبور مطلقا وقطع الطريق أمام أي صيغة فضفاضة لاتفاق توظفه طهران لاحقا لمطالبة السفن بدفع رسوم.
وآخر المناورات الصادرة عن الحرس الثوري لتأمين التراجع عن ورطة استخدام المضيق كورقة ضغط الحديث عن “خريطة جديدة” للمنطقة الخاضعة لسيطرته. وأيا كانت هذه الخريطة وهل ثمة سيطرة إيرانية فعلية أم لا على المضيق في ظل الحصار الأميركي، فإن الأمر يدخل في سياق خلق مسارب لتأمين بدائل لنقل النفط والغاز والمواد الضرورية الخاصة بصناعة الأسمدة أو الرقائق، ما يتيح استئناف حركة الملاحة ولو جزئيا، وفتح الطريق أمام استئناف المفاوضات.
يعرف الإيرانيون أن أميركا لن تقبل بمفاوضات تحت سلطة الأمر الواقع، أي مفاوضات في وضع تتوقف فيه حركة الملاحة وارتفاع أسعار المحروقات، ولذلك يعملون ما في وسعهم على إرسال مقترحات يوما بيوم مع وضع قائمة من التنازلات الجزئية تنتهي إلى فتح المضيق مقابل إجراء حوار مع واشنطن يضفي مشروعية استعراضية، إعلامية بالأساس، توحي بأن أميركا تفاوضت مع إيران لفتح المضيق، وأنه لولا التفاوض ما فُتح أبدا.
وخلال هذه الفترة يمكن أن تستهدف بعض السفن لإظهار أنها صاحبة القرار، مثل استهداف ناقلة تابعة لشركة “أدنوك” باستخدام الإماراتية بطائرتين مسيرتين، أثناء مرورها من مضيق هرمز.
مثل هذه الخطوة ستزيد من توتير الوضع وقد تستدعي بشكل آلي تدخل البحرية الأميركية لكف الأذى الإيراني عن حركة الملاحة في وقت تقول فيه واشنطن إنها بحريتها تسيطر على المضيق وتستمر في حصارها على الموانئ الإيرانية. ونقلت وسائل إعلام أميركية قولها إن الجهات العليا منحت الإذن للقوات الأميركية في المنطقة للرد على التهديدات الفورية ضد القوارب أو مواقع إطلاق الصواريخ، في رسالة واضحة إلى الإيرانيين مفادها أن الحصار جدي، وأن إدارة ترامب لا تمزح.
ومن شأن سعي الحرس الثوري إلى خلق مناخ من التوتر ببعض المناوشات مع سفن خليجية أو مع البحرية الأميركية أن يؤجل خيار المفاوضات الذي تراهن عليه إيران كطوق نجاة خاصة مع جاهزية باكستان لنقل الرسائل والتحمس لها في سياق تضخيم دورها كوسيط.
لكن إدارة ترامب لا تنظر إلى نصف الكأس الذي يملؤه الإيرانيون بالتنازلات الجزئية بشأن المضيق، ولكن ينظرون إلى النصف الفارغ، الذي لا يريد الإيرانيون الحديث عنه ويرجئون لتنازلات قادمة، ويهم الملف النووي، وهو السبب الفعلي الأول للحرب يضاف له طبعا قصقصة النفوذ الإقليمي لإيران.
من المهم الإشارة إلى أن لعب ورقة مضيق هرمز للضغط على دول الخليج ستدفعها إلى البحث عن بدائل استراتيجية بديلة لتأمين صادراتها من النفط والغاز، ليس فقط لتفادي المخاطر الأمنية، بل أيضا لإعادة رسم خريطة الطاقة بما يقلّل من الاعتماد على نقطة اختناق جيوسياسية شديدة الحساسية.
وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من الخيارات البرية والبحرية التي تختلف من حيث الجاهزية والكلفة والجدوى الاستراتيجية.
أحد أبرز البدائل القائمة يتمثل في توسيع استخدام الموانئ الواقعة على البحر الأحمر، عبر خطوط أنابيب تربط الحقول النفطية في شرق السعودية بمرافئها الغربية. هذا الخيار يتيح تجاوز مضيق هرمز بشكل كامل، وقد أثبتت التجارب السابقة أهميته في أوقات التوتر. كما يمكن لدول أخرى في الخليج أن تحذو حذو هذا النموذج عبر إنشاء شبكات ربط إقليمية تؤدي إلى البحر الأحمر، ما يعزّز التكامل الخليجي في مجال الطاقة ويخلق ممرًا بديلًا مستقرًا نسبيًا نحو الأسواق الأوروبية.
