
أثارت اعترافات الإرهابي الإخواني علي عبد الونيس العديد من التساؤلات التي يجب أن نبحث عن إجابة صادقة لها. فما جاء في بيان وزارة الداخلية والمقطع المصور له، هو فصل الختام في حياته، لكن لا أحد يعلم كيف بدأ، ولا كيف تم تجنيده، ولماذا وصل إلى ما وصل إليه. من المؤكد أنّ "علي عبد الونيس" لم يولد إرهابيًا، ولم يكن يدور بخلد والده الفلاح البسيط أنّ ابنه، الذي سعى جاهدًا أن يُتمّ تعليمه الجامعي، فوفر له ما استطاع من متطلبات، ليتخرج ويكون سندًا له ولأسرته، وعونًا على نوائب الدهر، لم يكن أبدًا يتوقع أن يكون سببًا في آلامه وخوفه ورعبه من دعوات أهالي الأبرياء الذين قتلوا على يد ابنه، وبالتأكيد لم يكن يريد أن تكون هذه هي النهاية.
إنّ ما جرى مع علي عبد الونيس هو أنّه وقع اختيار أحدهم عليه ليضمه إلى دائرة الدعوة الفردية، ثم دفعه تدريجيًا للانضمام إلى جماعة الإخوان ربما في عامه الأول الجامعي أو الثاني على أقصى تقدير، فقد وجد الحماية الاجتماعية والدفء اللذين يفتقدهما كريفي بسيط رقيق الحال، وجد نفسه غريبًا وغريقًا في مدينة القاهرة التي تبتلع الجميع، فقبل، بل سعد، أن يمارس إسلامه وعلاقاته الاجتماعية وسط مجموعة متماثلة من أقرانه عبر الانتماء إلى الجماعة.
وفي الجماعة تمّت تغذيته بالأفكار الإرهابية بالتدريج، وتلقى عمليات غسيل مخ عبر المعسكرات التي كان يعقدها الإخوان في جامعة الأزهر، ثم وجد، وهو لم يزل فتى بسيطًا لم يتخرج بعد، أنّ مسؤوله الإخواني بقسم طلاب جامعة الأزهر "يحيى موسى"، الذي لا يكبره بأعوام كثيرة، قد تم تعيينه متحدثًا رسميًا باسم وزير الصحة، فبدت الفرصة قادمة، وقاربت الثمرة على قطافها، أسقط في يد عبد الونيس عندما رفض الشعب المصري حكم الإخوان، لم يصدق أنّ الجماعة التي تمثل الدين عنده، والتي مكّن الله لها في الأرض، قد رفضها الشعب، فتقبّل عقله ووجدانه ما غرسه فيهم قادتهم من الجماعة "أنّ ثمة مؤامرة على الإسلام"، فصدّق ما مُلئ به واتبعهم دون تفكير، فكانت النهاية التي أفاق عليها أنّ يده ملوثة بدماء الأبرياء، ليس فقط الخمسة والخمسين فردًا الذين اعترف بهم الإخوان في لقاءاتهم السرّية، بل عشرات الأبرياء الذين قضوا نحبهم في تفجير معهد الأورام، وغيره من العمليات الإرهابية.
هذه النهاية المؤلمة تفتح الباب لسؤال أخطر وأهمّ؛ ماذا عن الفئة العمرية الأصغر، أو بالمعنى التنظيمي "الأشبال" الذين جرى استقطابهم وغرس معاني الكراهية في وجدانهم؟
الأشبال حكاية قنابل بشرية مختبئة
من أين نبدأ حكاية الأشبال؟ هل من أيام حسن البنا وحرصه على العبث بوجدان تلاميذ المدارس الليلية والأهلية؟ أم من مرحلة الستينات التي أفرزت محمود عزت وغيره من شباب تنظيم 1965 الذين أرادوا تفجير القاهرة واغتيال عبد الناصر ورموز الحكم، ربما الأنسب أن نبدأ من معسكر رابعة، حيث تمّت هناك حكاية صناعة القنابل البشرية التي أطلقوها في المجتمع، أو أشبال الإخوان.
إنّ ملف أشبال رابعة لا يلتفت إليه كثيرون، رغم أنّه يهدد الحاضر والمستقبل في آنٍ واحد، وهو مشهد مرعب بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ ولعل البعض ما يزال يتذكر ذلك الأب الذي كان يحمل ابنه الذي لم يتجاوز السابعة من عمره، وقد أمسك بمكبر الصوت يهتف في الناس وهم يرددون وراءه، بينما يرى الأب أنّ ذلك نصرة للدين، وأنّه لا يبالي بأن يضيع ابنه أو ألف غيره، أو مشهد مجموعة الأطفال الذين حملوا أكفانهم، أو وضعوا عصابة كُتب عليها "مشروع شهيد" أو "أشبال الإسلام". فعلى مدار أيام الاعتصام عمدت الجماعة إلى تصدير مشهد الأطفال، تحديدًا واستخدامهم في التظاهرات غير السلمية، لا لجذب التعاطف بل لصناعة قنابل كراهية بالمجتمع. إنّ هذا التوظيف يتجاوز حدود الخلافات السياسية إلى تشكيل وعي طفل سيصبح مراهقًا ثم رجلًا، لكنّه يظل أسير تلك الكراهية التي زُرعت داخله، ولا يتخلص منها إلا إذا فجّرها في وجه المجتمع.
إنّ جريمة الدفع بالأطفال إلى معركة لا يعلمون أبعادها ولا يعون خطورتها، وهم في الأصل تحت الولاية، لا تساوي جريمة ترسيخ فكرة الموت من أجل محمد مرسي، ومن أجل جماعة الإخوان، ومن أجل الحكم في وجدان الأطفال، إنّ جريمة التلاعب بالأطفال هي فعل لا أخلاقي بالكليّة، لا تساوي جريمة تدمير مستقبل الأطفال بملئهم بمشاعر الكراهية تجاه الوطن والمجتمع والشعب والحكومة وكلّ معارض للإخوان.
هكذا يستقطبون الأطفال
عمدت جماعة الإخوان إلى استقطاب الأطفال باعتبارهم الأكثر قابلية للتشكيل والتكوين، حيث يسهل غرس ما يُراد من قناعات وأفكار في عقولهم إذا ما تعرضوا لتأثيرات مستمرة ومنظمة. فتجد الجماعة بابًا واسعًا للدخول إلى عالم الطفل عبر الأنشطة الترفيهية، والرحلات، والمسابقات، واللقاءات، والأنشطة الرياضية التي يألفها ويحبها، فتتحول هذه المساحات البريئة إلى أدوات تأثير خفية، يُعاد من خلالها تشكيل وعيه وترسيخ أفكار محددة بداخله، وفقًا لأدبيات الجماعة ومخططها.
جاء هذا في إطار سعي الجماعة الإرهابية لاختراق المجتمع المصري بمختلف فئاته، فكان استقطاب الأشبال في مقدمة أولوياتهم، إذ ينظر إليهم التنظيم باعتبارهم المخزون الاستراتيجي للمستقبل. فالجماعة لا تبحث عن عناصر مكتملة الوعي بقدر ما تستهدف عقولًا قابلة للتشكيل، يسهل التأثير عليها دون جدل أو مقاومة، عبر آليات التلقين الفكري والسلوكي، في ظل ضعف الإدراك لدى هذه الفئة بخطورة الجماعات المتطرفة.
وتعتمد الجماعة في ذلك على مبدأ أنّ "التعليم في الصغر كالنقش على الحجر"، فتسعى إلى تأصيل أفكارها داخل عقول الأطفال منذ المراحل المبكرة، لتضمن ولاءً طويل الأمد، ومن هنا يصبح مشروع تجنيد الأطفال إحدى الركائز الأساسية داخل التنظيم، حيث يمثل هؤلاء لاحقًا العمود الفقري لقواعده.
هذه العملية لا تتم بشكل فج، بل عبر مسار تدريجي يبدأ بالاحتواء الاجتماعي، ثم التوجيه الفكري، وصولًا إلى التلقين الكامل لمفاهيم وسلوكيات بعينها، فنجد أنفسنا أمام عناصر مهيأة فكريًا وسلوكيًا، دون أن تمرّ بمراحل الفهم أو النقاش، وتستغل الجماعة في ذلك طاقة هذه المرحلة العمرية، وحيويتها، فتوظف الأنشطة الرياضية، والمسابقات الدينية والفنية، والرحلات، ليس فقط للترفيه، بل كوسائل منظمة لإعادة تشكيل الوعي وتوجيهه في المسار الذي يخدم أهدافها، وأخطر هذه المسارات صناعة جيل حضر رابعة وإخباره أنّ له ثأرًا مع الدولة المصرية شعبًا وحكومةً.
هنا يجب أن ندق ناقوس الخطر الذي لم يعد مؤجلًا، بل يقف الآن على أبوابنا في صورة جزء من جيل تشكّل وعيه على يد جماعة لا ترى في الوطن سوى عدو للإسلام، إنّ ترك هؤلاء دون مواجهة فكرية حقيقية هو تفريط في المستقبل، ومغامرة لا تحتملها دولة تسعى للاستقرار.
المواجهة لم تعد خيارًا، بل ضرورة حتمية؛ مواجهة تكشف الزيف، وتفكك خطاب الكراهية، وتعيد بناء الوعي على أسس صحيحة. فإمّا أن نتحرك الآن لحماية عقول أبنائنا، وإمّا أن ننتظر قنابل بشرية تنفجر في وجه المجتمع بأكمله.





![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=ZyKoW2DS)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85_0.jpg.webp?itok=QEuO2sEV)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_70_0_0.jpg.webp?itok=l2E0VzN5)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%8A%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=8x2y4tXt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/yil65yhb0ltnpan5hqsv.jpg.webp?itok=i4xOuWNs)





![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)