بالموازاة، يبرز بحر العرب كخيار استراتيجي مهم، خصوصًا بالنسبة إلى سلطنة عمان التي تمتلك سواحل مفتوحة على المحيط الهندي. ويمكن تطوير هذا المسار عبر مدّ أنابيب من داخل الأراضي السعودية أو الإماراتية نحو الموانئ العمانية، بما يسمح بتصدير النفط والغاز دون المرور بالمضائق الضيقة. هذا التوجه قد يكتسب زخما أكبر في ظل تصاعد التوترات، نظرًا لما يوفره من مرونة جغرافية وانفتاح على طرق الملاحة الدولية.
أما على المستوى البري، فتُطرح بقوة فكرة إنشاء ممرات طاقة تمتد شمالًا عبر العراق أو سوريا وصولًا إلى البحر المتوسط. ورغم التعقيدات السياسية والأمنية التي تحيط بهذين البلدين، فإن هذا الخيار يحمل أهمية استراتيجية كبيرة، إذ يختصر المسافة نحو أوروبا ويمنح دول الخليج منفذًا مباشرًا إلى الأسواق الغربية.
إلى ذلك، تبرز تركيا كخيار محوري في معادلة نقل الطاقة، نظرًا لموقعها الجغرافي كبوابة بين آسيا وأوروبا، وللبنية التحتية المتطورة التي تمتلكها في مجال خطوط الأنابيب. ويمكن لدول الخليج التفكير في ربط شبكاتها النفطية والغازية عبر العراق أو سوريا بتركيا، ما يتيح الوصول إلى الأسواق الأوروبية بشكل أكثر أمانًا واستدامة.
ولا تقتصر البدائل على الأنابيب البرية، بل تشمل أيضا تطوير أساطيل النقل البحري وبناء موانئ جديدة خارج نطاق التهديدات المباشرة، إضافة إلى الاستثمار في منشآت التخزين الاستراتيجي في دول قريبة من الأسواق المستهلكة. هذه الخيارات تمنح دول الخليج قدرة أكبر على المناورة في أوقات الأزمات، وتقلّل من تأثير أي تعطّل مفاجئ في الإمدادات.
ولا تمثل هذه البدائل مجرد حلول تقنية لنقل النفط والغاز، بل تعكس تحوّلًا استراتيجيًا في تفكير دول الخليج نحو تنويع المخاطر وتعزيز أمن الطاقة.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/FB_IMG_1544169028806-1.jpg.webp?itok=qwRRyDww)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%AC%D9%8A_10_3_2_0_0.png.webp?itok=veLM0KG3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%AF%D9%8A00_0_1_1_0_0.jpg.webp?itok=IzzqJrNy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A_2_0_2_4_0_1.jpg.webp?itok=kLF7uVIF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_0.jpg.webp?itok=-ytZF2BD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_41_2_0.jpg.webp?itok=IrREvM8t)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_0.jpg.webp?itok=m6OAb2DG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%AC%D9%88%D9%85%20%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A_1_0_0_0_0_0.jpg.webp?itok=0OjY_8fk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/01_88_0_0.jpg.webp?itok=0kQcRIcL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D9%81%20%D9%8A%D8%AA%D9%85%D9%91%20%D8%AA%D8%A3%D8%B5%D9%8A%D9%84%20%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8%20%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D9%81%D9%8A%20%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_0_1.jpg.webp?itok=ccZ07Hvm)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_158_3.jpg.webp?itok=NsR8Qg-C)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0068f-41_0_4.jpg.webp?itok=45UKeSnt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_76_1.jpg.webp?itok=MsmU4uk7)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_28_0_2_2.jpg.webp?itok=q-0Er-5y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bd_3_0.jpg.webp?itok=2AIUpTU2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=l1Lu6_7b)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/wtny_0_8_0.jpg.webp?itok=PykPrfzI)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%83_0.jpg.webp?itok=bruHBiiI)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1-1275570_0_0.jpg.webp?itok=bXm4MTnr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_3_0.jpg.webp?itok=SMUzeMhe)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0101_1_10.jpg.webp?itok=pbgfrNEL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%8A%D8%B4_9_0.jpg.webp?itok=FRVAjScv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82_102_0_0.jpg.webp?itok=M28--bfZ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0.jpg.webp?itok=FehfOz8l)